لورا تايسون/ليني ميندونكا

 

بيركلي ــ بعد 95 شهرا على التوالي من نمو الوظائف، انخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة إلى 3.7%، وهو أدنى مستوى بلغه منذ عام 1969. ومع ذلك، يظل نمو الأجور بطيئا على نحو متواصل. الواقع أن الدخل الأسبوعي المتوسط للعاملين بدوام كامل، بعد التعديل تبعا للتضخم، يظل عند نفس المستوى الذي كان عليه تقريبا في عام 1979. ووفقا لمؤشر الضغوط على العمال الأميركيين، نجد أن عدد المشردين في الولايات المتحدة ارتفع في واقع الأمر في عام 2017 ــ أول زيادة منذ عام 2010 ــ مدفوعا جزئيا بارتفاع إيجارات وأسعار المساكن إلى عنان السماء.

وكانت مدن الساحل الغربي بين أكثر المناطق تضررا. فمن سياتل إلى منطقة خليج سان فرانسيسكو ولوس أنجلوس، يحاول العاملون في مجالات التكنولوجيا الذين يكسبون رواتب من ستة أرقام تجنب مدن الخيام للوصول إلى العمل، وتخضع حكومات الولايات والمدن لضغوط متزايدة للاستجابة. في الوقت نفسه، انخفض تمويل برامج وزارة الإسكان والتنمية الحضرية إلى مستوى أدنى مما كان عليه في عام 2010 (بعد التعديل تبعا للتضخم).

من الصعب التوصل إلى تقدير إجمالي دقيق لعدد المشردين، ويرجع هذا جزئيا إلى أنه عدد متغير من السكان. فقد يضطر الناس إلى حياة التشرد بسبب العديد من الحوادث غير المتوقعة، بما في ذلك انعدام أمن الدخل، والطرد من المسكن، والفترة الانتقالية من السجن، والعنف المنزلي، وتعاطي المخدرات، وقضايا الصحة العقلية. وتشير تقديرات حديثة إلى أن أكثر من 550 ألف شخص يعانون من التشرد في الولايات المتحدة في أي ليلة، وتنتهي الحال بالثلثين إلى ملاجئ الطوارئ أو برامج الإسكان الانتقالي، في حين يجد ثلثهم الطريق إلى مواقع غير محمية مثل المتنزهات، والمركبات، ومحطات المترو. ووفقا لتقديرات المعهد الحضري فإن نحو 25% من الأشخاص بلا مأوى لديهم وظائف.

كما تتفاوت معدلات التشرد من ولاية إلى أخرى. في عام 2017، كان أكبر عدد من المشردين لكل عشرة آلاف مواطن في كاليفورنيا، ونيويورك، وهاواي، ومقاطعة كولومبيا. وليس من المستغرب أن يكون لدى ثماني من الولايات العشر التي لديها أعلى معدل للتشرد أعلى تكاليف إسكان متوسط.

في كاليفورنيا، التي تمثل 12% من سكان الولايات المتحدة لكنها تضم 25% من المشردين هناك، انتقلت هذه القضية إلى قمة الأجندة السياسية. ففي عام 2017، أقر الناخبون في لوس أنجلوس تدابير ضريبية لجمع 1.2 مليار دولار للإسكان الإضافي للمشردين بشكل مزمن ونحو 355 مليون دولار لخدمات موسعة للمشردين. وهناك تدابير أخرى لزيادة الإيرادات متوقفة على صناديق الاقتراع المحلية في العديد من مدن كاليفورنيا في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني. في سان فرانسيسكو، يدعم مارك بينيوف، رئيس مجلس إدارة شركة Salesforceورئيسها التنفيذي (واحدة من أكبر أرباب العمل في المدينة) ضريبة مقترحة على إيرادات الأعمال الإجمالية لمكافحة التشرد، وإن كان عمدة المدينة الديمقراطي لندن بريد، وغيره من أرباب الأعمال في الصناعات التكنولوجية (بما في ذلك تويتر) يعارضون هذا التدبير.

من المؤكد أن المزيد من التمويل مطلوب. ولكن لكي يكون التمويل فعالا، ينبغي لصناع السياسات أن يركزوا على ثلاث مناطق رئيسية: الوقاية؛ والدعم الفوري والمباشر للمشردين؛ وتقديم المساعدة لأولئك الذين يمرون بمرحلة انتقالية إلى إسكان أكثر استقرارا. علاوة على ذلك، تحتاج الحكومات إلى تقييم أكثر دقة للسكان المشردين. فالأم التي تفر من العنف المنزلي مع أطفالها لها احتياجات تختلف عن احتياجات محارب قديم يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة.

الواقع أن منع التشرد تدبير فعّال من حيث التكلفة وإنساني، لكنه يستلزم حصول الناس على الدخل الكافي لتغطية الاحتياجات الأساسية، بما في ذلك الإسكان. فمن بين 3007 مقاطعة في الولايات المتحدة، يستطيع العامل الذي يكسب الحد الأدنى الفيدرالي للأجور الذي يعادل 7.25 دولارا في الساعة استئجار وحدة سكنية مكونة من غرفة نوم واحدة في 12 مقاطعة فقط. وفي سان فرانسيسكو، حيث سعر المسكن المتوسط يتجاوز 1.5 مليون دولار، يتعين على الأم الوحيدة التي تكسب الحد الأدنى من الأجر أن تعمل 120 ساعة في الأسبوع لتلبية احتياجاتها الأساسية. وحتى خارج المناطق العالية التكلفة، فإن ما يقرب من ثلثي الأسر الأميركية تفتقر إلى المدخرات الكافية لتغطية صدمة قدرها 500 دولار مثل إصلاح سيارة أو نفقات الرعاية الصحية. وبالنسبة لهذه الأسر، قد يؤدي منعطف سيئ واحد إلى التشرد.

علاوة على ذلك، تحرم شبكة الأمان غير الملائمة اليوم العديد من المواطنين من الوصول إلى المنافع التي يمكنها أن تمنع التشرد. وتشير التقديرات إلى أن ثلاث من كل أربع أسر مؤهلة للحصول على مساعدات الإسكان الفيدرالية لا تحصل عليها، وذلك نظرا لشروط الأهلية المتضاربة، والتطبيقات المزدوجة، وعمليات الموافقة المعقدة المتعددة الهيئات. وكثيرا ما يُترَك الشباب الذين يخرجون من برامج الرعاية التربوية أو السجن، وكذا الأشخاص الذين يواجهون تحديات صحية خطيرة، ليعيلوا أنفسهم. وتحتاج الحكومات المحلية بشكل عاجل إلى بذل المزيد من الجهد لضمان اتباع معايير الطرد السليمة.

من المؤسف أن ارتفاع مستويات التشرد تسبب في إجهاد قدرة الحكومات البلدية والمحلية على الاستجابة. على سبيل المثال، في سياتل، حيث توجد ثالث أكبر مجموعة من السكان المشردين بين المدن الأميركية، سرعان ما ألغيت الضريبة عن كل موظف على الشركات الضخمة في ظل ضغوط شديدة من جانب شركات الأعمال. ونتيجة لهذا، غالبا ما يتولى القطاع الاجتماعي أو المنظمات الدينية توفير المأوى للمشردين، وطوابير انتظار القبول في مثل هذه المرافق طويلة ومتزايدة الطول.

بالنظر إلى المستقبل، ينبغي لصناع السياسات أن يضعوا في الاعتبار أن الحلول الأكثر نجاحا لا توفر المأوى الطارئ للأمد القريب والخدمات اليومية مثل الاستحمام ووجبات الطعام فحسب؛ بل وتساعد الأفراد أيضا في الانتقال إلى الإسكان المستقر والقدرة على الوصول إلى خدمات الدعم الطويلة الأجل. على سبيل المثال، أطلقت مقاطعة سانتا كلارا في كاليفورنيا مشروع بيت الترحيب، وهي مبادرة تتبنى مبدأ الدفع في مقابل النجاح والتي توفر السكن والخدمات الصحية لمائتي فرد مشرد بشكل مزمن. كما أنشأت مقاطعة لوس أنجلوس مكتب التحويل وإعادة الدخول لتدريب الآلاف من العاملين المحترفين لمساعدة المطلق سراحهم من سجن المقاطعة. وتتعاون سان فرانسيسكو مع منظمة نقطة التحول غير الساعية إلى الربح لتوفير وحدات سكنية بتكاليف ميسرة وبرامج الوقاية.

في أماكن أخرى، قادت يوتا أميركا في إدارة نهج "الإسكان أولا" لعلاج التشرد، والتي تركز على وضع المشردين بشكل مزمن في إسكان دائم قبل التعامل مع العوامل الرئيسية التي كانت السبب في تشردهم. وكانت مقاطعة سالت ليك ناجحة بشكل خاص في تنفيذ برنامج يعالج التشرد في سياق إصلاح العدالة الجنائية.

الواقع أن مبادرة "الإسكان أولا" بديهية: فعلى سبيل الإشارة إلى ما هو واضح بالفعل، يصبح الناس بلا مأوى لأنهم لا يملكون مساكن. لكن لضمان توفير القدر الكافي من الإسكان الميسر لتغطية كل المعرضين لخطر التشرد، تحتاج كاليفورنيا إلى بناء نحو 180 ألف مسكن جديد إضافي كل عام ــ أكثر بنحو 100 ألف من عدد المساكن التي تبنى حاليا ــ لمجرد مواكبة النمو السكاني. ومنذ عام 2010، أضيف من الوحدات السكنية نحو ثمانية أضعاف ما أضيف من وظائف في سان فرانسيسكو، حيث قفز متوسط تكلفة بناء "شقة ميسرة" إلى 425 ألف دولار. وتشير تقديرات مقاطعة كينج في واشنطن، التي تضم سياتل، إلى أنها تحتاج إلى 14 ألف وحدة إضافية لتسكين المواطنين المشردين.

تتلخص خطوة أولى بالغة الأهمية في زيادة إنتاج المساكن على كل المستويات السعرية، مع التركيز بشكل خاص على الطرف الأدنى للسوق. لكن هذا وحده لن يكون كافيا. فالأمر يستلزم بذل قدر أكبر كثيرا من الجهد لمعالجة العوامل المعقدة والمتداخلة في كثير من الأحيان التي تدفع الناس إلى الخروج من بيوتهم إلى الشوارع في المقام الأول.

* لورا تايسون، الرئيسة السابقة لمجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأمريكي/ليني ميندونكا، رئيس أمريكا الجديدة وشريك أقدم فخري في شركه ماكينزي وشركاه
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق
الكاتب الأديب جمال بركات
مصر
أحبائي
أمريكا تنصب نفسها دائما المدافعة عن حقوق البشر أجمعين
والتاريخ يقول أنها قامت على أنقاض وافناء السكان الأصليين
وجاءت برئيس أسود ليحكم بينما أقرانه السود يهانون في الشوارع من العنصريين
أمريكا تطالب العالم بل وقد توبخه بسبب نقص بعض حقوق مواطنيه وتترك مواطنيها مشردين
أحبائي
دعوة محبة
أدعو سيادتكم الى حسن الحديث وآدابه...واحترام بعضنا البعض
ونشر ثقافة الحب والخير والجمال والتسامح والعطاء بيننا في الأرض
جمال بركات...مركز ثقافة الألفية الثالثة2019-01-04

مواضيع ذات صلة

0