"الولايات المتحدة تتخلى عن الرد العسكري لصالح الهجمات الالكترونية – السايبيرية،" بات عنوان شبه ثابت في معظم وسائل الإعلام الأميركية والغربية، منذ إسقاط إيران لطائرة الدرونز التجسسية الأميركية، غلوبال هوك.

سرت تكهنات متعددة لدوافع التخبط والتراجع الأميركي، على أعلى المستويات السياسية، لا سيما بعد إبلاغ واشنطن "حلفائها" الإقليميين بقرار العدوان على إيران في الساعات الأولى من فجر يوم الخميس، 20 حزيران الجاري؛ أرفقه الرئيس ترامب بتغريدة زعم فيها أن دوافعه كانت انسانية لتفادي وقوع نحو 150 ضحية في الجانب الإيراني.

لكن السردية الرسمية لقرار التراجع لم تصمد طويلاً أوضحتها يومية وول ستريت جورنال، استناداً لمصادرها داخل البيت الأبيض بأن الرئيس ترامب ".. رفض توجهات مستشاريه في مجلس الأمن القومي لشن حرب على إيران،" لدواعي انتخابية وخشيته لتراجع منسوب الدعم في مناخ الانتخابات الرئاسية؛ وليس لدواعي "انسانية" كما روّج سابقاً.

كما أن المؤسسة العسكرية لم تبدِ حماساً أو دعماً قاطعاً لقرار إشعال حرب مع إيران ليقينها من جدية التحذيرات الروسية، من ناحية، ودول إقليمية أخرى، بأنها لن تبقى محدودة عند الحدود الإيرانية، بل إيذاناً بتوسيع مروحة الاشتباك لمناطق أخرى في المنطقة تحتوي على مصالح أميركية استراتيجية، من ضمنها "الكيان الإسرائيلي."

بعض المحللين الاستراتيجيين أيضاً انضموا لفريق عدم الرد على الحادث لدواعي أميركية صرفة لها علاقة بالأولويات المرسومة بالتوجه شرقاً لمواجهة الصين وروسيا، والخشية من الانزلاق في حرب مفتوحة.

المؤرخ الأميركي المختص بشؤون الطيران، روبرت هوبكينز، على سبيل المثال، ذكّر معسكر الحرب أن بلاده خسرت ما لا يقل عن 40 طائرة تجسس واستطلاع "منذ عام 1946 اسقطتها دفاعات جوية لدول معادية أسفرت عن خسارة ما ينوف عن 100 ضحية (أميركية) ولم ترد الولايات المتحدة علي أي منها." واستطرد بالقول "ليس هناك ما يبرر البدء (برد عسكري) على خلفية خسارة طائرة درونز."

بيد أن "الإهانة" العملياتية التي تلقتها احدث التقنيات العسكرية الأميركية لن يسمح لها أن تدخل أدراج النسيان، وسارعت المؤسسة الحاكمة إلى تطبيق خطط بديلة سبق أعدادها ضد إيران عنوانها الأبرز الحرب الالكترونية ومحاولات مستمر لاختراق ما تستطيع من مؤسسات وشبكات إتصال وموارد اقتصادية حيوية، كشبكات الكهرباء والمياه، فضلاً عن المساعي التي لم تتوقف باستهداف أجهزة ومعدات البرنامج النووي.

في هذا الصدد، تعمدت المؤسسة الحاكمة عبر وزارة الخارجية بتسريب بعض التفاصيل عن تجنيدها لمهنيين أميركيين من أصول إيرانية للتدرب على إدخال برامج كمبيوتر ضارة في الشبكات الإيرانية المتعددة، أحدهم أفصح أنه تلقى وعداً بمكافأة مالية قيمتها 250 ألف دولار تصرف له بعد عودته من أداء المهمة. هذا بالإضافة إلى الخلايا المتعاونة معها من مجموعة "مجاهدي خلق."

أحدث المعلومات المتوفرة في سياق الحرب الالكترونية تفيد قيام الأجهزة المختصة، لا سيما وكالة الأمن القومي وأجهزة الاستخبارات، بلورة خطة متكاملة منذ بضعة أسابيع وضعت قيد التنفيذ ليس للرد على إسقاط إيران لطائرة التجسس فحسب، بل لمواجهة جهود القرصنة المتزايدة من مصادر إيرانية ضد مؤسسات وأجهزة أميركية.

للدلالة، أوردت يومية وول ستريت جورنال بياناً صادر عن "وكالة الأمن الالكتروني والبنى التحتية" التابعة لوزارة الأمن الداخلي جاء فيه ".. وكالة الأمن الالكتروني على دراية بتصاعد الهجمات الالكترونية الضارة الموجهة ضد المؤسسات وأفرع الحكومة الأميركية من قبل فاعلين ووكلاء نيابة عن النظام الايراني.. وستتخذ الاجراءات الكفيلة لضمان أمن الولايات المتحدة وحلفائها."

صحيفة واشنطن بوست النافذة أوضحت أن المقصود من بيان الوكالة المذكور هو شن هجمات "سيبيرية تشل حركة نظم الكمبيوتر الايرانية لا سيما تلك التي تتحكم بنظم الصواريخ؛ وبطاريات الدفاع الجوي مما أخرجها من الخدمة، حسب سردية الصحيفة. كما أن طموح القرصنة الأميركية التأثير على مسار تحليق الصواريخ عبر تعديل المعادلات الرياضية المبرمجة مسبقا وايقاف محرك الصاروخ عن العمل.

الهجمات الالكترونية الأميركية دشنتها واشنطن فور سقوط طائرتها بالإعلان عن استهداف "مجموعة استخبارات ايرانية" يعتقد أن لها دور في حادثة ناقلات النفط رمت "لتعطيل عمل أجهزة الكمبيوتر الخاصة بها على الأقل مؤقتاً.. واكبتها بقرصنة أخرى استهدفت شبكات التحكم بإطلاق الصواريخ الباليستية الايرانية،" حسبما نقلت يومية نيويورك تايمز، 24 حزيران.

أما اعلان وزارة الخزانة الأميركية عن اجراءات مقاطعة استهدفت المرشد الأعلى خامنئي شخصيا، يعتقد أنها جاءت رداً على رفضه تسلم رسالة من الرئيس ترامب حملها رئيس الوزراء الياباني الزائر شينزو آبي، وقد أثار الإعلان حملة واسعة من السخرية نظراً لعدم تنقل المرشد خارج البلاد أو امتلاك أرصدة في مصارف أجنبية. أحد التعليقات الساخرة ذكرت أن المرشد الإيراني لم يعد بمقدوره السفر والسياحة في منتجع والت ديزني.

ربما وسيلة "العقوبات" كرد على إهانة التقنية الأميركية جاءت غير موفقة سياسياً، لكن الهدف الثابت في الاستراتيجية الأميركية هو "زيادة منسوب الضغط للوصول إلى تغيير النظام."

المسؤول الأميركي الأسبق في وزارة الخارجية الأميركية، روبرت آينهورن، فند سردية إدارة ترامب بأنها تدق أبواب التفاوض مع ايران دون مجيب قائلاً ".. الإدارة الحالية ليست على استعداد للتفاوض في الوقت الراهن.. وتعوّل على مفعول العقوبات لدفع الإيرانيين لحافة اليأس كي يأتوا للتفاوض حول شروط استسلامهم."

تجدد الصراع مع روسيا

بالتزامن مع بدء سباق الانتخابات الرئاسية الأميركية سلطت الأضواء على "تدشين واشنطن لحرب ساخنة مع غريمتها روسيا" بالكشف عن خطط لهجوم استباقي شنته ضد "شبكة توزيع الكهرباء الروسية وأهداف أخرى" دون إخطار الرئيس ترامب، حسبما أفادت يومية نيويورك تايمز، 15 حزيران الجاري؛ لدوافع "امكانية أن يسربها عبر التشاور بشأنها مع مسؤولين من دول أخرى."

استهداف المنشآت الحيوية بين القوتين العظميين يأتي في سياق تحقيق أهداف استراتيجية متكاملة بعيدة المدى، وليس كرد فعل على ديمومة توصيف وسائل الإعلام الأميركية لـ "التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية" لعام 2016.

فالاستراتيجية الأميركية، وفق تقرير الصحيفة سالف الذكر، انتقلت "إلى موقع الهجوم" واقلاعاً عن الحرب بالوكالة بينهما "عبر زرع برامج ضارة قد تشل الشبكات والنظم الروسية لمديات لم تستخدم من قبل." وصدر تقرير للمجلس الأميركي لعلوم الدفاع، شباط/فبراير 2017، يحذر من ".. أنشطة تجسس الكترونية تستهدف الولايات المتحدة مصدرها روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية."

يشار في هذا الصدد إلى "الصلاحيات الاستثنائية التي صادق عليها الكونغرس والبيت الأبيض" العام الماضي لقيادة الفضاء الالكتروني الأميركية، بقيادة الجنرال بول ناكاسوني، التابعة لوزارة الدفاع، في وثيقة لا زالت سرية بعنوان "مذكرة رئاسية للأمن القومي – 13،" بتشديد "نشاطاتها العسكرية السرية في الفضاء الالكتروني" دون العودة للحصول على موافقة رئاسية مسبقة، والاستعاضة عنها بتفويض من وزير الدفاع حصراً.

إذن هي مسألة تقويض صلاحيات الرئيس ترامب من قبل المؤسسة الحاكمة والمتنفذة بصنع القرار، يجري تطبيقها بموافقة الرئيس نفسه "مرغماً" تحت وطأة الاتهام بالتورط مع روسيا في حسم الانتخابات الرئاسية الماضية لصالحه.

الفضاء الالكتروني وتقنياته المتطورة لم تعد حكراً على أنشطة المعاهد والمراكز البحثية الغربية والأميركية بشكل خاص، وسجل الطرفان الروسي والأميركي اختراقات متبادلة في ساحات دولية متعددة، منها تعرض شبكة نظم السلامة في شركة "ارامكو" السعودية، آب/اغسطس 2017، لعطل مفاجيء اوقفها عن العمل لفترة زمنية غير قصيرة، نُسبت مسؤوليتها إلى "معهد للبحث العلمي مقره في موسكو."

ودأبت وزارة الأمن الداخلي الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي – إف بي آي – على التحذير من جهود "روسية لزرع برامج ضارة في محطات الطاقة الأميركية، أو خطوط النفط والغاز، أو شبكة المياه،" منذ عام 2012؛ وشنت الجهات المعنية "هجمات استشعار لنظم التحكم والسيطرة ، وزرعت برممجيات مراقبة داخل شبكة توزيع الكهرباء الروسية،" منذئذ في سياق "تنافس القوتين العظميين" في المجال الالكتروني القائم "منذ أكثر من عقد" من الزمن والذي يعزى "لنجاح الجهود الروسية في اختراق شبكات الاتصالات المتعددة التابعة للبنتاغون عام 2008."

من بين العوامل المقلقة للدوائر الأميركية استثمار روسيا امكانيات علمية وموارد مالية لانشاء شبكة انترنت خاصة بها "كإجراء وقائي" يعزز سلامة شبكاتها الراهنة من اي اختراقات معادية، وقد قطعت اشواطاً كبيرة في هذا الشأن.

كما شكل التقدم التقني للصين تحدياً إضافياً للاستراتيجية الأميركية، لا سيما تجربتها الناجحة عام 2017 على قمر اصطناعي "فائق الدقة يعتمد على ظاهرة التشابك الكمي بين القمر الاصطناعي والمحطات الأرضية.. تفادياً للاعتماد على نظام تحديد المواقع (جي بي اس) الأميركي."

الحرب الالكترونية على شبكات توزيع الكهرباء لم تعد مقيدة بحدود الدولتين العظميين، او بعض الوكلاء، بل انتقلت لقارة أميركا الجنوبية وتركت أثارها على كل من الارجنتين والاوروغواي والباراغواي طالت "حياة ملايين من المواطنين حولتها إلى ظلام ولا تزال بعض المناطق تعاني من وطأة ضغط الحادث،" التي تزامنت مع انتخابات مجلية في البلاد، وفق تصريح رئيس الدولة في الارجنتين، موريسيو ماكري.

هل يمكن تصنيفها إعلانا للحرب؟

عند التحقق من الفاعل الحقيقي، هل يمكن توجيه تهمة "عمل عدائي شبيه بإعلان الحرب؟" مع انتشار تطبيق الهجمات الالكترونية وتعدد الفاعلين والساحات، 120 هجوماً ضد أهداف أميركية خلال 13 عاماً، مثلاً، فإنها لم تسفر عن نشوب حروب بين أي من الأطراف كونها تندرج تحت بند "إدماء الخصم" دون إطلاق النار؛ أسوة بالترتيبات القائمة حالياً بين دول حلف الناتو وروسيا، لا سيما في اختراق أجوائهما لبعضهما البعض عبر القاذفات الاستراتيجية بشكل مستمر.

فالهجمات الالكترونية يسري عليها ترتيبات وتفاهمات مشابهة بعد تحقيق كل طرف ما يسعى إليه من الحصول على معلومات عن أوضاع الآخر الداخلية. بيد أن التطورات المتسارعة على تقنيات الالكترونيات للأطراف المختلفة تستمر في شد أطراف اللعب لحافة الهاوية مما سيقتضي التوصل لتدابير مختلفة في المستقبل، يرسم معالمها الطرف الأقوى كما هي المعادلة الأزلية بين الأطراف المتناحرة.

الخطورة العالمية تكمن دوماً في "سوء تقدير" أي طرف كما شهدنا في التوترات الأخيرة بين واشنطن وطهران، وتصعيدهما المتوازي للعب على حافة الهاوية ودفع الطرف الآخر للإنزلاق.

تبقى الإشارة الى أن الأجهزة الأميركية تسرب للصحافة مبالغات عن قدرات الحرب الإلكترونية الأميركية. أحد النماذج الإدعاء أن واشنطن إخترقت منظومة الدفاع الجوي الإيرانية والواقع أنها حتى لو توصلت الى مثل هذه القدرات فلن تستخدمها الا كعمليات استباقية أو تمهيدية لهجمات عسكرية تقليدية أو في سياقها كي لاتكشف عن هذه القدرات أمام إيران مما سيساعد الأخيرة على تفادي الإختراقات الألكترونية في حالة الحرب الفعلية.

* نشرة التقرير الأسبوعي لمراكز الابحاث الأميركية

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

3