بقلم: يوشكا فيشر

برلين ــ بعد مرور أشهر عديدة، لا يزال الاقتصاد العالمي يترنح تحت وطأة صدمة جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد-19). لم يحدث من قَـبل قَـط في وقت الـسِـلم أن شهد مجتمعنا الحديث الذي تدفعه التكنولوجيا أي شيء من هذا القبيل.

تُـرى هل تندلع "موجة ثانية" تعقبها موجات أخرى؟ يشغل هذا السؤال المخيف بال الناس في مختلف أنحاء العالم الآن، لكنه يقض بشكل خاص مضاجع صناع السياسات والقادة الوطنيين. لا أحد يعرف الإجابة. فلا يوجد كتاب تشغيل لسيناريو حيث تتسبب جرثومة مجهرية في تركيع اقتصاد عالمي فائق التكنولوجيا مترابط من خلال سلاسل الإمداد العالمية.

من الخطأ أن نكتفي بتقييم معنى هذا التوقف المفاجئ من منظور قصير الأمد. من المؤكد أن الأولوية الفورية تتمثل في مكافحة جائحة كوفيد-19. فقد خلفت الجائحة عواقب اقتصادية واجتماعية وخيمة على مليارات من البشر، ويبدو أنها تعمل على التعجيل بتحول عالمي في موازين القوى السياسية والاقتصادية.

ولكن سيكون للأزمة أيضا عواقب تستمر إلى ما بعد الأشهر والسنوات القادمة. فليس من غير المعقول أن نتوقع أن يتذكر المؤرخون في المستقبل عام 2020 كبداية عصر من التغيير التحويلي. وقد تكون هذه هي اللحظة عندما نلتزم أخيرا، بعد أن أدركنا العواقب المترتبة على الكيفية التي نظمنا بها أنظمتنا الاقتصادية وتفاعلنا مع الطبيعة، بالتحول الحاسم نحو الاستدامة.

في هذه الحالة، سيخدم فيروس كورونا كنداء إيقاظ جاء في الوقت المناسب. ولكن إذا فشلنا في إجراء التغييرات الضرورية، فسوف تمثل جائحة 2020 بداية كارثة بشرية غير مسبوقة.

هناك أمر واحد مؤكد بالفعل: ينبغي للأزمة أن تحررنا أخيرا من وهم ثقتنا الساذجة في التقدم البشري. كنا لفترة طويلة نفترض ببساطة أن العواقب السلبية غير المقصودة المترتبة على النمو الاقتصادي المستمر ستعوض عنها أو تحد منها ثمار النمو. وعلى الرغم من الحقائق الواضحة وتحذيرات العلماء، أقنعنا أنفسنا بأننا أصبحنا في النهاية نسيطر على الطبيعة. مع ذلك، وعلى الرغم من كل أوهامنا حول استعمار الفضاء، فإن الحقيقة هي أن قوتنا تمتد فقط إلى نقطة بعينها، والتي يجري تحديدها عادة بأفق المصالح البشرية. وبعد تلك النقطة يكمن كل شيء ما زلنا لا نعرف عنه شيئا.

الدرس المباشر المستفاد من أزمة كوفيد-19 هو أن الحضارة الإنسانية تحتاج بشكل عاجل إلى حس أعمق بالمسؤولية. ولابد أن معظمنا توصلوا الآن إلى هذا الإدراك بشكل شخصي. السؤال الآن هو ما إذا كنا لنعمل على تحقيق ذلك بشكل جماعي من خلال إطلاق التغييرات التي نحتاج إليها.

يسكن كوكب الأرض نحو 7.7 مليار إنسان، ومن المتوقع أن ينمو هذا الرقم إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050. وسوف يستمر طلبنا النهم على الموارد المادية في النمو، مما يعني ضمنا أن استغلالنا للكوكب سيستمر في تجاوز قدرة الأنظمة الطبيعية على تجديد ذاتها. وقد أطلق هذا الواقع الحقبة الجيولوجية التي تسمى الأنثروبوسين: ففي السراء والضراء، وصل الجنس البشري إلى النقطة التي ستحدد فيها أفعالنا مستقبل كل الأنواع الأخرى تقريبا على هذا الكوكب.

تستتبع مثل هذه القوة الهائلة مسؤولية هائلة. حتى بداية الثورة الصناعية، كان للنشاط البشري تأثير نسبي ضئيل على الكوكب ذاته. والآن، بات هذا التأثير غير متناسب على الإطلاق وشامل لكل شيء. كان النمو السكاني والاستهلاك الجماعي، مدفوعا بتحسن هائل في التكنولوجيا، سببا في إحداث انخفاض كبير في الموارد الطبيعية التي كانت تبدو ذات يوم وكأنها لا تنضب. وقد تسببت الانبعاثات الناجمة عن كل هذا الإنتاج في ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي بسرعة مذهلة.

الآن، نستطيع إما أن نتحمل المسؤولية ونستجمع الشجاعة والرؤية لتنفيذ تحول عظيم، أو ننتظر وأعيننا مفتوحة فرسان رؤيا الهلاك الأربعة. مع ظهور الفارس الأول بالفعل في هيئة كوفيد-19.

في مواجهة هذا الاختيار، هناك العديد من التساؤلات التي يمكن طرحها. لأي غرض ينبغي لنا أن ننشر الذكاء الاصطناعي والحواسيب الكمية. ولكن ما نحتاج إليه حقا هو تحليل أفضل للأنظمة لتحسين الصحة العامة والحفاظ على البيئة وصيانة مناخ صالح لسكنى البشر.

في المستقبل، لن يكون إطعام البشر ممكنا بدون حماية الحياة النباتية على مستوى العالم. ونظرا للانقراض الجماعي غير المسبوق للأنواع النباتية والحيوانية، لا يجوز لنا أن نستسلم لأي أوهام حول قدرتنا على إنجاز هذه المهمة الأساسية. ففي حين تَـعَـلَّـم أغلب الناس من الجائحة الإنصات إلى النصائح العلمية في سياقات معينة، فربما نظل في حالة إنكار عندما يتعلق الأمر حتى بتطورات أشد خطورة مثل تغير المناخ.

من المحتم أن تكون قيادة هذا التحول العظيم مهمة الاقتصادات الأكثر تقدما على مستوى العالم، لأنها تملك الدراية الفنية والموارد المالية اللازمة. ومن بينها، يتعين على الديمقراطيات الغربية بشكل خاص أن تتعامل بجدية مع فكرة الحرية التي تزعم أنها تمثلها.

هناك ارتباط وثيق بين الحرية والمسؤولية: فأولئك الذين يرغبون في الحرية يتنصلون من مسؤولياتهم بما يعرضهم شخصيا لمخاطر كبرى. وقد أوضحت أزمة كوفيد-19 هذه الحقيقة بشدة: فمن أجل تجنب عمليات الإغلاق وغير ذلك من القيود، ربما يتعين على المرء أن يلتزم بها أولا.

تنطوي هذه الأزمة على نتاج ثانوي أخر لا يمكن تجاهله. ففي الوقت الحالي، تتحرك الولايات المتحدة والصين نحو مواجهة حول القيادة العالمية. ولكن كيف قد يبدو عالَـم الغد؟ هل يجري تعريف القوة من خلال التفوق العسكري في المقام الأول، كما كانت الحال في الماضي؟ أو هل ترتبط القوة بمصادر جديدة تماما ومختلفة جوهريا؟ هل يظل الفهم التقليدي للقوة هو ما يجمع أجزاء العالم معا؟

لقد عُـرِضَ على أوروبا فرصة غير متوقعة، شريطة امتناعها عن المراهنة على منافسة القوى العظمى. وبدلا من ذلك، يتعين عليها أن تستجمع الشجاعة لتضرب مثال المسؤولية الجماعية التي تحتاج إليها البشرية.

* يوشكا فيشر، وزير خارجية ألمانيا ونائب مستشارها أثناء الفترة 1998-2005، وأحد زعماء حزب الخُضر البارزين لمدة تقرب من العشرين عاما
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

8