كريستوفر هيل

 

دنفر ــ لم يكن التعامل مع الشرق الأوسط بالمهمة السهلة اليسيرة على رؤساء الولايات المتحدة طيلة العقود السبعة السابقة. فتاريخيا، كان دعم إسرائيل وحقها في الوجود ضمن حدود يمكن الدفاع عنها في احتياج إلى توازن دقيق في مقابل الحاجة إلى الدفاع عن ممرات الشحن الملاحية للنفط وحماية إمدادات الطاقة العالمية. ولكن الصعوبات التي واجهت الإدارات الأميركية السابقة تتضاءل بالمقارنة بتلك التي خلقتها تحديات اليوم في منطقة الشرق الأوسط.

ولا تزال إسرائيل هناك، ولكنها أصبحت حليفاً أكثر صعوبة. والواقع أن خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأميركي في مارس/آذار، بدعوة من خصوم الرئيس باراك أوباما المحليين، عَرَّضَت قضية أساسية في السياسة الخارجية لتشوهات الاستقطاب الحزبي العميق والمعَطِّل في أميركا.

وفي الوقت نفسه، أصبح ضمان إمدادات النفط وممرات الشحن الآمنة أكثر تعقيدا، لأن الولايات المتحدة لابد أن تلعب الآن على رقعة الشطرنج الكاملة للقضايا العربية. والأمر الأسوأ هو أنها بدت في بعض الأحيان وكأنها تلعب معصوبة العينين، في ظل ثغرات كبيرة بين الواقع المحلي وفهم صناع السياسات لهذا الواقع.

عندما بدأ الربيع العربي قبل أربع سنوات، اندفعت الولايات المتحدة غريزياً إلى ممارسة الضغوط من أجل تغيير النظام في ليبيا، وسوريا، ومصر، في حين دافعت عن النظام الدستوري الجديد في العراق. وينبغي لنا أن نقرأ النتائج باعتبارها رواية تحذيرية لأولئك الذين يسعون إلى المكافأة الفورية من خلال تغيير النظام. ورغم الإطاحة ببعض القادة البغيضين، فإن ما أعقب ذلك كان أشد سوءا. فكان التأثير الرئيسي المترتب على تغيير النظام تعزيز الهويات الطائفية وإضعاف احتمالات بقاء الدول القومية القائمة.

والآن، تُفرَض المفاوضات العالية المخاطر مع إيران حول برنامجها النووي فرضاً على تعقيدات القضايا العربية. وقد اتُهِمَت إدارة أوباما بالرغبة الشديدة في إبرام هذا الاتفاق وعدم القدرة عن الابتعاد. ولكن إذا كان هذا الاتهام صحيحا، فإنه لا يرجع إلى رغبة أوباما الشديدة في الوفاء بالتعهد الذي بذله في حملته الانتخابية عام 2008 بالتفاوض مع أعداء أميركا وإيجاد أرضية مشتركة معهم.

والأمر الأكثر أهمية هو أن بدائل هذا الاتفاق القابلة للتطبيق شديدة الندرة. فإيران بكل المقاييس مجتمع منقسم بشدة بين أولئك الذين يريدون لبلادهم أن تكون عضواً محترماً في المجتمع الدولي وهؤلاء الذين يرون أن أفضل وسيلة لخدمة مكانة إيران الدولية تتلخص في برنامج الأسلحة النووية. ويبدو أن العقوبات الدولية المفروضة على إيران تساعد الطرف الأخير وليس الأول.

وقد يكون هذا صادقاً إذا كانت إيران دولة ديمقراطية تامة النضوج، وخاضعة للمساءلة من قِبَل شعبها حقا. ولكن هناك القليل من الأدلة التي قد تشير إلى أن العقوبات نجحت في تحقيق أي شيء لإبطاء برنامج إيران النووي. وعلاوة على ذلك، في الكثير من الحالات، ربما يكون التأثير الأوضح للعقوبات هو إهلاك الطبقة المتوسطة وإضعاف الأقل قوة وليس تحفيز قادة إيران وحملهم على السعي إلى عقد صفقة.

ويرى كثيرون من الأميركيين أن المواجهة مع إيران صراع ثنائي أشبه بتكرار للمحادثات النووية مع الاتحاد السوفييتي. ومن بعض الجوانب، يعكس إصرار مجلس الشيوخ الأميركي على القيام بدور في الموافقة على الاتفاق النووي شكلاً من أشكال عقلية العودة إلى المستقبل: فإذا كانت اتفاقيات مثل (SALT) و(START) معاهدات ملزمة قانوناً بين دولتين، فلابد أن يكون الاتفاق مع إيران كذلك.

ولكن الاتفاق الذي يجري التفاوض عليه مع إيران متعدد الأطراف، إذ يشارك فيه كل الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا. ويتلخص جزء من وظيفة أوباما في ضمان تفهم الشعب الأميركي لحقيقة مفادها أن مصير الاتفاق ليس بيد الولايات المتحدة وحدها.

وما نطلق عليه وصف أطراف المحادثات ليست الدول الوحيدة التي لديها مصلحة كبيرة في النتائج. فكان العالمي العربي شديد القلق وهو يراقب الاتفاق النووي. ومن الواضح أن الصراع الشيعي السُنّي المتصاعد، جنباً إلى جنب مع التدخل المتهور من قِبَل إيران الشيعية في بلدان ذات أغلبية سُنّية، كان سبباً في زيادة الشكوك بدرجة كبيرة في المنطقة حول أي اتفاق. والواقع أن الزعماء الدينيين في إيران لا يخفون رغبتهم في فرض هيمنتهم الإقليمية، إن لم يكن زعامة العالم الإسلامي.

الواقع أن انعدام الثقة بين الإيرانيين والعرب يعود إلى ما قبل الانقسام الشيعي السُنّي؛ وفي العصر الذي من المرجح أن يتذكره الناس باعتباره عصر الزعامة الضعيفة في مختلف مناطق العالم، ينظر العرب إلى المحادثات النووية وكأنها تدور حول شيء أكثر جوهرية من الحد من التسلح. ولكن في ظل الاضطرابات التي تجتاح العالم العربي، فهل تسعى الولايات المتحدة إلى بناء إطار استراتيجي بديل في المنطقة، في هيئة شراكة متجددة مع إيران؟

يرى العديد من الأميركيين الذين يتذكرون إيران بشكل أفضل أن هذا السيناريو ربما يكون غير جذاب في أقل تقدير. ومع هذا فإن إيران تبدو من منظور العالم العربي عنصراً أكثر استقراراً في المعادلة الإقليمية، فهي لاعب يستعد للانطلاق إلى الأمام.

وتولي الولايات المتحدة قدراً متزايداً من الانتباه لهذا النوع من التفكير في العالم العربي، وهي تغازل المملكة العربية السعودية بنشاط. بل إن الدعم الضمني الذي تقدمه أميركا لحملة القصف المريبة التي تشنها المملكة العربية السعودية في اليمن يشير إلى السبل التي قد تطرقها الولايات المتحدة لمعالجة المخاوف العربية السُنّية.

في عموم الأمر، سوف تتطلب مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية وتحقيق الاستقرار في العراق وسوريا وليبيا واليمن جهوداً دبلوماسية حثيثة وشاملة من قِبَل الولايات المتحدة. وهذا يعني تبديد المخاوف السعودية، وإعادة بناء العلاقة مع مصر، والتواصل مع إيران ــ وهي الأولويات التي تستند إلى واقع البيئة الإقليمية المعاصرة. والواقع أن الأولوية الأولى ــ بالنسبة لأوباما وخليفته على حد سواء ــ لابد أن تكون تفسير لماذا كانت الأخطاء الجسيمة التي ارتُكِبَت في الماضي القريب سبباً في جعل مثل هذا النهج الواقعي الخيار الوحيد المعقول.

* مساعد سابق لوزيرة الخارجية السابق وزارة الخارجية الامريكية لشؤون شرق آسيا، السفير السابق للولايات المتحدة لدى العراق

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

4