نيويورك — لقد كشفت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا أن ادارة الرئيس دونالد ترامب قد عقدت اجتماعات مع ضباط عسكريين فنزويليين ثائرين والذين كانوا يخططون للإطاحة بحكومة نيكولاس مادورو وفي نهاية المطاف تراجع صناع السياسة الأمريكيين عن الفكرة ولكن وهذا ليس مفاجئا كانت ردة الفعل على المقال سلبية في معظمها.

في واقع الأمر، يوجد أسباب جيده لمعارضة أي انقلاب في فنزويلا مدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية فالعديد من المشاركين المحتملين من المرجح ان تكون سمعتهم سيئة وذلك نظرا لإرتباطهم بتجارة المخدرات وسجلهم المتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان. إن من شبه المؤكد أن يفشل مثل هذا الانقلاب وسيعطي حكومة تمارس بالفعل أعمال القمع مبررا إضافيا لقمع معارضيها.

أن من الخيارات الأخرى هو تدخل مسلح بقيادة الدول المجاورة لفنزويلا والتي تأثرت سلبا بتدفق اللاجئين والذين وصل عددهم بالفعل الى 2-4 مليون شخص وهذا العدد يزداد بمعدل 50000 -100000 شخص شهريا ولو قادت تلك الدول مثل هذا التدخل فإنه لن يكون لتلك الدول نفس الاثر السياسي السلبي لعملية عسكرية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن هذا السيناريو كذلك يمكن استبعاده وذلك بسبب النزعة الاقليمية المعادية للتدخلات العسكرية وحقيقة ان الدول المجاورة لفنزويلا تفتقد الوسائل لتنفيذه ففنزويلا هي تقريبا ضعف حجم العراق ولديها 100000 مواطن مسلح ومليئة بضباط المخابرات الكوبيين الذين يساعدون النظام وأي تدخل لن يكون بمثابة نزهة.

إن منتقدي التدخل يفضلون فرض عقوبات اضافية على كبار المسؤولين وهذا يمكن تبريره ولكن لا يوجد سبب يدعونا للإعتقاد أن عمل ذلك سيكون حاسما وخاصة أن الصين تقدم مبالغ ائتمانية ضخمة بدون أي شروط. إن الاقتراح الثاني بتقديم دعم ذو معنى للاجئين سيكون مكلفا وهو خيار غير واقعي بالنسبة للعديد من البلدان علما أن مثل تلك السياسات تتعامل مع الأعراض وليس سببها.

ان مستقبل فنزويلا قاتم فالاقتصاد تقلص بمقدار النصف خلال الخمس سنوات الأخيرة وانخفض انتاج النفط بنسبة مشابهة وهناك تدهور في البنية التحتية والتضخم يقترب من مليون بالمائة. لقد انتشر الفقر في بلد كان في الماضي واحدا من أغنى دول المنطقة ويمتلك أكبر احتياطات العالم من النفط ولقد انتشرت الجريمة في البلاد وتراجع نظام الرعاية الصحية وانتشر الجوع.

لقد أنشأ مادورو والذي حصل مؤخرا على فترة رئاسية ثانية لمدة ست سنوات وذلك في انتخابات يعتقد معظم المراقبين انها تفتقر للنزاهة جمعية تأسيسية جديدة (من اجل الالتفاف على الجمعية الوطنية التي تتحكم بها المعارضة ) وذلك لكتابة دستور جديد من اجل تدعيم حكمه السلطوي وهناك تقارير عن إعتقالات تعسفية واعمال تعذيب.

ما زلت أشير الى نفس السؤال الذي قمت بطرحه بشكل علني وغير علني في الاشهر الأخيرة وهو ما هو المدى الذي من الممكن ان تسوء فيه الأمور قبل ان يكون العالم مستعدا للتصرف؟ كم عدد الأشخاص الذين يجب عليهم ان يخسروا حياتهم ؟ كم عدد الاشخاص الذين يجب ان يصبحوا من اللاجئين ؟

يبدو أنه لا توجد أجوبة على تلك الاسئلة ولكن في مرحلة ما سيصبح من غير المبرر تجنبها فالإنكار لا يعتبر استراتيجية.

ولكن في هذه الاثناء فإن الأمور واضحة بالنسبة لثلاثة مواضيع على أقل تقدير وهي :

أولا، إن عقيدة مسؤولية الحماية أو حق الحماية والذي تم تبنيه بالإجماع من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 2005 ردا على مصرع حوالي مليون رجل وامرأة وطفل في رواندا بسبب تقاعس العالم هو حق غير مفعل على الاطلاق فالصين وروسيا توقفتا عن دعم ذلك الحق بعد التدخل الغربي في ليبيا سنة 2011 حيث اصبحت الدولتان تنظران لحق الحماية على انه ذريعة لتغيير الأنظمة. إن العالم لم يفعل الشيء الكثير سوى مراقبة الدمار في سوريا أو عمل ما هو اسوأ من ذلك من خلال المشاركة في ذلك الدمار حيث فقد نصف مليون شخص حياتهم وأجبر معظم السكان على ترك منازلهم.

إن هذه تعتبر مأساة كبيرة وهذا لا يعود فقط للأسباب الانسانية الواضحة ولكن ايضا لإن حق الحماية أدخل مبدأ هام وهو أن السيادة تنطوي على التزامات وحقوق وانه عندما تفشل الحكومات في الوفاء بالتزاماتها فإن هذا يعني انها ستخسر حقوقها المتعلقة بالسيادة علما أننا بحاجة لمثل هذا المبدأ في العالم لإن معظم ما يحصل في البلدان يؤثر على مصالح الاخرين خارج حدودها وعادة ما يكون مثل هذا التأثير كبيرا.

ثانيا، إن الحكومات تخسر الحرب ضد الجريمة والعصابات والكارتيلات وامريكا اللاتينية والتي يوجد فيها اقل من 10% من سكان العالم مسؤولة عن ثلث جرائم القتل على مستوى العالم وما لم يتغير ذلك فإن أفضل الناس سيهربون وهم محقون في ذلك كما ستهرب الاستثمارات وسيكون هناك تباطؤ في النمو الإقتصادي أو سيختفي تماما وهذه قد تشكل حلقة مفرغة وليست حلقة ايجابية.

يتوجب على الحكومات بناء قوات الشرطة والقوات المسلحة وفي الوقت نفسه فإن على الدول الخارجية والتي لديها مصلحة في المنطقة المساعدة وذلك كما كان عليه الحال مع كولومبيا والتي واجهت في العقود الاخيرة تحدي مسلح خطير من داخل البلاد.

ثالثا، تحتاج امريكا اللاتينية لإصلاح الهيئات الاقليمية الحالية وذلك ابتداءا من منظمة الدول الأمريكية أو تطوير نماذج جديدة للتعاون الاقليمي. إن المتطلب المتعلق بالتوافق قبل العمل يمكن ان ينظر اليه على انه وصفة للتردد.

ان ما يتعلق بالنقطتين الاخيرتين هو الحاجة لإعادة التفكير بأمن المنطقة فأمريكا اللاتينية قد تجنبت بشكل عام الابعاد الجيوسياسية والحروب والتي اصابت اجزاء اخرى من العالم ولكن هذه الاجازة من التاريخ قد انتهت فالتهديدات للاستقرار الداخلي هي تهديدات كبيرة وهي في ازدياد وكما هو الحال في فنزويلا فإنه عندما ينهار النظام الداخلي فإن الاستقرار الاقليمي يصبح في خطر بسبب تدفق اللاجئين والعصابات وكارتيلات المخدرات ولقد حان الوقت أن يتعامل زعماء المنطقة مع البيئة الامنية التي تتدهور سريعا في منطقتهم وذلك قبل ان تطغى عليهم.

* ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية ، شغل سابقاً منصب مدير التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الأمريكية (2001-2003) ، وكان المبعوث الخاص للرئيس جورج دبليو بوش إلى أيرلندا الشمالية ومنسقًا لمستقبل أفغانستان ومؤلف كتاب "عالم في الفوضى: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم".
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0