مقدمة الترجمة:

في مقاله المنشور بموقع "إيست آسيا فوروم"، يسلط "ياو-يوان يِه"، الأستاذ المشارك بقسم العلاقات الدولية في جامعة سانت توماس، الضوء على الحراك الصامت للشباب الصيني والمعروف اليوم باسم حراك الاستلقاء أو "تانغ بينغ". ويشير هذا المصطلح إلى الأجيال الجديدة في الصين التي تشعر بالتشاؤم تجاه مستقبلها، وبالتالي فإنها باتت ترفض قيم العمل الجاد والنضال من أجل المستقبل التي تبنتها الأجيال السابقة، ما يُهدِّد بإسدال الستار على الفترة الذهبية للازدهار الصيني.

نص الترجمة:

بزغ حراك الاستلقاء أو ما يُطلق عليه "تانغ بينغ" بوصفه ظاهرة في الصين عام 2021، وهو توصيف للأجيال التي وُلِدَت في أواخر التسعينيات والعقد الأول من الألفية وأصابتها خيبة أمل نظرا لافتقارها إلى تحسين وضعها الاجتماعي، ومعاناتها من الركود الاقتصادي. ومن ثمَّ قررت تلك الأجيال "ألا تناضل من أجل مستقبلها"، فهي ترفض قيم العمل الجاد أو تملُّك المنازل أو الزواج أو المستويات المعيشية التي طمحت إليها الأجيال السابقة. ومنذ لاقى حراك الاستلقاء أصداء كبيرة لدى مستخدمي الإنترنت الشباب في الصين، سعت الحكومة الصينية إلى إخماده من خلال استعادة "القيم التقليدية النبيلة" للأجيال السابقة. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بالسبب الكامن وراء انتشار هذا الحراك بين الشباب الصيني رغم أربعين عاما من الازدهار الاقتصادي.

الحقيقة هي أن نمو إجمالي الناتج المحلي الصيني انخفض على نحو مطرد منذ عام 2010، كما انخفض إجمالي الناتج المحلي بالفعل من معدل 10.6% إلى 6% قبل جائحة كورونا نفسها. والآن فإن الركود الاقتصادي الناتج عن التضخم العالمي بسبب الجائحة والحرب الأوكرانية والعقوبات الاقتصادية يُهدِّد بإسدال الستار على الفترة الذهبية للازدهار الصيني.

الثورة الصامتة

إن التوترات المتزايدة بين الصين والولايات المتحدة والإغلاقات العديدة الناتجة عن سياسة "صفر كوفيد" المُتَّبعة في الصين، بالإضافة إلى الأزمة العقارية التي تلوح في الأفق وتراجع فرص العمل للعمال غير المهرة، كلها أدت إلى إثارة المزيد من الارتياب فيما يتعلق بمستقبل الصين. (على سبيل المثال، تأخرت شركة "إيفرجراند"، وهي واحدة من كبرى الشركات العقارية في الصين، عن سداد مدفوعاتها، ولحقتها في التخلف عن السداد بعد ذلك بفترة قصيرة شركات مجموعة "كايسا". ولذا انخفضت أسعار العقار في البلاد بأكثر من 30% بالمقارنة مع العام الماضي. ومن حينها ومعضلات القطاع في تصاعد، حيث صارع المُطوِّرون الذين يعانون من ضائقات مادية من أجل إكمال المشاريع في مواقيتها المحددة. وبعد اندلاع احتجاجات في مدينة "جينغْدِشِن" الجنوبية-الشرقية هذا العام، انتشرت احتجاجات مشتري العقارات كالنار في الهشيم في مئة مدينة تقريبا. وقد قدَّر بنك "دويتشِه بانك" الألماني بأن قيمة الديون العقارية التي تأثرت بالمقاطعة تبلغ نحو من 270 إلى 300 مليار دولار)*.

غير أن الرقابة النشطة على الإنترنت وغيرها من الإجراءات التي تُقيِّد حرية التعبير تعني أن "تانغ بينغ" ثورة صامتة تُمثِّل عجز الشباب الذين يدركون بأنهم لن يحققوا أبدا المستويات المعيشية نفسها التي حققها آباؤهم أو أجدادهم. ورغم أنها ثورة صامتة وحسب، فإن الحزب الشيوعي الصيني متوجس بشأن تأثيرها على المجتمع. ولذا وظَّف الحزب الشيوعي الصيني وسائل إعلام مملوكة للدولة، مثل وكالة أنباء "شينخوا" وغيرها من المنصات، لشجب تلك الحركة.

وعلى إثر ذلك، أبطل مراقبو الحزب كلّ ملتقيات "الاستلقاء" على موقع "دوبان" ووسائل التواصل الاجتماعي الصينية الأخرى. حتى إن الأمر وصل إلى أن منصات التجارة الإلكترونية الصينية، مثل "جي دي تاوباو"، لم تسلم من حملة "تصويبها" من قِبَل مراقبي الحزب الحاكم، حيث إن المنتجات التي تستعرض الطابع الصيني الخاص بحركة الاستلقاء، بما فيها القمصان وأغطية الهواتف الذكية، سرعان ما مُحيَت من عرضها للبيع.

الشباب يُعقِّد النهضة الصينية

هناك حيثيات ديمغرافية يجب على الحزب الشيوعي الصيني أن يُعنى بها. لقد انتقلت الصين من سياسة الطفل الواحد إلى سياسة الطفلين لحثِّ الناس على إنجاب أكبر عدد ممكن من الأطفال رغم أن السياسة الرسمية هي ثلاثة أطفال، وذلك بُغية الحفاظ على سلامة نظام المعاشات التقاعدية والقوى العاملة. وبدلا من إنجابهم للأطفال، تسبب أولئك "المُستلقون" في زيادة المخاوف الرسمية بشأن انخفاض معدل المواليد في الصين طيلة السنوات الخمس الماضية. (لقد أبطلت الصين سياسة الطفل الواحد التي كانت سارية لعقود عام 2016، وحلَّت محلها سياسة الطفلين التي فشلت في زيادة المواليد. ثم أعلنت عام 2021 عن أنها ستتيح للأزواج أن ينجبوا ثلاثة أطفال فقط، وذلك بعد أن أظهرت البيانات أن الانخفاض لا يزال حادا في معدل المواليد)*.

من المحتمل أيضا أن تُثير حركة الاستلقاء مخاوف المستثمرين الأجانب وأن تقلل إنتاجية العمال في الصين. ونظرا لأن الحزب الشيوعي الصيني يَعُدُّ التنمية الاقتصادية أمرا حيويا يستخدمه لشرعنة حكمه الاستبدادي الصارم، فليس من المرجح أن يتسامح مع أي انخفاض ملحوظ في قيمة رأس المال البشري ودوره الاقتصادي. ولعل الأهم من ذلك هو أن مفهوم الاستلقاء يعني للشعب الصيني وللحزب الشيوعي والعالم أن الصين في ظل حكم الرئيس "شي جين بينغ" تتراجع لأول مرة منذ بداية نهضتها مع إصلاحات الرئيس السابق "دِنغ شياوبينغ"، وأن "شي" فعليا غير قادر على تحفيز الشباب "للكفاح" من أجل الأمة.

يمكن للمسؤولين عزو ظاهرة الاستلقاء إلى التغييرات الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار المنازل وتعطل سلاسل التوريد العالمية، بيد أن طموحات "شي" بعد الفوز بفترة رئاسية ثالثة كفيلة بجعله غير متساهل مع الأصوات المعارضة. وهذا من شأنه أن يقدم تفسيرا لسبب رغبة الحزب الشيوعي الصيني في وقف انتشار هذه الظاهرة. ولكن من المستبعد أن تُجابه حركة الاستلقاء بنفسها حكم الحزب الشيوعي الصيني، وعلى المدى القصير بالتحديد. إن افتقار أولئك "المُستلقين" للرغبة في تنظيم أنفسهم رسميا وتغيير الوضع الراهن يجعل من الحركة قوة سلبية تساعد الشباب على تقبُّل حقائق الحياة القاسية ليس إلا.

إن أولئك "المستلقين" يشبهون جيل "نيتس" (NEETS) (أي غير المشاركين في التعليم أو التوظيف أو التدريب)* الذي ظهر في اليابان في أوائل الألفية. وقد كان هؤلاء شبانا يابانيين لا يبرحون منازلهم، ويعتمدون على آبائهم في تلبية حاجاتهم الأساسية، ولا يرغبون في الانضمام إلى القوى العاملة. إن حركتَيْ الاستلقاء الصينية و"نيتس" اليابانية تعكسان التحديات المتزايدة التي يواجهها الشباب في اليابان والصين على حدٍّ سواء. تعتمد الصين على التنمية الاقتصادية لتبرير حكمها الاستبدادي، لكن يبقى من غير الواضح كيف سيواجه الحزب الشيوعي الصيني والرئيس "شي" حركة الاستلقاء. ما لم يعتقد الحزب ورئيسه بأن القمع هو الخيار الوحيد، فإن هناك طريقة واحدة تُمكِّن الحزب ورئيسه من الحفاظ على الشرعية السياسية، وهي تتمثل في تقديم فرص اجتماعية واقتصادية حقيقية للأجيال الشابة.

* ملاحظات المترجم
** هذا المقال مترجم عن East Asia Forum ونشره موقع ميدان، ترجمة: كريم محمد.

اضف تعليق