بيتر سينجر

 

برينستون ــ في الشهر الماضي، استضاف الرئيس الأميركي باراك أوباما قمة دامت ثلاثة أيام حول "مكافحة التطرف العنيف". وقد أفرز هذا المصطلح اختصاراً جديداً بالفعل، CVE، والذي استُخدِم 12 مرة على الأقل في صحيفة الوقائع التي أصدرتها إدارة أوباما في الثامن عشر من فبراير/شباط.

كما استخدمت صحيفة الوقائع مصطلح "التطرف العنيف" 21 مرة. ولكن كم عدد المرات التي ظهرت فيها مصطلحات مثل "الإسلام"، أو "الإسلامي"، أو "المسلم"؟ ولا مرة واحدة. بل ولم ترد أية إشارة إلى تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهو الكيان الذي يشار إليه بالأحرف الأولى فقط "ISIL" ("داعش" باللغة العربية).

لم يكن هذا من قبيل الصدفة؛ بل هو جزء من استراتيجية لكسب تأييد عامة المسلمين. وقد قالت ريهام عثمان، المتحدثة باسم مجلس الشؤون العامة للمسلمين، والذي يشارك في القمة، إن استخدام مصطلحات مثل "الإسلام الراديكالي" يضر بقضية وقف العنف. وقد يعكس هذا جزئياً المخاوف المفهومة بين أفراد المجتمع المسلم من أن يساهم ربط الإسلام بالإرهاب والعنف في زيادة الهجمات على المسلمين أو التمييز ضدهم.

والسبب الآخر الذي قُدِّم لعدم الإشارة إلى "التطرف الإسلامي" أو "الدولة الإسلامية" هو أن القيام بذلك يعني التسليم بمزاعم الإرهابيين بأنهم يتصرفون وفقاً لمبادئ الإسلام. وقد يكون في هذا دافع لآخرين، ممن يعتبرون أنفسهم مسلمين أتقياء، للانضمام إليهم.

وأخيرا، ربما يتسبب الاستخدام المتكرر لمصطلح "إسلامي" كجزء من وصف الجماعات المعادية في جعل الأمر يبدو وكأن الغرب "في حالة حرب مع الإسلام". وقد يؤدي هذا إلى دفع المسلمين الأكثر اعتدالاً إلى القتال في جانب المتطرفين، وبالتالي توسيع رقعة الصراع وجعل إنهائه أكثر صعوبة.

ولكن هناك رغم ذلك بعض المشاكل الناجمة عن السعي إلى تجنب هذه المصطلحات.

المشكلة الأولى سياسية. فقد قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي تيد كروز، الذي ربما يكون على وشك إعلان ترشحه لمنصب الرئاسة عن الحزب الجمهوري، "لا يمكنك أن تهزم عدوك إذا رفضت الاعتراف بحقيقته". وقد تساعده هذه المقولة في الفوز بالأصوات. والواقع أنه ليس من مصلحة أي سياسي أن يبدو وكأنه ينكر ما يمكننا أن نراه جميعاً ماثلاً أمام أعيننا.

فضلاً عن ذلك، ولأنه من الواضح في نظر الجميع أن أعمال التطرف الأكثر عنفاً ترتكب باسم الإسلام، فإن تجنب هذه الكلمة من غير المرجح أن يمنع الهجمات على المسلمين رداً على هذا العنف.

وتتجلى مشكلة أخرى بوضوح بمجرد أن نسأل أنفسنا عن السبب وراء أهمية خروج الزعماء المسلمين من المنتمين إلى التيار السائد علناً والتصريح بأن الدين يتعارض مع قتل الأبرياء، أو أن أولئك الذين يموتون عندما يرتكبون مثل هذه الأفعال ليسوا "شهداء" ولن يكافأوا في حياتهم الآخرة. ولكن لماذا ينبغي للزعماء المسلمين بشكل خاص أن يدلوا بمثل هذه التصريحات، وليس الزعماء المسيحيين أو البوذيين أو اليهود؟

الإجابة مرة أخرى واضحة. ولكنها واضحة فقط لأننا نعلم بالفعل أن جماعات مثل القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، وحركة طالبان لا تَتَّبِع تعاليم المسيحية أو البوذية أو اليهودية أو الهندوسية.

في قمة واشنطن، قال أوباما "جميعنا نتحمل المسؤولية عن دحض فكرة أن جماعات مثل تنظيم داعش تمثل الإسلام بطريقة أو بأخرى، لأن هذا زيف باطل يحتضن السرد الإرهابي". وعلى النقيض من صحيفة حقائق البيت الأبيض، يعترف هذا البيان على الأقل بأن جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية تدعي أنها إسلامية. وإلا فما هي أهمية هذا البيان في "مكافحة التطرف العنيف"؟

ورغم هذا فإن تأكيد أوباما على "أننا جميعا" نتحمل هذه المسؤولية يحتاج إلى توجيهه بشكل أكثر تحديدا. فإذا حاولت الدخول في مناقشة مع أي مؤيد لتنظيم الدولة الإسلامية من أولئك الذين تلقوا تعليماً جيداً معتدلاً حول ما إذا كانت هذه المنظمة تتبع تعاليم الإسلام حقا، فإن هذا من شأنه أن يفقدني الحجة. فأنا لست خبيراً بالقدر الكافي في التراث الإسلامي حتى يتسنى لي أن أكون على يقين من أن المتطرفين يسيئون تفسيره، وهذه حال الغالبية العظمى منا. وهذا يعني أن المسؤولية التي أشار إليها أوباما تقع على عاتق أولئك الذين هم أكثر علماً ودراية بالإسلام مقارنة بنا "جميعا".

وحتى بالنسبة للأشخاص العالمين بالإسلام، فإن تكليفهم بالمسؤولية التي ألقاها أوباما على عاتقهم لن يكون بالمهمة السهلة، كما يثبت سرد حديث كاشف لجرايم وود. إذ يقدم لنا وود صورة لأناس مدفوعين بإيمان راسخ بالإسلام، ودراية جيدة بنصوصه الأساسية. وكل من هو على دراية بالأصولية المسيحية في الولايات المتحدة لابد أن يكون قادراً على تمييز نمط واضح في المواقف التي يتخذها الأصوليون المتدينون بصرف النظر عن الديانة التي ينتمون إليها.

ويصر المتحدث باسم تنظيم الدولة الإسلامية على اتباع المبادئ الأصلية التي أرساها النبي محمد وأصحابه الأوائل استناداً إلى فهم حرفي ومن دون أي تعديل يتناسب مع الظروف المختلفة. والواقع أن المنتمين إلى مثل هذه الجماعات، مثلهم في ذلك كمثل الأصوليين المسيحيين، يرون أنهم يعدون العدة لنهاية العالم ــ ويساعدون في جلبها.

واسمحوا لي أن أؤكد أنني لا أقول إن معتقدات الأصوليين المسيحيين اليوم تتساوى أخلاقياً مع معتقدات الأصوليين المسلمين اليوم. فهناك فارق أخلاقي شاسع بين أولئك الذين يعارضون إزهاق أرواح الأبرياء من البشر وهؤلاء الذين يقتلون الناس بسبب جنسيتهم، أو ما يقولون، أو لأنهم "مرتدّين". ولكن نظرة الأصوليين إلى العالم متماثلة في جوانب كبرى، بصرف النظر عن الديانة التي ينتمون إليها.

الآن، لابد وأن تكون المشكلة الماثلة في محاولة التصدي لأولئك الذين يسعون إلى جلب مجندين جدد للانضمام إلى "التطرف العنيف" من دون التركيز على الأساس الإسلامي الذي يستند إليه هذا التطرف باتت واضحة. ولابد أن يُقال لأولئك الذين يفكرون في الانضمام إلى أي جماعة إسلامية متطرفة: أنتم تعتقدون أن كل ديانة أخرى باطلة، ولكن أتباع ديانات أخرى كثيرة يعتقدون بنفس القدر من الرسوخ أن عقيدتكم باطلة. ولا يمكنكم أن تعرفوا حقاً من منكم على حق، ولعلكم جميعاً على خطأ. وأنتم في كل الأحوال لا تملكون أي مبرر يقوم على أساس سليم بالقدر الكافي لقتل الناس، أو التضحية بأرواحكم.

لا شك أن بعض الناس غير منفتحين على أي حوار منطقي من أي نوع، ولن يتأثروا بمثل هذه الحجة. ولكن آخرين ربما يتأثرون. لماذا إذن نستبعد هذا مقدماً بإنكار حقيقة مفادها أن الكثير من العنف المتطرف تحركه دوافع دينية؟

* أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0