لو تأملنا اليوم في اكتشافات العلماء نلاحظ أنهم ومنذ أكثر من ربع قرن تقريباً يتحدثون عن مخلوقات غريبة لا تُرى، أطلقوا عليها اسم الثقوب السوداء، واعتبروها من أعظم الظواهر الكونية! والسؤال: كيف تتشكل هذه الثقوب ولماذا لا ترى، ولماذا هي تجري بسرعة هائلة وتبتلع كل ما تصادفه في طريقها؟

أحرز العلم البشري إنجازا "تاريخيا"، في الآونة الأخيرة، إثر الإعلان عن التقاط أول صورة للثقب الأسود، لكن كثيرين تساءلوا حول دلالات هذه الخطوة وكيف ستؤثر على فهمنا للكون الذي نعيش فيه.

وأثار هذا الإنجاز فضولا واسعا، لا سيما أن فهمه يتطلب بعض الإلمام بعلوم الفيزياء والفضاء، ولذلك، حاول عدد من الباحثون أن يقدموا شروحا مبسطة للثقب الأسود الذي ظل بمثابة "خيال" حتى هذا الأسبوع.

ولفهم هذا الثقب، لا بأس من الإشارة إلى أمر مهم وهي أن الفضاء الفسيح يمتاز بالظلام، حتى إن كانت بعض البؤر أكثر ظلاما وقتامة من الأخرى، لكن العلماء يؤكدون أمرا جوهريا، وهو أن "الثقب الأسود" هو أكثر البؤر ظلاما على الإطلاق.

ويقول العلماء إن الثقب الأسود عبارة عن بؤرة مظلمة تصل فيها الجاذبية إلى مستوى هائل، بحيث يستطيع أن يجذب إليه كل شيء، حتى إنه يستطيع أن يمتص الضوء، وينشأ الثقب الأسود عندما يصل عمر النجم إلى نهايته، وحين تتلاشى الطاقة التي تحافظ على تماسكه خلال حياته، فتبدأ مرحلة الانهيار ويحصل انفجار هائل.

وعقب ذلك، تسقط كافة المواد التي خلفها الانفجار في نقطة صغيرة وغير متناهية، لكن الجدير بالذكر، هو أن هذه المخلفات تزيد عن كتلة الشمس بعدة مرات، والغريب في هذه الظاهرة الفلكية، هو أن هذه المخلفات التي تفوق حجم الشمس تتوارى في نقطة بالغة الصغر، ومع مرور الوقت، تبتلع هذه الثقوب موادا أكثر، فتكبر شيئا فشيئا ويستع نطاقها.

وما يبعث على استغراب الكثيرين، إزاء هذا التفاعل، هو أن نقطة صغيرة تستطيع أن تحتوي كتلة كبيرة، ويطلق العلماء مصطلح "التفرد" على النقطة التي تجتمع فيها مخلفات الانفجار النجمي، وتستطيع أن تقوم بتأثير كبير على الرغم من صغرها المتناهي، ولأن البعض قد يتساءل حول ما يمكن أن يقع إذا جعلنا مركبة فضائية تقصد ما يعرف بـ"الأفق الحدث" للثقب الأسود، وهو منطقة لا يستطيع من يوجد في خارجها أن يلاحظ في داخلها.

وإذا أرسلنا مركبة فضائية صوب هذه المنطقة، سيحدث ما يسمى بـ"تأثير المعكرونة"، إذ سيصبح جزؤها القريب من الثقب الأسود شديد الجاذبية، وبعدها، ستتمدد المركبة الفضائية بشكل عمودي، وتتحول إلى ما يشبه الشعرة أو شريط من "الباستا"، وتنسحق باتجاه الثقب.

ولطالما حيرت الثقوب السوداء كبار علماء الفلك والفيزياء، وحتى مؤلفي قصص الخيال العلمي، ولكن إطلاق أول صورة في التاريخ للثقب الأسود وُصف بأنه "تقدم كبير للإنسانية جمعاء".

ويقول تولد معظم الثقوب السوداء عندما يموت نجم عملاق. ويحدث هذا عندما ينفد الوقود من النجوم، مثل الهيدروجين، ما يؤدي إلى انهيارها، وبعد ذلك، تسحب الجاذبية مركز النجم إلى الداخل بسرعة، وينهار في شكل كرة صغيرة. ثم يتوسع ويتقلص إلى أن ينتهي في انهيار واحد، وتتناثر بقايا النجم في الفضاء الواسع، وتتميز الكرة المركزية المتبقية بأنها كثيفة للغاية، ليتشكل الثقب الأسود ذو الجاذبية القوية، حيث لا يمكن لأي جسم فضائي الهرب منه.

من اكتشف الثقوب السوداء؟

توصل عالم الفلك الألماني، كارل شفارتسشيلد، إلى أول حل دقيق لنظرية أينشتاين حول النسبية العامة، المتعلقة بالثقب الأسود، في عام 1916، وفي عام 1958، كشف الأمريكي ديفيد فنكلشتاين، أن الثقب الأسود عبارة عن منطقة في الفضاء، لا يمكن لأي جسم الهروب منها، وفي البداية، اعتُبرت الثقوب السوداء مجرد فضول رياضي، ولكن اكتشاف النجوم النيوترونية من قبل، جوسلين بيل بورنيل، في عام 1957، أثار الاهتمام بانهيار الأجسام في الجاذبية، باعتبارها واقعا حقيقيا.

متى أُطلقت الصورة الأولى للثقب الأسود؟

التقط علماء الفضاء الصورة التاريخية للثقب الأسود، يوم 10 أبريل عام 2019، باستخدام تلسكوبات موزعة في جميع أنحاء الكوكب، في اكتشاف يعد "تقدما كبيرا للبشرية"، وتبلغ مساحة الثقب الأسود، الذي وصفه العلماء بأنه "وحش"، 24 مليار ميل، أي ما يعادل 3 ملايين ضعف حجم الأرض، وصُوّر الثقب الواقع على بعد 300 مليون تريليون ميل من كوكبنا، بواسطة شبكة من 8 تلسكوبات في جميع أنحاء العالم، تُعرف باسم "Event Horizon Telescope" (أفق الحدث)، وذلك بعد محاولات استغرقت 13 عاما. وعُرضت النتائج الأولى في مؤتمر في بروكسل.

من صاحبة الفضل في التقاط الصورة التاريخية؟

يمكن القول إن الاختراق العلمي الأخير لم يكن ممكنا، دون مساعدة عالمة التصوير والأستاذة المساعدة في علوم الكمبيوتر في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، كاثرين لويز بومان، وطورت كاتي خوارزمية مذهلة على مدى 3 سنوات، ساعدت العلماء في التقاط أول صورة حقيقية للثقب الأسود، باستخدام تلسكوب أفق الحدث.

وكشفت بومان، وهي طالبة دراسات عليا في علوم الكمبيوتر والذكاء الصناعي، عن كيفية تطوير طرق لتوليد بيانات تركيبية، مع استخدام خوارزميات مختلفة تحتوي على افتراضات عديدة، وأدت التجارب المتعددة إلى إمكانية تحقيق النتيجة المذهلة، وهي صورة غير متجانسة تشبه الحلقة، التي تنبأ بها ألبرت أينشتاين، منذ أكثر من قرن.

ماذا رصدت ناسا في أول ثقب أسود صوره العلماء مباشرة؟

بدأت مجموعة من العلماء بتجميع البيانات المتعلقة بالثقب الأسود الهائل في مركز "Messier 87"، بعد نشر الصورة التاريخية له هذا الأسبوع، وتكشف الملاحظات الصادرة عن أقمار ناسا الصناعية "شاندرا" و"نوستار"، أن الثقب الأسود الواقع على بعد 55 مليون سنة ضوئية من الأرض، يُطلق جزيئات عالية الطاقة بسرعة تقارب سرعة الضوء، حيث تندفع المواد مسافة أكثر من ألف سنة ضوئية، وتنطلق جزيئات الطاقة العالية، التي تشكل أشعة "M87"، من منطقة قريبة من أفق الحدث، ولوحظ أنها غامضة ومبهمة بشكل كبير.

وقال جوي نيلسن، عالم الفلك في جامعة "فيلانوفا" بولاية بنسلفانيا، الذي قاد الدراسة بالنيابة عن مجموعة "EHT’s Multiwavelength": "تساعدنا الأشعة السينية على كشف ما يحدث بالجسيمات بالقرب من أفق الحدث، وفقا لما يمكن قياسه باستخدام التلسكوبات. إن جدولة كل هذه الملاحظات المنسقة كانت مشكلة صعبة حقا بالنسبة لمخططي المهمة. لقد قاموا بعمل رائع حقا لتزويدنا بالبيانات التي لدينا، ونحن ممتنون للغاية".

وركز الحدث التاريخي لإطلاق أول صورة حقيقية للثقب الأسود، يوم 10 أبريل، على نتائج أول تشغيل كامل لشبكة تلسكوب "Event Horizon"، والتي أُطلقت عام 2017، وباستخدام "تلسكوب افتراضي" صُمم من 8 مراصد إذاعية متمركزة في نقاط مختلفة من العالم، أمضى الفريق الدولي السنوات القليلة الماضية في اختبار "Sagittarius A*"، وهو الثقب الأسود الهائل في قلب مجرة درب التبانة، وكذلك الهدف الآخر المسمى "M87" في مجموعة عذراء المجرات، وفي حين أن الثقوب السوداء غير مرئية بطبيعتها، فإن المادة شديدة الحرارة التي تدور وسطها، تشكل حلقة من الضوء تكشف عن مركز العملاق الفضائي.

ويضيف هذا الاختراق دعما كبيرا لنظرية أينشتاين "النسبية العامة"، ويمكن أن يساعد في الإجابة عن الأسئلة القديمة حول طبيعة الثقوب السوداء.

ماذا يحصل حال السقوط في ثقب أسود؟

في حال كنت ترغب بتخيل شكل وطبيعة الحياة داخل الثقب الأسود، فلن تجد أي شيء يرتبط بالجمال، بل سيكون مصيرك غريبا وشنيعا أكثر مما يمكن أن يتخيله الخبراء، وبعد إصدار أول صورة حقيقية للثقب الأسود هذا الأسبوع، حاول معظم الناس في جميع أنحاء العالم التفكير في ما سيحدث بالضبط، حال السقوط في الحلقة الدائرية السوداء.

وبالطبع، لدى العلماء العشرات من النظريات في هذا الخصوص، وفيما يلي بعض الفرضيات الأكثر غرابة:

- "تأثيرات المعكرونة"

تأتي الثقوب السوداء عبارة عن نقاط كثيفة بشكل لا يصدق، مع قوة جاذبية أقوى بملايين المرات من تلك التي نشعر بها على الأرض، وفي حال الاقتراب من هذه القوة، يقوم الثقب الأسود بسحب جسمك وتفتيته إلى أشلاء. ولكما اقتربت، فإن الفرق في الجاذبية بين رأسك وقدميك، يمكن أن يساهم باستطالة الجسد مثل قطعة من العلكة، وفي نهاية المطاف، يصبح الإنسان مجرد مجرى من الجزيئات دون الذرية، التي تدور في الثقب الأسود.

- العيش للأبد

كلما كان الثقب الأسود أكبر، صغر حجم الجاذبية، ما دفع بعض الخبراء إلى التفكير فيما إذا كانت الثقوب السوداء الأكبر، تعمل على محوك كليا، لأن قوى الجاذبية ليست كبيرة لتفكيكك، وبدلا من ذلك، فإن السقوط في إحدى الثقوب السوداء، قد يساعدك في خداع الموت تماما، ويُقال إن الوقت والزمن يتجمدان عند حافة الثقب الأسود، نظرا لأن قوته الشديدة تساهم في انحناء نسيج المكان والزمان، وفي حال وصلت إلى هذه البقعة دون أن تتمزق، يمكن أن تصبح خالدا.

- النظر عبر الزمن

أثناء السقوط في الثقب الأسود، ينحني الزمن أمامك وخلفك، ما يتيح لك "رؤية" الماضي والمستقبل، وقال تشارلز ليو، عالم الفيزياء الفلكية في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي: "أولا وقبل كل شيء، أنت تقترب من سرعة الضوء أثناء السقوط في الثقب الأسود. لذا، كلما ازدادت سرعة تحركك عبر الفضاء، تباطأت حركتك عبر الزمن"، وفقا لـ "Live Science"، واستطرد موضحا: "في النهاية، ستتمكن من رؤية التاريخ الكامل لتلك البقعة في الكون".

- السفر إلى عالم آخر ومحو ماضيك

طرح البروفيسور الراحل، ستيفن هوكينغ، أفكاره الخاصة عن الحياة داخل ثقب أسود، ويعتقد الفيزيائي أن هناك فرصة لتجد نفسك في بُعد مختلف، حيث قال: "إذا كنت تشعر بأنك في ثقب أسود، فلا تستسلم. هناك طريقة للخروج".

وادعى هوكينغ أن أي شخص غبي بما فيه الكفاية لرمي نفسه في ثقب أسود، يمكن أن ينتهي به المطاف في عالم آخر، وأوضح العالم الفيزيائي قائلا: "يجب أن يكون الثقب كبيرا، وإذا كان يدور، فقد يكون هنالك ممر إلى كون آخر. لكنك لن تستطيع العودة إلى عالمنا"، وتقترح نظرية أخرى أن السفر إلى أحد هذه الأبعاد الأخرى، قد يمحو الماضي لعدم اتباع القوانين الأساسية الخاصة بنا.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2