يراهن الكثيرون على ثورة السيارات الكهربائية، في عالم يهدف إلى خفض الانبعاثات من قطاع النقل، ضمن المساعي الحثيثة لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري التي تهدد الكوكب، ومع ذلك، يواجه مستقبل السيارات الكهربائية عدّة تحديات وعقبات من شأنها أن تعرقل مدى انتشارها عالميًا، أو على الأقل تجعله غير ممكن على المدى القصير.

وفي هذا السياق، أشار مقال رأي حديث -اطّلعت منصة الطاقة المتخصصة على تفاصيله- إلى أن مؤيدي السيارات الكهربائية عادةً ما يرحّبون بكل هذه العقبات والقيود من خلال تأكيد أن التقدم التكنولوجي سيحلّها، وعلى الرغم من صحة هذا التأكيد في بعض الأحيان، فإن انتشار السيارات الكهربائية في كل مكان، سيتطلب ابتكارات ذات قفزة نوعية؛ إذ يُظهر التاريخ أن التفويضات والضرائب والإعانات ليست هي الطريقة التي يمكن للعالم أن يحقق بها هذا النوع من التقدم.

السياق العالمي.. التحرك بعيدًا عن الكهرباء

سرد الكاتب مارك ميلز التحديات التي تواجه السيارات الكهربائية في الوقت الحالي، بدءًا من موجة البرد في شهر يناير/كانون الثاني 2024 التي تسببت في صعوبات للسيارات الكهربائية.

إذ امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بالسخرية وصور سيارات تيسلا (Tesla)، التي تقطعت بها السبل بسبب درجات الحرارة المتجمدة، وقال أحد الأشخاص: هناك الكثير من "الروبوتات الميتة"، وفق ما جاء في مقال نشرته منصة "سيتي جورنال" (City Journal)، وفي منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2024، أعلنت شركة تأجير السيارات هيرتز (Hertz)، التي كانت في السابق من أوائل المتحمسين لكهربة الأساطيل، عمليات بيع كبيرة للسيارات الكهربائية التي اشترتها مؤخرًا فقط، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن صيانتها أكثر تكلفة بكثير من المعلَن.

وفي الأسبوع نفسه، خفضت شركة فورد (Ford) إنتاج السيارات الكهربائية، بعد أن تراجعت في وقت سابق عن مصانع البطاريات المخطط لها.

وتواجه كل من شركتي فورد وجنرال موتورز (General Motors) الآن تكاليف عمالة أعلى، بعد أن تفاوضتا على زيادات كبيرة في الأجور مع اتحاد عمال صناعة السيارات الأميركية (يونايتد أوتو وركرز)، والتي تشمل الآن مصانع البطاريات المستبعدة سابقًا.

وما يزيد من حدة المشكلات أن السيارات الكهربائية غير المبيعة تتراكم لدى التجّار؛ ما يؤدي إلى تخفيضات كبيرة، و"لا أحد يرغب في شراء سيارات كهربائية مستعملة"، كما ذكرت مجلة فورتشن (Fortune).

والآن، ارتفع التأجير إلى أكثر من نصف إجمالي مبيعات السيارات الكهربائية، لأنه الطريقة الوحيدة للحصول على الائتمان الضريبي الفيدرالي البالغ 7500 دولار لمعظم السيارات الكهربائية.

فبموجب القانون، من المفترض أن يكون هذا الائتمان متاحًا فقط عند شراء مركبات مصنوعة بمواد مصدرها الولايات المتحدة أساسًا؛ إلّا إن هناك استثناء يسمح بالائتمان للمركبات المستأجرة المبنية بمواد أجنبية.

3 أسباب توقف ثورة السيارات الكهربائية

أشار الكاتب مارك ميلز، في مقاله الذي اطّلعت عليه منصة الطاقة، إلى أن المدافعين عن السيارات الكهربائية يزعمون أن كل هذه الأخبار السيئة هي مجرد عرَض من أعراض الآلام المتنامية التي تعاني منها هذه الصناعة الناشئة.

وهناك بعض الحقيقة في ذلك، خاصةً بالنسبة لأنواع المشكلات الهندسية التي يُمكن حلّها بسرعة؛ إذ ستتحسن الموثوقية وسلاسل التوريد مع الخبرة وإعادة التصميم، وقد تسمح أميركا بتوسع التعدين المحلي وبناء مصافٍ جديدة للمعادن اللازمة للبطاريات.

وفي غضون ذلك، يشير المشجعون على السيارات الكهربائية إلى أن "الناس يستمرون في شرائها"؛ إذ شهد العام الماضي (2023) مبيعات قياسية من السيارات الكهربائية، حتى لو كانت تيسلا هي المسيطرة خارج الصين.

وقال ميلز، إنه على الرغم من كون معدلات النمو المرتفعة المعلَنة هي نتيجة حسابية للنمو من بدايات صغيرة -وهو أمر يراه المرء دائمًا في الأيام الأولى لمنتج جديد-، فليس هناك شك في أن عشرات الملايين من المستهلكين سيشترون سيارة كهربائية بكل سرور.

إلّا إنه ذكر أن الشكوك تحوم حول ما إذا كان من الممكن تحقيق الطموح المتمثل في التحول المتسارع إلى مستقبل تهيمن عليه السيارات الكهربائية.

فالحجم غير المسبوق للتدخل الحكومي يعطي المتحمسين للسيارات الكهربائية الثقة في أن هذا كله "سيحفّز الطلب الاستهلاكي"، لكن الإملاءات الحكومية والسخاء لا يمكنهما تغيير الواقع.

وأشار الكاتب إلى أن ثورة السيارات الكهربائية المفترضة ستتوقف لـ3 أسباب رئيسة، وليس بسبب السيارات التي تعطلت في درجات الحرارة المنخفضة للغاية، أو العقبات الأخرى في الأخبار الأخيرة.

وقال: "ما سيحدث هو أن المال سينفد منا، وسينفد النحاس، وسينفد صبر سائقي السيارات في تحمّل المضايقات".

5 أساطير حول السيارات الكهربائية

ذكر الكاتب مارك ميلز -في مقاله- أن هناك بعض الأساطير التي ترتكز عليها الحماسة للسيارات الكهربائية، وفق ما رصدته منصة الطاقة المتخصصة.

1- خفض الطلب على النفط

انتشر ادّعاء في العديد من وسائل التواصل الاجتماعي، مفاده أن شركات النفط الكبرى، التي تشعر بالقلق من أن المركبات الكهربائية ستخفض استعمال النفط جذريًا، تمول بطريقة ما "معلومات مضللة" ضد المركبات الكهربائية.

وتزعم وكالة بلومبرغ نيو إنرجي فايننس (BloombergNEF) أن "اعتماد السيارات الكهربائية سيخفض الطلب على النفط بمقدار 1.8 مليون برميل في عام 2023".

وسيلاحظ المحللون أن المركبات الكهربائية، على مستوى العالم، ما تزال تمثّل 2% فقط من جميع المركبات، ومن ثم، يجب الانتظار.

لنتأمل إذن حالة النرويج، حيث تمثّل السيارات الكهربائية الآن ما يقرب من 25% من جميع السيارات، وحتى هناك، ظل الاستهلاك الإجمالي للنفط على الطرق ثابتًا، بدلًا من الانهيار.

وحتى مع افتراض وجود هدف كبير مستحيل يتمثل في استبدال المركبات الكهربائية بنصف سيارات العالم، فإن الحسابات السهلة تُظهر أن القيام بذلك لن يؤدي إلّا إلى إلغاء ما يزيد على 10% من الطلب العالمي على النفط، ولكنه ليس نهاية النفط.

وقال ميلز: "أقصى ما يمكن قوله، هو أن المركبات الكهربائية ستخفف من النمو في استعمال النفط".

2- خفض انبعاثات الكربون

أشار ميلز -أيضًا- إلى أن الأسطورة التي ترتكز عليها إعانات الدعم والتفويضات والسياسات الرامية إلى فرض المركبات الكهربائية على الجميع بالقوة، هي أنها ستخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون جذريًا.

وأشار فريق بلومبرغ نيو إنرجي فايننس إلى أنه وفقًا لحساباته، تجنّبت المركبات الكهربائية في عام 2023 "122 ميغاطن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون".

إلّا إن العالم قد شهد في عام 2023 ذروة جديدة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية، وفقًا للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA).

ولذلك، يبدو أن الخفض المزعوم بمقدار 122 ميغاطن بوساطة المركبات الكهربائية كبير، لكنه لا يمثّل سوى 0.03% من الانبعاثات العالمية.

المشكلة هي أنه لا يمكن قياس انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الصادرة عن السيارة الكهربائية، وهذا يختلف تمامًا عن السيارات التقليدية، إذ يمكن قياس الانبعاثات مباشرةً من خلال كمية البنزين المستعمل.

علاوة على ذلك، فإن انبعاثات البنزين هي نفسها أين/ومتى جرت قيادة السيارة أو تزويدها بالوقود، أو حتى تصنيعها، من الواضح أن المركبات الكهربائية لا تحرق البنزين، ومن ثم تُتجنب هذه الانبعاثات بالقدر نفسه.

إلّا إن هناك انبعاثات مرتبطة بالمركبات الكهربائية، ووفقًا للأدبيات التقنية، فإن كل شيء يتعلق بهذه الأرقام متغير بدرجة كبيرة؛ ما يتطلب تقديرات وتخمينات وافتراضات حول وقت قيادة السيارة الكهربائية، ومتى وأين يُعاد شحنها، وخاصةً من أين جاءت المواد اللازمة لبنائها في المقام الأول.

3- خفض العمالة

أكد الكاتب أنه لا ينبغي للمرء أن يتفاجأ عندما تُظهر البيانات أن بناء السيارات الكهربائية لا يتطلب قدرًا أقلّ من العمالة، إنه ينقلها فقط إلى مكونات وأماكن مختلفة.

إذ توظف شركة تيسلا نحو 90 شخصًا لكل 1000 سيارة منتجة سنويًا، ويعمل نحو 80 شخصًا لكل 1000 سيارة تقليدية منتجة، ولا يشمل أيّ من الرقمين العمالة الأولية للمواد المورّدة للمصانع.

كما يتكون وزن السيارة التقليدية من 85% من الفولاذ والحديد، وتوظف سلسلة التوريد الأولية أقل من شخص واحد لكل 1000 مركبة منتجة.

أمّا السيارة الكهربائية، فيكمن معظم وزنها في معادن أهمها الألومنيوم والنحاس، وتوظف سلسلة التوريد الأولية هذه ما يقرب من 30 شخصًا لكل 1000 سيارة كهربائية، وكل هذه العمالة موجودة تقريبًا في الخارج.

4- أزمة المواد الخام

رأى الكاتب مارك ميلز أن متطلبات المواد الأساسية هي العائق الوحيد الذي سيؤدي إلى توقّف المركبات الكهربائية قبل أن تبدأ العوامل الأخرى في التأثير فيها.

فجميع المناجم في العالم، سواء العاملة حاليًا أو المخطط لها، لا يمكنها توفير سوى جزء صغير من الزيادة التي تتراوح بين 700% و4000% في المعادن المختلفة، والتي ستكون ضرورية لتحقيق أهداف السيارات الكهربائية الطموحة للغاية.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن العالم سيحتاج إلى مئات المناجم الضخمة الجديدة لتغذية المصانع عبر المشهد "الانتقالي"، وأن الأمر سيستغرق من 10 إلى 16 عامًا للعثور على منجم جديد والتخطيط له وفتحه.

تجدر الإشارة إلى أن شراء المواد الأساسية يمثّل أكثر من نصف تكلفة بناء بطارية السيارة الكهربائية، وهذا يعني أن الأسعار المستقبلية للمركبات الكهربائية ستهيمن عليها التكاليف المستقبلية لتلك المواد الأساسية.

وشدد ميلز على أن الأمر لا يتعلق بما إذا كان كوكب الأرض لديه ما يكفي من النحاس أو المعادن الأخرى؛ فالطبيعة لديها وفرة في جميع المجالات.

القضية هي مسألة البنية التحتية الصناعية؛ إذ ليس هناك أيّ دليل على أن الاستثمارات الضخمة اللازمة على مدى عقود لتوسيع التعدين قد بدأت في أيّ مكان.

5- مشكلات هندسية واقتصادية

تُضاف إلى ذلك المشكلات الهندسية والاقتصادية الأخرى المرتبطة بتسريع ثورة السيارات الكهربائية، مثل بناء عدد كافٍ من أجهزة الشحن، وتوسيع الشبكة الكهربائية، والأمل في أن يتسامح المستهلكون مع الزيادات الجذرية في المضايقات التي تسبّبها هذه السيارات.

ويتلخص الإزعاج الذي تسببه المركبات الكهربائية في حقيقة مُدَد التزود بالوقود الطويلة جدًا، وليس في المدى.

ورأى الكاتب أن ما يسمى بالشحن السريع ليس سريعًا؛ إذ يستغرق الأمر من 30 إلى 60 دقيقة، مقارنةً بـ5 دقائق لملء خزان البنزين، وسينزعج معظم المستهلكين من مدد الانتظار الطويلة هذه، كما أن كل شاحن فائق السرعة يكلّف نحو 3 أضعاف تكلفة مضخة البنزين.

اضف تعليق