آراء وافكار - دراسات

الجريمة الارهابية وأثرها على المجتمع

دراسة سوسيولوجية تحليلية

تعد الجريمة ظاهرة بالغة الخطورة حيث تهدد كيان المجتمع برمته وتؤدي الى اختلاله وعدم استقرار مصالح أفراده، لذا تسعى المجتمعات جميعاً الى مكافحتها والتخلص منها بشتى الطرق والاساليب وبمختلف صورها واشكالها واهدافها مهما كانت، لكونها تعمل على وضع المجتمع في حالة من الاختلال بالمقاييس والمعايير التي تؤدي لانهيار كامل لوضع الفرد داخل المجتمع، واعاقة كافة الجوانب الحياتية وسيرانها بالشكل المطلوب فتجعل من الفرد مشتت في اموره وعمله تجعله في حالة فزع كبير بشأن حياته واطفاله وعمله غير مدرك لمستقبله وما الذي عليه فعله، حيث تدخل عدم الطمأنينة في نفسه كالذي يسير في طريق لا يعرف نهايته وانما وجد نفسه بهذا الطريق من دون ان يعرف كيف وصل وما سبب وجوده والى اين يؤدي به هذا الطريق.

وهنا نجد ان للجريمة انواع كثيرة وجميعها تؤثر على مستقبل الافرد وعلى حياتهم وعلى وجودهم كأفراد لذا ما يهمنا في بحثنا هذا هو بيان الجريمة الارهابية التي تعتبر أحدى أنوع الجرائم التي تتفشى بشكل كبير داخل مجتمعاتنا لتهديدها مصير جميع افراده وتضر باستقرارهم، وتجعل من حياتهم في حالة من الفوضى العارمة وهذا ما موجود اليوم على الساحة العراقية التي اصبحت مرتعاً للجريمة الارهابية والتي تنتشر بشكل سريع وفوضوي وتتأخذ اقنعة وسبل مختلفة, فأصبح الفرد العراقي يعيش حالة ضياع وخوف دامس بين شتى اساليب الجرائم الارهابية التي باتت تدمر حياته واستقلاله وتجعل منه كائن ضعيف لا حولة ولا قوة . فما هي الجريمة، وما هو الارهاب الذي نجده قد سيطر على مجريات الحياة داخل المجتمعات وافزع استقرار افراده وهدد مصيرهم، وما اشكال واسباب جريمة الإرهاب ومها هي خصائصها واهدفها؟ وأخيرا وقبل الأخير سوف نركز على الجريمة الإرهابية في العراق ومن ثم الاستنتاجات والتوصيات التي تن الوصول اليها بهذه الدراسة؟

مفهوم الجريمة الارهابية

الجريمة: كل سلوك انساني غير مشروع، ايجابياً كان ام سلبياً، عمدياً كان ام غير عمدي، يرتب له القانون جزاءً جنائياً (1).

الإرهاب: هو العمل الاجرامي المصحوب بالرعب او العنف او الفزع بقصد تحقيق هدف او غرض معين.

ويشير بعض الباحثين في العلوم الاجتماعية والسياسية بان الإرهاب هو الافعال الاجرامية الموجهة ضد الدولة والتي يتمثل غرضها او طبيعتها اشاعة الرعب لدى شخصيات معينة او جماعات من عامة الشعب وتتسم الاعمال الارهابية بالتخويف المقترن بالعنف مثل أعمال التفجير، وتدمير المنشأة العامة، وتحطيم السكك الحديدية، وتسميم مياه الشرب، ونشر الامراض المعدية، والقتل الجماعي(2).

كما يشمل الإرهاب عمليات خطف الطائرات والسفن ومحاولة ابتزاز الشركات او الحكومات بتهديد حياة الركاب وتعريضهم للخطر، بالإضافة إلى عمليات القرصنة والسيطرة على المرافق العامة بطرق إرهابية تتخللها القسوة والأجرام بقصد أحداث الرهبة والرعب وعدم التواني في ارتكاب جرائم القتل العمد العشوائي، مما يمنح الدول صلاحية استعمال القوة لصد تلك الأفعال ومقاومتها بأي شكل من الأشكال، وبقصد حماية أرواح الناس وممتلكاتهم والممتلكات العامة العائدة للدول.

الجريمة الارهابية: فعل يؤدي الى ازهاق الارواح واتلاف الممتلكات وتخريب المنشات وأخلال الطمأنينة العامة وتسبب الخوف والفزع وسط الابرياء(3).

كما يشار اليها بانها تلك الاعمال التي تستهدف الى الحاق المدنيين بالأذى بهم والواقع اخافة الطرف الاخر في النزاع او الصراع أي أقرب الى الإنذار الذي يسبق الفعل ليجذر الخصم من انه يشن عدوانا فان ما يصيبه من اذى ودمار أكثر ما يوقعه هو في الطرف الاخر(4) اذ هذا الاعمال كما يرى الباحثين بانها افعال او اعمال غير مشروعه ولا أخلاقية تهدف الى اثارة الخوف والرعب في النفوس افراد المجتمع بالإضافة الى الاضرار المادية والبشرية.

أشكال الجرائم الارهابية

الشكل الاول: ارهاب المجموعات الوطنية التي تطالب بحق تقرير المصير وتستخدم الارهاب جزء من استراتيجيتها للوصول الى تحقيق هدفها، ويجمع بين أفراد مجموعة الاعتقاد بوجوب عدم اعتبارهم إرهابين مثل المجموعة الارمينية التي بدأت هجماتها الارهابية منذ عام 1975م عن طريق عمليات التفجيرات والاغتيالات الموجهة ضد الاتراك في الشرق الاوسط وأروبا الغربية.

الشكل الثاني: ارهاب المجموعات العقائدية ولهذه المجموعات هدف معلن هو تغيير الانظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبعض هذه المجموعات لا تعتنق مبدأً أو هدفاً أيديولوجياً محدداً وأن كانت تهدف الى الغاء نظام الحكم بالدولة، ومن هذه المجموعات مجموعة الالوية الحمراء في ايطاليا ومجموعة الجيش الاحمر في اليابان، وارتكبت هذه المجموعات عدداً من العمليات الارهابية من تفجير سفارة تركيا في المانيا بالإضافة الى اغتيال مستشارين كبار.

الشكل الثالث: الإرهاب العرقي او الديني او اللغوي مثل العمليات الارهابية التي يقوم بها أفراد طائفة التأميل ضد الحكومة في سيريلانكا.

الشكل الرابع: الارهاب المرضي مثل العمليات التي يقوم بها المصابون باختلال نفسي لتحقيق هدف سياسي.

الشكل الخامس: ارهاب الحرب الاهلية وينتج عن صراع ديني أو أيديولوجي بين مجموعتين من السكان تعيش معاً منذ سنوات منذ سنوات طويلة (5).

اسباب الجرائم الإرهابية في العراق

1-الاسباب السياسية: فللأسباب السياسية جذور عميقة في دول العالم الثالث التي أفرزت الجزء الاكبر من مشكلة الارهاب ومازالت تعاني منها، وهي اسباب تعود الى الاستعمار القديم والتنافس والنزاع الدائم بين الدول الكبرى ذات المصالح الاقتصادية غير المحدودة، وكثير من جرائم الارهاب جاءت عبر بوابة البحث عن الحرية والاستقلال والنضال من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.

2-الاسباب الاقتصادية: تستخدم الاسباب الاقتصادية في الارهاب بعدة زوايا، فالاقتصاد الضعيف للدولة يهيئ للإرهاب تربة خصبة لأثارة الكراهية ضد الدولة وتشجيع الطبقات الدنيا للخروج ضد الدولة والقيام بأعمال العنف والارهاب ضد النظام العام، ومن أجل ذلك أيضاً تسعى المنظمات الارهابية الى ضرب الاقتصاد القومي وتعطيل المرافق الانتاجية والاستثمارية حتى تتمكن من التأثير على الدولة والدعوة لأهدافها السياسية، والعامل الاقتصادي من جهة اخرى يلعب دوراً في دعم العمليات الارهابية التي تحتاج المال لشراء الاسلحة والتقنية الحديثة.

3-الاسباب الاجتماعية: اما العوامل الاجتماعية كالتخلف والجهل والتدهور الصحي وتدهور خدمات الدولة في بعض المناطق تجعل تلك المناطق مفتوحة لنشر الفكر المتطرف فيها واستمالت أهلها وجرهم الى التعاطف مع الارهاب آملاً في الانتقال الى وضع اجتماعي أفضل كما تصوره لهم المنظمات الارهابية.

4-الاسباب الدينية: الاديان بمختلف أنواعها تخاطب في الانسان الروح والعقل، وهي الاكثر نفاذاً او تأثيرا على الانسان وبالتالي فمن السهل التأثير على الانسان بلغة الدين وتتضاعف آثار الدين على العمل الارهابي في المجتمعات التي ينتشر بها الجهل والفقر والظلم والفساد (6).

خصائص الجرائم الارهابية وأهدافها

1-أستخدام القوة والعنف او التهديد بهما بهدف خلق جو من الفزع والترويع والرعب لدى الجمهور او طائفة منه او شخصيات عامة او أصحاب سلطة.

2-عدم استهداف العمل الارهابي عادةً الضحية او الضحايا المباشرين بذواتهم لان الضربة الارهابية تكون غالباً عشوائية ولا يعرف الارهابي ضحاياه أنما يريد التأثير في سلوك مجموعة يستهدفها هذا العمل مما يدعوها للإحباط واليأس.

3-العملية الارهابية لا تتقيد بالحدود الاقليمية للدول وكثيراً ما تكون عابرة للحدود لضرب مصالح الدولة او سفاراتها او رعاياها.

4-وكذلك أهداف الارهاب قد تكون سياسية او مذهبية او اجتماعية وقد تكون فورية او مستقبلية وقد تكون لبث روح الكراهية بين طبقات المجتمع او هدم وزعزعة ثقة الجمهور في الحكومة وسلطات الأمن.

5-وقد يكون هدف الجرائم الارهابية أيضاً الاخلال بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر وأن يلحق ضرر فعلي بسلامة المجتمع وكذلك الحاق ضرر بالبيئة سواء كانت متصلة بالطبيعة او صناعية.

6-والارهاب مصدره استخدام القوة أو العنف أو التهديد الذي يثير ذلك ويقع من أنسان أو جماعة أو دولة (7).

الجريمة الارهابية في العراق قراءة تحليلية

نجد ان الارهاب من اهم الظواهر الاجتماعية والسياسية وحتى الفكرية لما ينطوي عليه من اثار سلبية كبيرة على حياة الفرد والجماعة واستقرارهم وامنهم وعلى المؤسسات داخل المجتمع، فهو منهج وفكر لدى جماعة من الافراد يجدون ان السبيل الوحيد للوصول الى مبتغاهم واهدافهم هو قيامهم بالعنف والترهيب من خلال استخدام مختلف الاساليب والطرق لذا هو جريمة مقيتة تذهب بحياة الكثيرين من الابرياء.

وهذا ما نجده في الآونة الاخيرة حيث تعرض شعبنا العراقي بجميع قومياته ومكوناته واطيافه لهذه الجريمة الشنعاء التي نالت من الكثيرين لا هداف مقصودة هي خلق جو من الرعب والخوف بين الافراد، وزرع الفوضى للحصول على غاية معينة يحاول حزب او جماعة او دول ما تحقيق مصالحه عن طريق استخدام هذا الجو من العنف، من اجل تشتيت انتباه الافراد عما يهدفون اليه.

من اجل بلوغ مصالحهم بيسر من دون عراقيل او الانتباه الى مخططاتهم وجعل افراد هذا المجتمع في دوامة من الخوف والفزع كلا منهم يحاول ان يحافظ على حياته ومستقبله لا يستطيع التركيز على ما يجري امامه لارتباكه الدائم وانشغاله المستمر بكيفية التخلص من هذا الخطر المحدق به وبحياته وعمله واسرته.

وهنا نجد ازدياد وتفاقم الجريمة الارهابية بشكل ملحوظ سواء بأفعالها او بأساليبها او بارتكابها القتل والخطف والتهجير والتفجير لمختلف الطوائف والمكونات، وهذا ما يزيد من المعاناة الانسانية فأصبح الانسان العراقي يعيش داخل رياح عاتية تجوب به من جزر الى اخرى ليس لها مستقر ثابت وتحول حياته الى حكاية حزينة كل من يحاول قراءتها يغمى عليه من شدة المعاناة والمأساة التي تعرض لها الانسان العراقي لما يمر به من خلال الجرائم الارهابية.

حيث أصبح فقيد للكل جميل، محاولاً الولوج الى مستقر ما لكن دون جدوى فقد يجد نفسه في المكان ذاته لا يتحرك ساكنا كأنما خلق وسوف يموت لهذه المعاناة لذا أصبحت الجريمة الارهابية في العراق الطبق الرئيسي في فجر كل يوم الذي يتناول منه الفرد وجبته من المأساة والحزن والقلق.

اذ مارست مجموعات الأجرام عمليات الخطف في الفترة الأخيــرة بالعراق تحت التهديد بالسلاح، وقامت بتعذيب المخطوفين واستعملت كل طرق الاحتيال والأكراد، وجمعت كل نصوص الفقرات التي اوردتها المواد القانونية في افعالها، غير أن نصاً قانونياً صريحاً يرتقي بالعقوبـــة الى مستوى هذه الأفعال الخطيرة أنسيانا، وينسجم مع ما تشير له القرارات الدولية في ضرورة محاربة الإرهاب بكل اشكاله، يساعد على تنفيذ الأحكام وتطبيق العدالة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها العراق.

الاستنتاجات

1-يشكل الإرهاب تهديدا مستمرا للسلم والامن ولاستقرار جميع الشعوب ويجب ادانتهما والتصدي لهما بصورة شاملة من جلال اعتماد استراتيجية شامله وفاعلة من آجلة.

2-ان جرائم الإرهاب تحت كل مسمياتها وظروف ارتكابها وبغض النظر عن كل الدوافع المزعومة يجب ان يدان دون تحفظ على الجرائم.

3-أن نمط هذه الجرائم انتشر كالوباء الحديث في العراق، وظهر بشكل واضح بعد سقوط الطاغية، بالنظر لتشكيل العصابات التي تتخذ من هذا الأسلوب احترافا لها، وهذا النمط الخطير في الاسلوب الجرمي المتبع، وأن توليها الأجهزة المختصة مكانة تتناسب مع خطورتها، وأن تعمل جميع المؤسسات البحثية لدراستها وتشخيصها ومحاربتها بالأساليب التي تنظف العراق منها.

التوصيات

1-ينبغي بدل محاولات جادة لتسوية النزاعات الدولية من اجل تفويت الفرصة على المنظمات الإرهابية لاستغلال معاناة الشعوب التي تعيش تحت هذا التهديد الخطر.

2-ينبغي تشجيع التسامح والتعايش وتعميق نشر القيم الإنسانية الفاضلة وإشاعة روح التسامح والتعايش وحث وسائل الاعلام على الامتناع عن نشر المواد الاجرامية الخطيرة من خلال القنوات الإعلامية.

3-ينبغي سن القوانين حديثة لمحاربة الجرائم الإرهابية بكافة اشكال سواء كانت تهريب الأسلحة والمخدرات وغسيل الأموال والقتل.

3-ينبغي زيادة التفاعل مع وسائل الاعلام لتعزيز وعي الشعوب بمخاطر الارهاب وذلك حتى لا يمكن استخدام وسائل الاعلام او التلاعب بها من قبل الإرهابيين.

4-ينبغي تعزيز العلاقات مع المنظمات غير الحكومية لضمان مساهمة فعالة في المشاركة في المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

-----------------------------------
المصادر
(1) كامل محمد حسين عبد الله حامد، احكام الاشتراك في الجريمة في الفقه الاسلامي (دراسة مقارنة مع القانون الوضعي)، رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطني، فلسطين،2010، ص20.
(2) محمد فتحي، واقع الارهاب في الوطن العربي، جامعة نايف العربية، الرياض،1999، ص23.
(3) احمد جلال عز الدين، الارهاب الدولي وانعكاساته على الامن القومي، المكتبة الامنية، القاهرة،1984، ص15.
(4) هاشم فالح شهاب، جريمة في القانون الدولي الجنائي، ط1، دار الثقافة، بنغازي, 1990، ص26.
(5) محمد الامين البشري، التحقيق في الجرائم الارهابية، جامعة نايف العربية، الرياض، 2004، ص148.
(6) اسماعيل الغزال، الارهاب والقانون الدولي، المؤسسة الجامعية، بيروت،1990، ص51-52.
(7) محمد فتحي، الاجرام المعاصر، مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض،1999، ص137-139.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
2