الرابط المشترك بين جميع الكتب السماوية لا يخرج عن إيصال المفاهيم العامة لمن يهمه الأمر دون الرجوع إلى معرفة المصاديق، ولهذا نجد أن القرآن الكريم وإن كان في متناول الجميع إلا أن العديد من لوازمه قد تقع على عاتق العلماء دون العامة من الناس، فإن قيل: إذا سلمنا بما تقول أصبح القرآن كتاب ألغاز ولا يمكن الوصول إليه فضلاً عن فهم أحكامه؟ أقول: ليس هذا هو المقصود لأن القرآن كالغدير الذي يروي الإنسان بمفرده ويروي الجمع من الناس ويروي الأمة بكاملها.

أو كالماء النازل من السماء حين يملأ الأودية كلاً حسب حجمه وسعته، كما قال تعالى: (أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها) الرعد 17. فالقرآن حين يتلى على مسامع مجموعة من الناس لا يمكن أن يفهمه الجميع بنفس المستوى بل يكون فهمهم حسب القابل الذي يُميز به كل شخص منهم، فهو سهل يسير على بعض الناس وممتنع على آخرين، لأن السبيل إليه ناتج عن استجابة الإنسان إلى الهدى، باعتبار أن القرآن كتاب هداية لا كتاب ألغاز، فمن ناحية يقول الله تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) القمر 17. مع تكرار الآية في مواضع أخرى من السورة. ومن جهة أخرى يقول: (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) آل عمران 7.

وهذا يدل على أن كل إنسان يستطيع أن يتدبر القرآن حسب درجة الفهم المتوفرة لديه والتي تختلف من شخص لآخر فعند تلقينا لقوله تعالى: (والله سريع الحساب) البقرة 202. فإن كلاً منا يذهب ظنه إلى تحليل مختلف عما يذهب إليه الآخر، فمنا من يقول إن الله سريع الحساب أي لا يشغله حساب الناس أفراداً كانوا أو جماعات ومنا من يفهمها على أنها السرعة الخارقة وهناك من يتبادر إلى ذهنه قرب الوقت المعد للحساب، وهذا الفهم الذي اختلف من شخص لآخر يجري في جميع القرآن.

لذلك دعت الحاجة إلى دراسة التفسير ليُفتح على الناس ما خفي من أسرار القرآن الكريم التي تصعب على بعض الناس دون بعض، والتي ربما تكون مفهومة لدى العلماء بمقاييس متفاوتة أيضاً فالعالم لا يحيط بمقاصده إلا من علم المراد ولو بوجه لأن الأسرار القرآنية تحتاج إلى من يستخرجها، لذلك تتفاوت مراحل التقاط الشاهد القرآني من عالم إلى آخر ومن باحث إلى آخر، وقد يصعب على العامة من الناس أبسط قواعد تفسير القرآن بالقرآن على الرغم من مرورهم المتكرر على الآيات إلا أن التوظيف لا يمكن أن يكون في متناول الجميع، فمثلاً هناك تفسير يسمى التصريح بعد الإبهام وهذا أحد أقسام تفسير القرآن بالقرآن دون علم الكثير من الناس على الرغم من استعمالهم له، ولأجل تقريب المعنى أضرب لك الأمثلة التالية:

قوله تعالى: (القارعة... ما القارعة... وما أدراك ما القارعة) القارعة 1- 3. في هذه الآيات لا يفهم المراد من القارعة حتى بمصاحبة التحليل اللغوي لأن المراد أمر خارج عن نطاق المفردات المألوفة لأصل الوضع اللغوي وإن دلت فإنما تدل على الشيء القارع الذي يكون له ضجيج، وما يتبادر إلى الذهن من أن القارعة تعني القيامة فهذا لا يستدل عليه بمعاني الكلمات التي وضعها أهل اللغة، ولذلك جاء التصريح بعد هذا الإبهام بقوله: (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث... وتكون الجبال كالعهن المنفوش) القارعة 4- 5. فدل تعالى بهذا التصريح على أن القارعة هي القيامة، وإن توسع المفسرون بمعناها.

وهذا يجري في الطارق المراد به النجم الثاقب والغاشية والعقبة التي فسرها بفك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة وكذلك الطامة الكبرى والصاخة ومبهمات أخرى كثيرة فسرها القرآن بعد ابهامها. وهناك نوع آخر من أنواع تفسير القرآن بالقرآن يسمى التفسير الدلالي أي ما يستدل بمعلومه على مجهوله وهذا يعرف من السياق، كقوله تعالى: (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغياً) مريم 28. فقوله: (ما كان أبوك... إلخ) دل على أن المراد من: "أخت هارون" المرأة العفيفة لذا أنزل الكلام منزلة التذكير بأبيها وأمها بعد نسبتها إلى هارون. وهذا كالمصطلح المشهور لديهم.

وهناك تفسير يفهم بالطباق، كقوله تعالى: (وفاكهة وأبا... متاعاً لكم ولأنعامكم) عبس 31- 32. والمعنى ظاهر وهذا كثير جداً كقوله: (ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) القصص 73. وهناك نوع يفهم تفسيره من المواضع الأخرى وهذا يحتاج إلى فهم وملكة ودراسة شاملة لمتفرقات القرآن الكريم ولا أقصد الحفظ المتسلسل لأن كثيراً من الذين يحفظون القرآن لا يستطيعون الربط بين متفرقات آياته، لذا فإن هذا النوع من التفسير يعتمد على المعاهدة القرآنية المتواصلة فإيجاد الشاهد المناسب ورد المتشابه إلى المحكم والتفريق بين الناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والعام والخاص لا يتوصل إليه الإنسان بمجرد حفظه المتسلسل وهذه ليست دعوة للابتعاد عن الحفظ، فقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم) الفاتحة 7. لا نجد فيه التصريح والاشارة إلى المنعم عليهم ولكن نجد التفسير في قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) النساء 69. وهذا كثير في القرآن الكريم.

ونوع آخر يعرف بالحذف والاختصار فما حذف في موضع نجده في موضع آخر. كقوله تعالى: (ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعاً) الرعد 31. فهذه الآية الكريمة لا نجد فيها جواب (لو) ولذلك ذهب بعض المفسرين على أن هذه الآية فسرت بقوله: (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) الحشر 21. لذلك كان تقديرهم لكان هذا القرآن، وذهب آخرون على أن جواب (لو) قد وجد في قوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) الأنعام 111. فكان تقديرهم "ما كانوا ليؤمنوا" وهذا هو الأقرب لتشابه موضوع الآيتين.

وهناك نوع آخر يفهم من القواعد القرآنية التي لا تختلف في الطرح وإن اختلفت المناسبات ويسمى هذا النوع "الاستدلال العقلي" ومنه الاستدلال على أن الشاهد الذي قضى ليوسف على الرغم من انتسابه إلى أهل امرأة العزيز إلا أن العلامات التي توصل إليها جعلته على يقين من براءة يوسف، لذلك قدم صدقها وأخر كذب يوسف لأجل التمويه على الحاضرين وبنفس القاعدة جعل يوسف السقاية في رحل أخيه ثم بدأ بتفتيش أوعية إخوته، كما قال تعالى: (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) يوسف 76. ونفس السياسة التي اعتمدها الشاهد ويوسف نجدها تتبع في موضع آخر من قبل مؤمن آل فرعون كما قال تعالى: (وإن يك كاذباً فعليه كذبه وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم) غافر 28. فقدم الكذب المفترض لموسى على صدقه فتأمل.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0