بقلم: بيتر سنجر

ملبورن ــ على مدار الأشهر الثلاثة الأخيرة، كانت هذه المنطقة الحضرية التي يبلغ عدد سكانها ما يقرب من خمسة ملايين، وهي عاصمة ولاية فيكتوريا الأسترالية، خاضعة لواحدة من أشد عمليات الإغلاق إحكاما على مستوى العالم. فلا يجوز لك مغادرة منزلك إلا بغرض التسوق لشراء المواد الأساسية، أو تلبية احتياجات طبية، أو تقديم الرعاية، أو ممارسة التمارين اليومية لمدة لا تزيد عن ساعتين، أو الذهاب إلى العمل إذا كان من المستحيل أن تعمل من منزلك. حتى أن السفر لمسافة تزيد على خمسة كيلومترات من المنزل، أو عبور حدود منطقة العاصمة، محظور تماما. وتفرض الشرطة غرامات باهظة على المخالفين.

أمرت حكومة ولاية فيكتوريا بفرض تدابير الإغلاق في الخامس من يوليو/تموز، بعد يوم سجلت فيه الولاية، التي يسكنها 6.7 مليون نسمة، 191 حالة إصابة جديدة بمرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19) ــ أعلى إجمالي يومي في الولاية منذ اندلعت الجائحة. بلغت الفاشية ذروتها عند 723 حالة جديدة في الثلاثين من يوليو/تموز، ثم بدأت تتراجع. وبحلول الرابع من أكتوبر/تشرين الأول، انخفض المتوسط المتحرك لأربعة عشر يوما إلى 12.

في وقت كتابة هذا التعليق، كان عدد الحالات في الولاية تجاوز 20 ألف حالة إصابة بعدوى المرض و800 حالة وفاة. وكان عدد الحالات في كل الولايات الأسترالية الأخرى مجتمعة أقل من 7000 حالة إصابة وأقل من 100 حالة وفاة، مما يجعل الأمل في تمكن أستراليا من القضاء على الفيروس واردا، وهو ما اقتربت نيوزيلندا المجاورة من تحقيقه بالفعل.

لا يوجد حزب سياسي كبير يعارض الإغلاق. وكان حضور المسيرات الاحتجاجية المنظمة ضئيلا، ربما لأن الشرطة حذرت المحتجين من احتمال تغريمهم ــ وهو ما حدث مع كثيرين بالفعل. فالاحتجاج ليس واحدا من الأسباب المسموح بها لمغادرة المنزل.

في مواجهة مرض شديد العدوى يهدد سلامة الضعفاء المعرضين له، لم يتأثر إلا قِـلة من سكان فيكتوريا بالدعوات المجردة المنادية "بالحرية"، التي تأتي في الأغلب الأعم من السكان الأكثر شبابا والأقل عُـرضة للخطر. ويقبل أغلب الناس أن الإغلاق ضروري لأنه ينقذ الأرواح. ويشير الانخفاض الحاد في عدد حالات الإصابة الجديدة والوفيات أثناء الإغلاق إلى أنه يمنع الوفيات بمرض فيروس كورونا 2019.

غير أن هذا مجرد جزء من الصورة. ففي المملكة المتحدة في الشهر المنصرم، وَقَّـع 32 عالما على رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء بوريس جونسون أشاروا فيها إلى الأضرار الكبيرة التي تحدثها عمليات الإغلاق ــ الأضرار التي قد تتجاوز الفوائد كما يقترحون. يستشهد العلماء بتقدير صادر عن مركز أبحاث السرطان في المملكة المتحدة بأن الإغلاق أدى إلى تأجيل فحص أو اختبار أو علاج السرطان لمليوني شخص، وهو ما قد يفضي إلى وفاة ما قد يصل إلى 60 ألف شخص ــ أكثر من إجمالي الوفيات الناجمة عن كوفيد-19 في المملكة المتحدة حتى الآن (42 ألف وفاة).

السرطان سبب واحد فقط للوفيات التي من المحتمل أن يتسبب الإغلاق في زيادتها؛ ومن المرجح أن تضم القائمة أسبابا أخرى عديدة. ولكن بدون الإغلاق، ربما يتجاوز عدد الوفيات الناجمة عن كوفيد-19 عِـدة أضعاف الحصيلة الحالية. وهناك أيضا طرق أخرى ينقذ بها الإغلاق الأرواح. في أستراليا، على سبيل المثال، يبدو أنه قضى فعليا على الوفيات الناجمة عن الإنفلونزا الموسمية، فأنقذ بذلك حياة 400 شخص في النصف الأول من عام 2020، مقارنة بذات الفترة من العام الماضي.

سعت مجموعة من الباحثين بقيادة أولجا ياكوشيفا، الخبيرة الاقتصادية من جامعة متشيجان، إلى تقدير العدد الصافي لأرواح البشر التي جرى إنقاذها (أو خسارتها) من خلال سياسات التخفيف من وطأة الجائحة في الولايات المتحدة في عام 2020. وجد الفريق أن تدابير الصحة العامة هذه أنقذت بين 913762 إلى 2046322 حياة، لكنها أيضا يمكن أن تؤدي إلى "خسارة جانبية غير مباشرة" من 84000 إلى 514800 حياة، مما يعني إنقاذ صافي 398962 إلى 1962322 حياة. هذا نطاق واسع بكل تأكيد، لكن من الواضح أن النتيجة إيجابية.

تسعى ياكوشيفا وزملاؤها إلى تجنب القضايا الأخلاقية الخلافية من خلال التركيز فقط على عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها أو خسارتها. وهذا يتجاهل ثلاث قضايا رئيسية يجب أن يتناولها التقييم الأكثر كفاءة للتكاليف والفوائد المترتبة على الإغلاق.

أولا، لن يتجاهل التقييم الوافي الفارق بين الموت في سن التسعين، والموت في سن العشرين أو الثلاثين أو الأربعين. وكما أكدت سابقا، ينبغي لنا أن نحصي سنوات العمر التي يمكن خسارتها أو إنقاذها، وليس الحياة وحسب.

ثانيا، كما زعمت في وقت سابق من هذا العام أنا ومايكل بلانت، فإن تأثير عمليات الإغلاق على نوعية الحياة أمر مهم أيضا. على سبيل المثال، يتسبب الإغلاق في إحداث بطالة واسعة النطاق، وهذا كفيل بالانتقاص من الرضا عن الحياة بشكل كبير. بقدر صعوبة قياس جودة الحياة وتقديرها كميا، فإن تقدير التكاليف والفوائد المترتبة على الإغلاق من غير الممكن أن تغنينا عن ذلك.

ثالثا، وربما الأمر الأكثر أهمية على الإطلاق، يتعين علينا أن ننظر في تأثير عمليات الإغلاق على الأشخاص الذين يناضلون حتى في الأوقات العادية لتلبية احتياجاتهم واحتياجات أسرهم الأساسية. الواقع أن حكومات البلدان حيث يعيش عدد كبير من الناس في فقر مدقع أو على حافة الفقر المدقع لديها أسباب قوية بشكل خاص لتجنب عمليات الإغلاق، لكن حكومات البلدان المتقدمة أيضا لا يجوز لها أن تتجاهل تماما حقيقة مفادها أن الركود في الاقتصادات المتقدمة يهدد قدرة الناس في بلدان أخرى على البقاء.

حتى عامنا هذا، كان الفقر المدقع في انخفاض مضطرد على مدار السنوات العشرين السابقة. وحتى الآن في عام 2020، ارتفع الفقر المدقع بنحو 37 مليون شخص. من الصعب أن نجزم بحجم الفقر الذي يمكننا أن نعزوه إلى عمليات الإغلاق، وليس الفيروس ذاته، ولكن من المؤكد أن الدور الذي تلعبه عمليات الإغلاق مهم.

وفقا لهنرييتا فور، المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للطفولة، أغلقت 192 دولة مدارسها في أوج الجائحة، مما جعل 1.6 مليار طفل بلا تعليم شخصي مباشر. ولم يكن التعليم عن بُـعـد في حكم الممكن بالنسبة إلى كثيرين. وكان من المتوقع أن يترك 24 مليون طفل على الأقل المدرسة بشكل دائم. أما عن الفتيات، فإن هذا من المحتمل أن يعني عددا كبيرا من حالات الزواج المبكر بدلا من التطلع إلى مستقبل مهني. مؤخرا نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرا مفاده أن إغلاق المدارس، مقترنا بالمصاعب الاقتصادية الناجمة عن عمليات الإغلاق، تسبب في زيادة كبيرة في عمالة الأطفال في البلدان المنخفضة الدخل.

حتى لو كانت عمليات الإغلاق تنقذ حياة البشر في البلدان التي تفرضها، فإن هذا لا يكفي لإثبات كونها المسار الصحيح الذي يجب أن تسلكه الحكومات.

* بيتر سنجر، أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون من مؤلفاته كتاب تحرير الحيوان، أخلاق عملية، انتخبه معهد جوتليب دوتويلر كثالث مفكر معاصر من الأكثر تأثيرا في العالم
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4