بقلم: إريك شميدت

نيويورك ـ لقد بدأ العالم في التعامل مع مدى عمق ثورة الذكاء الاصطناعي. ستخلق تقنيات الذكاء الاصطناعي موجات من التقدم في البنية التحتية الأساسية، والتجارة، والنقل، والصحة، والتعليم، والأسواق المالية، وإنتاج الأغذية، والاستدامة البيئية. من شأن النجاح في اعتماد الذكاء الاصطناعي أن يدفع الاقتصادات إلى الأمام ويُعيد تشكيل المجتمعات ويُحدد البلدان التي ستضع القواعد للقرن القادم.

تتزامن هذه الفرصة المُتاحة أمام الذكاء الاصطناعي مع لحظة من الضعف الاستراتيجي. وقد جادل الرئيس الأمريكي جو بايدن أن أمريكا في "منافسة إستراتيجية طويلة الأمد مع الصين". وهو على حق. ومع ذلك، ليست الولايات المتحدة وحدها المُعرضة للخطر، بل حتى العالم الديمقراطي بأسره، حيث تُشكل ثورة الذكاء الاصطناعي أساس التنافس الحالي بين الديمقراطية والاستبدادية من حيث القِيم. يجب أن نثبت أن الديمقراطيات يمكن أن تنجح في عصر الثورة التكنولوجية.

لقد أضحت الصين اليوم منافسًا تكنولوجيًا قويًا. فهي مُنظمة ومُجهزة بالموارد ومُصمِّمة على الفوز بهذه المنافسة التكنولوجية وإعادة تشكيل النظام العالمي لخدمة مصالحها الضيقة. يُعد الذكاء الاصطناعي وغيره من التكنولوجيات الناشئة أمرًا محوريًا في الجهود التي تبذلها الصين لتوسيع نفوذها العالمي، وتجاوز القوة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة، وتأمين الاستقرار المحلي. تعمل الصين على تنفيذ خطة منهجية موجهة مركزيًا لاستخلاص المعلومات حول الذكاء الاصطناعي من الخارج من خلال التجسس وتوظيف المواهب ونقل التكنولوجيا والاستثمارات.

يُثير استخدام الصين للذكاء الاصطناعي قلقًا عميقًا في المجتمعات التي تُقدر الحرية الفردية وحقوق الإنسان. كما يجري تصدير استخدامها للذكاء الاصطناعي إلى الخارج - كأداة للقمع والمراقبة والرقابة الاجتماعية في الداخل. تقوم الصين بتمويل مشاريع ضخمة تتعلق بالبنية التحتية الرقمية في جميع أنحاء العالم، في حين تسعى إلى وضع معايير عالمية تعكس القيم الاستبدادية. يتم استخدام تكنولوجيتها لتمكين الرقابة الاجتماعية وقمع المعارضة.

ومع ذلك، من الواضح أن المنافسة الإستراتيجية مع الصين لا تعني أنه لا ينبغي لنا العمل مع الصين لما يكون ذلك مُجديًا. يتعين على الولايات المتحدة والعالم الديمقراطي الاستمرار في التعامل مع الصين في مجالات مثل الرعاية الصحية وتغير المناخ. لن يكون وقف التجارة والعمل مع الصين مسارًا مُجديًا للمضي قدمًا.

لقد أدى النمو السريع للصين وتركيزها على الرقابة الاجتماعية إلى جعل نموذجها التكنولوجي الاستبدادي جذابًا للحكومات الاستبدادية ومغريًا للديمقراطيات الهشة والدول النامية. هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لضمان قدرة الولايات المتحدة والعالم الديمقراطي على ربط التكنولوجيا العملية من الناحية الاقتصادية بالدبلوماسية والمساعدات الخارجية والتعاون الأمني للتنافس مع استبدادية الصين الرقمية المُصدَّرة.

تسعى الولايات المتحدة والدول الديمقراطية الأخرى إلى اللحاق بالركب من خلال الاستعداد لخوض هذه المنافسة التكنولوجية العالمية. وفي الثالث عشر من يوليو/ تموز 2021، استضافت لجنة الأمن القومي المعنية بالذكاء الاصطناعي القمة العالمية للتكنولوجيا الناشئة، والتي عرضت ميزة نسبية هامة تتمتع بها الولايات المتحدة وشركاؤنا في مختلف أنحاء العالم: شبكة واسعة من التحالفات بين الدول الديمقراطية، والمُتأصلة في القيم المشتركة واحترام سيادة القانون والاعتراف بحقوق الإنسان الأساسية.

تُعد المنافسة العالمية للتكنولوجيا في النهاية منافسة للقِيم. بالتعاون مع الحلفاء والشركاء، يمكننا تعزيز الأطر القائمة واستكشاف أطر جديدة لتشكيل برامج ومعايير وقواعد الغد وضمان تجسيدها لمبادئنا. إن توسيع نطاق قيادتنا العالمية في مجال البحث التكنولوجي والتطوير والحوكمة والمنصات من شأنه أن يضع ديمقراطيات العالم في أفضل وضع لاستغلال الفرص الجديدة والدفاع ضد مواطن الضعف. في الواقع، لا يمكننا وضع معايير لتطوير هذه التكنولوجيا البالغة الأهمية واستخدامها على نحو مسؤول إلا من خلال الاستمرار في قيادة تطورات الذكاء الاصطناعي.

يوفر التقرير النهائي للجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي خارطة طريق المجتمع الدولي الديمقراطي للفوز في هذه المنافسة.

أولاً، يتعين على العالم الديمقراطي استخدام الهياكل الدولية القائمة - بما في ذلك منظمة حلف شمال الأطلسي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومجموعة الدول السبع، والاتحاد الأوروبي - لتعميق الجهود الرامية إلى التصدي لجميع التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة. وبذلك، تُعد رئاسة المملكة المتحدة الحالية لمجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى أمرًا مُشجعًا، وذلك في ظل أجندتها التكنولوجية القوية والجهود المبذولة لزيادة التعاون فيما يتعلق بمجموعة من المبادرات الرقمية. يعكس قرار مجموعة السبع بإشراك أستراليا والهند وكوريا الجنوبية وجنوب إفريقيا اعترافًا مهمًا بضرورة إشراك الدول الديمقراطية من جميع أنحاء العالم في هذه الجهود.

وعلى نحو مماثل، يُعد مجلس التجارة والتكنولوجيا الذي تم إطلاقه حديثًا بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (والذي يعكس من نواح عديدة دعوة لجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي للحوار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي حول التكنولوجيات الناشئة) بمثابة آلية واعدة لمواءمة أكبر الشركاء التجاريين والاقتصادات في العالم.

ثانيًا، نحن في حاجة إلى هياكل جديدة، مثل المجموعة الرباعية - الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا - لتوسيع نطاق الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة وآثارها، وكذا من أجل تعزيز التعاون في تطوير المعايير والبنية التحتية للاتصالات والتكنولوجيا الحيوية وسلاسل التوريد. يمكن أن تُشكل المجموعة الرباعية أساسًا للتعاون الأوسع نطاقًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر الحكومة والصناعة.

وثالثًا، نحتاج إلى بناء تحالفات إضافية حول الذكاء الاصطناعي ومنصات التكنولوجيا المستقبلية مع حلفائنا وشركائنا. وقد دعت لجنة الأمن القومي المعنية بالذكاء الاصطناعي إلى إنشاء تحالف يتكون من الديمقراطيات المتقدمة لمزامنة السياسات والإجراءات حول الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة في سبع مجالات أساسية:

- وضع وتنفيذ معايير وقواعد لدعم القيم الديمقراطية وتطوير تكنولوجيات آمنة وموثوقة؛

- تعزيز وتسهيل البحث والتطوير المنسقين والمشتركين بشأن الذكاء الاصطناعي والهياكل الأساسية الرقمية التي تنهض بالمصالح المشتركة وتُفيد البشرية؛

- تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون من خلال بذل جهود مشتركة لمكافحة الرقابة وسوء تنظيم العمليات الإعلامية والاتجار بالبشر والاستخدامات غير الليبرالية لتكنولوجيات المراقبة؛

- استكشاف السبل الكفيلة بتسهيل تبادل البيانات بين الحلفاء والشركاء من خلال اتفاقيات التمكين، والإجراءات المُشتركة لحفظ البيانات، والاستثمارات التعاونية في تكنولوجيات تعزيز الخصوصية، ومن خلال معالجة الحواجز القانونية والتنظيمية؛

- تعزيز وحماية الابتكار، لاسيما من خلال ضوابط التصدير، وفحص الاستثمار، وضمان سلاسل التوريد، والاستثمار في التكنولوجيا الناشئة، والسياسات التجارية، والبحوث والحماية الإلكترونية، وملاءمة الملكية الفكرية؛

- تطوير المواهب المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من خلال تحليل تحديات سوق العمل، وتنسيق متطلبات المهارات وإصدار الشهادات، وزيادة تبادل المواهب والتدريب المشترك ومبادرات تنمية القوى العاملة؛

 

- إطلاق مبادرة الديمقراطية الرقمية الدولية لملاءمة جهود المساعدة الدولية من أجل تطوير وتعزيز وتمويل اعتماد الذكاء الاصطناعي والتقنيات المرتبطة به التي تتوافق مع القيم الديمقراطية والمعايير الأخلاقية المتعلقة بالانفتاح والخصوصية والأمن والموثوقية.

لا يمكن الحفاظ على هذا الزخم إلا من خلال العمل المُشترك. تُشكل الشراكات - بين الحكومات والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية - ميزة رئيسية غير متكافئة تتمتع بها الولايات المتحدة والعالم الديمقراطي للتغلب على منافسينا. كما أظهرت الأحداث الأخيرة في أفغانستان، تظل قدرات الولايات المتحدة ضرورية في عمليات الحلفاء، ولكن يتعين على الولايات المتحدة بذل المزيد من الجهود لحشد الحلفاء حول قضية مشتركة. تُبشر هذه الحقبة من المنافسة الإستراتيجية بتغيير عالمنا، ويمكننا إما إحداث التغيير أو الانسياق وراءه.

نحن نعلم الآن أن استخدامات الذكاء الاصطناعي في جميع جوانب الحياة ستتزايد مع استمرار تسارع وتيرة الابتكار. نعلم أيضًا أن خصومنا مُصممون على تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي ضدنا. ولذلك، يتعين علينا الآن التصرف بشكل فوري.

من شأن المبادئ التي نُؤسسها، والاستثمارات التي نقوم بها، وتطبيقات الأمن القومي التي نعتمدها، والمنظمات التي نُعيد تصميمها، والشراكات التي نُقيمها، والتحالفات التي نبنيها، والمواهب التي نُشجعها أن تُحدد المسار الاستراتيجي لأمريكا والعالم الديمقراطي. يتعين على الديمقراطيات أن تستثمر كل ما يلزم للحفاظ على ريادتها في المنافسة التكنولوجية العالمية، واستخدام الذكاء الاصطناعي على نحو مسؤول للدفاع عن الشعوب والمجتمعات الحرة، والنهوض بالعلوم لصالح البشرية جمعاء.

سيُعيد الذكاء الاصطناعي تنظيم العالم وسيُغير مجرى التاريخ البشري. يجب أن يقود العالم الديمقراطي هذه العملية.

* إريك شميدت ، الرئيس التنفيذي السابق ورئيس مجلس إدارة جوجل/ ألفابت، هو رئيس لجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي.
https://www.project-syndicate.org

اضف تعليق