أقليات نينوى ما بين تجربة داعش والمستقبل الغامض


مقال مشترك لكل من:
علي مراد العبادي/قسم ادارة الازمات
سعد محمد حسن الكندي/قسم الدراسات الدولية
مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

 

بعد سيطرة تنظيم داعش الارهابي على مدينة الموصل في منتصف عام 2014، سارع التنظيم لبسط نفوذه على المدينة والمناطق المحيطة بها، وبطبيعة الحال اول المتضررين من هذا الامر هم الاقليات الدينية لسكان المدينة عبر تعرضهم لأبشع انواع القتل والتهجير والاختطاف والتعذيب، لا سيما الشبك والمسيح والتركمان والايزيديون حتى وصل الحال ان يقوم التنظيم بأخذ نساء بعض الاقليات (لاسيما الايزيديات) كسبايا، فيما وضع شروطاً قاسية على من تبقى منهم داخل مناطق سيطرته وفيما يخص المسيحيون فقد خيرهم ما بين الدخول في الاسلام او دفع الجزية ومن ثم عمد الى تهجيرهم مع الاستيلاء على دورهم وممتلكاتهم.

لذلك نحاول التعرف على أبرز الاقليات في محافظة نينوى ومناطق توزيعهم الجغرافي وعلاقتهم مع داعش، فضلاً عن مستقبل تلك الاقليات ما بعد التحرير وكما يأتي:

1- الشبك

إحدى الاقليات التي تعيش في شمال العراق منذ ما يقارب خمسة قرون وهم مسلمون غالبيتهم من الطائفة الشيعة وقسماً منهم من السُنة، ويتحدثون لغة تتميز عن العربية والكردية، وهم يعيشون مع بقية الاقليات في محافظة نينوى.

يتوزع الشبك في منطقة سهل نينوى على شكل مثلث تشكل قاعدته نهر دجلة في الساحل الايسر من مدينة الموصل، وتمتد قراهم التي تبلغ نحو سبعة وخمسين قرية على شكل هلال، يمتد من الضفة الغربية لنهر الخوصر من ناحية تلكيف الى الضفة الشرقية لنهر الزاب الكبير عند ناحية النمرود وما بين هاتين الضفتين يتوزع الشبك على مناطق ناحية بعشيقة، برطلة، قضاء الحمدانية(قراقوش)، اما عن حجمهم الديموغرافي، فلا توجد إحصائية رسمية لأعداد الشبك لكن هناك تقديرات تعتمد على مصادر شبكية تقدر عددهم بأكثر من 250 ألف نسمة.

لقد تعرض الشبك لاضطهاد تنظيم داعش فبعد أيام قليلة من هجوم التنظيم على مدينة الموصل، وجد الشبك أنفسهم مكشوفين أمام آلة قتل حصدت الكثير منهم إذ تعرضت قرية "عمر كان" الشبكية إلى هجوم أُختطف (112) شخصاً، تم العثور على جثة اثنين منهم، فيما يبقى مصير الآخرين مجهولاً لغاية الآن، وفرت العائلات بالثياب من المناطق التي سيطرت عليها جماعة "داعش"، كما ويذكر سكان القرى الشبكة بأن التنظيم قد صادر محاصيلهم الزراعية والتي تعتبر الرزق الوحيد لسكان تلك القرى فيما اضطر البعض لبيعها بأسعار زهيدة جداً وتضرر منازلهم وأراضيهم بنسب كبيرة وتهجيرهم لمختلف المناطق، وما بقي فقد صادرته "داعش"، بعد ان دفعتهم الى المغادرة، فلجأ 80 في المائة منهم إلى منطقة كردستان وخاصة في قضائي بردة رش وعقرة، وكلك ياسين آغا وقضاء الشيخان، وقصروك في دهوك، وأربيل والسليمانية، وذهب القليل منهم إلى جنوب العراق إلى محافظة بابل على وجه الخصوص أن "داعش" صادرت كذلك آلاف الأطنان من محصولي الحنطة والشعير من قرى الشبك واصبحت أكثر من 50 قرية ومجمع سكني يقطنها الشبك منذ عقود تماماً من سكانها بعد سيطرت "داعش" عليها.

من جانبه، أوضح البرلماني العراقي "سالم شبك"، أن جماعة "داعش" أعلنت هدر دم أبناء "الشبك"؛ لأنهم من أتباع المذهب الشيعي وافاد البرلماني أن أبناء "الشبك" يلجأون إلى أربيل، وكربلاء، والنجف.

2- التركمان

إحدى الإثنيات الرئيسة في العراق بعد العرب والكرد، تشير بعض المصادر ان اغلبهم من الشيعة والباقي سنة مع تقارب النسب او تباعدها بحسب مناطق وجودهم، فيما يدين قسماُ منهم بالمسيحية (الكاثوليك)، هناك مؤشرات على قدم استيطان التركمان العراق سواء أسكنوا البلاد منذ 3500 قبل الميلاد، او جاؤوا في إثر توافدهم بعد اسلامهم منذ نحو اربعة عشر قرناً وفي اوقات متباينة.

يسكن التركمان في شمال محافظة نينوى ابتداءً من قضاء تلعفر مروراً بالقصبات والقرى المحيطة بمدينة نينوى كالرشيدية، شير خان، نمرود، النبي يونس، فضلا عن خمسون قرية تركمانية، وتشير التقديرات ان عدد التركمان في محافظة نينوى تقدر بحوالي 80 ألف نسمة.

بعد ان تعرض قضاء تلعفر (وتكتب أيضا تل عفر) إلى هجوم واسع من "داعش" وبعد مقاومة ابدتها القوات المدافعة وابناء المنطقة ونتيجة لعدم وصول الدعم الكافي وشراسة الهجوم استطاع التنظيم السيطرة على قضاء تلعفر بالكامل، وبعد دخول التنظيم الارهابي لتلعفر، شهدت المدينة نزوحاً جماعياً يصاحبها مئات القصص المأساوية ومنها قصة أم شابة تذكرت بعد هروبها من تلعفر أنها قد نسيت ابنتها الرضيعة في البيت، ولم تتمكن من العودة لاصطحابها وغيرها من احداث قتل وخطف، فيما اتجه اغلب سكانها نحو محافظات الوسط والجنوب لا سيما كربلاء والنجف وبابل.

3- الايزيديون

وهم من أقدم الجماعات الاثنية والدينية في العراق، الا ان هذه المجموعة تمتاز بالغموض ولا تبيح بأسرارها، فهم يطلقون على انفسهم أيزيدي بمعناها من ( خلقني) وليس نسبة الى يزيد بن معاوية كما يعتقد البعض، ويمتازون بطابع عشائري ومن ابرز عشائرهم هي ( دناني، هويري، قائيدي، دوملي، خيسكي، ختارى، حراقي، هسكاني، قيرانى، سموقي، موسكا، رشا، خالتي، هكاري، جوانا، محمودا، وغيرها).

يسكن الايزيديون في المنطقة المحيطة بجبل سنجار غربي الموصل (120كم) وفي قضاء الشيخان شمال شرقها وبعض قرى ونواحي قضاء تلكيف، بعشيقة ويقدر عدد الايزيديون بنحو خمسمائة وستين ألف نسمة وفقاً لتقديرات أيزيدية، نظراً لعدم وجود إحصائيات رسمية.

مُمارسات داعش مع الايزيديين وصفت بالإبادة الجماعية بعد بدأ الحرب ما بين تنظيم داعش وقوات البيشمركة المكلفة بحماية اقليم كردستان شمال العراق، انسحبت الاخيرة بصورة مفاجئة من مواقعها من بلدة سنجار فقامت عناصر "داعش" بالسيطرة على البلدة في يوم 4 أغسطس 2014 وقتلوا عددا كبير من الايزيديين يصل لحوالي خمسة الاف شخص وقاموا بسبي العديد من النساء الايزيديات، بينما هرب البقية إلى جبل سنجار وحوصروا هناك لعدة أيام ومات العديد منهم هناك بسبب الجوع والعطش والمرض، إلى أن تمكنت قوات البيشمركة وحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الكردي بدعم جوي من قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من تأمين هروب الايزيديين من جبل سنجار إلى مناطق أكثر أمان، وقد اختطف مسلحو "داعش" أكثر من 500 امرأة وألف رجل من الطائفة الإيزيدية في سنجار، لم يعرف مصيرهم حتى الآن.

4- المسيحيون

إحدى الجماعات الدينية التي تعيش في العراق منذ القرن الاول للميلاد، ومع انهم كانوا أغلبية سكان البلاد فيما مضى ويشكلون إحدى أقدم الجماعات المسيحية في العالم، يواجهون اليوم خطر انحسار وجودهم عن ارض يعدون من سكانها الاصلين، وتميز الوجود المسيحي في العراق بتنوعه إذ نجد قوميات كالأرمن والكلدان والاشور، كما نجد طوائف كالارثوذكسي والكاثوليكي والبروتستانتي.

يتمركز المسيحيون في محافظة نينوى بسهل نينوى الواقع غرب مدينة الموصل ويتألف من ثلاثة اقضية هي قضاء الحمدانية الذي يتمركز فيه المسيحيون، قضاء تلكيف، الشيخان وتشير التقديرات بأن عدد المسيحيون في محافظة نينوى تقدر بنحو 200 الف نسمة.

بعد سيطرة عناصر داعش على مدينة الموصل واجه المسيحيون ظروفا صعبة في الأيام الاولى لعدم استقرار الوضع الأمني نسبيا وتهديد حياتهم بالخطر، وكتب على جدران المنازل الخاصة بالمسيحيين عبارة (عقارات الدولة الاسلامية) بالإضافة الى حرف (ن) والمقصود به نصارى في يوم 12 تموز تم نشر بيان الحال الخاص بمسيحيي الموصل بالمنشورات الورقية وعبر مكبرات الصوت وتخييرهم ما بين الدخول في الاسلام او دفع الجزية او القتل ولاحقا تم تبديل البيان ببيان جديد يوم 17 تموز يخير المسيحيين ما بين المغادرة او القتل وذلك نتيجة الرفض للبيان الاول حيث تم تحديد مدة 24 ساعة لخروج المسيحيين ومصادرة املاكهم من الموصل وان لم يخرجوا فسوف يتعرضون للقتل، وبعد انتهاء المهلة غادر المسيحيون مدينة الموصل متجهين نحو مدن سهل نينوى واقليم كردستان وكان عددهم عشرات الآلاف تعرضوا اثناء مغادرتهم الى سرقة مقتنياتهم الشخصية من اموال وحلي وأجهزتهم النقالة والملابس وحتى المستمسكات الثبوتية الشخصية ولعب الاطفال من قبل نقاط تفتيش زرعها التنظيم على مخارج المدينة، وبعد التهجير القسري للمسيحيين اصبحت الموصل شبة خالية من المسيحيين حيث لم يبقى الا القليل من هم في دور العجزة ودور الايتام واخرين لم يستطيعوا الخروج، وبعد قيامهم بتهجير المسيحيين قامت قوات داعش بالدخول إلى الكنائس وقاموا بنزع الصُلبان عنها، وحرقوا أجزاء منها، ومن بينها كنائس قديمة تعود إلى مئات السنين، وقاموا بتحويل بعض الكنائس الى جوامع ومقرات لهم، وتم الاستيلاء على املاك وبيوت المسيحيين وسرقتها وحرقها وتفجيرها.

(واعتبرت منظمة الأمم المتحدة في تقرير صادر عن مكتب حقوق الإنسان، أن التنظيم المتطرف ارتكب 3 جرائم دولية، هي الإبادة الجماعية، الجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ووثق التقرير انتهاكات واسعة ارتكبها التنظيم ضد أقليات دينية وإثنية في العراق تشمل القتل والتعذيب والاغتصاب والاستغلال الجنسي للأطفال، وأشار فريق التحقيق في تقريره إلى أن الأقليات الدينية (مسيحيون، تركمان، شيعة)، كانت هدفا مباشرا لهجمات تنظيم "الدولة الإسلامية"، وتعرضت لمعاملة وحشية لا إنسانية )

مستقبل اقليات نينوى بعد تحرير المدينة

المتتبع لملف الاقليات في العراق بصورة عامة وفي محافظة نينوى بصورة خاصة يتمكن من تشخيص المأساة الحقيقية التي حلت بهم نتيجة السياسات التعسفية اتجاههم وبمختلف الازمنة وهم سكان العراق الاصليون، وكان خاتمة الاستهداف هو احداث عام 2014 على يد تنظيم داعش الارهابي كما اسلفنا، لذلك هناك مخاوف مستقبلية وشعور بالألم وحالة من انعدام الثقة خصوصاً ان الاحداث الاخيرة وعجز الحكومة المركزية عن توفير الحماية لهم وانسحاب البيشمركة وعدم الدفاع عنهم جعلهم يواجهوا المصير لوحدهم، وبهذا فان المخاوف التي تنتابهم لها ما يبررها خصوصاً انهم يتهمون بعضاً من سكان تلك المناطق بالوقوف مع داعش والمشاركة في ابادتهم، كما وان للأقليات قوى في داخل الحشد الشعبي وكلاً بحسب انتمائه كما وشاركوا في تحرير بعضاً من مناطق تواجدهم خصوصاً في سهل نينوى وبرطلة ومحيط تلعفر.

اما المشاهد المستقبلية لوضع اقليات نينوى فهي متعددة ومتداخلة فبعضاً منهم يدعوا لان يكون سهل نينوى محافظة تضم تلك الاقليات وعلى رأسهم المسيحيين فيما يرى البعض الاخر بضرورة ان تضم مناطقهم لإقليم كردستان خصوصاً ان اغلب تلك المناطق هي ضمن المادة 140 والتي تختص بالمناطق المتنازع عليها، واغلب من يقف مع هذا الرأي هم ممثلو الايزيديين او المسيحيين والذين هم ضمن التحالف الكردستاني إلا ان الامر يلقى معارضة من لدن كثير من السكان المحلين والحكومة المركزية، والأمر الاخر بقاء الاوضاع على حالها مع امكانية دمجهم مجدداً في الحياة المدنية وإعادة الثقة اليهم لكن هذا الامر يحتاج الى خطوات عملية ومدروسة على وفق خطط تُعد لذلك ومنها :

1- تعويضهم مادياً ومعنوياً عن كل ما لحق بهم خلال الاعوام السابقة واعادة بناء مساكنهم وتوطينهم.

2- دمجهم بالحياة الاجتماعية وزيادة تمثيلهم السياسي بما يحفظ حقوقهم وإشعارهم بالأهمية والدور السياسي والثقافي والاجتماعي.

3- اعادة النظر بالكثير من المناهج غير الصحيحة والتي تحتوي على الفاظ او تعابير تميز وجودهم.

4- توفير متطلبات العيش الكريم وإتاحة الحرية الكاملة لممارسة معتقداتهم ومحاسبة كل من يعتدي عليهم.

..........................................
مصادر تم الاعتماد عليها:
1 -سعد سلوم، الأقليات في العراق، مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية، بغداد-بيروت،2013
2-امين فرج لطيف، المواطنة ودورها في تكامل المجتمعات التعددية، دار شتات للنشر، مصر-الامارات، 2012.
...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية


اشترك في قناة النبأ على التلجرام لاخر التحديثات على الرابط ادناه:
https://telegram.me/nabaa_news
التعليقات
انقر لاضافة تعليق
تعليقات فيسبوك
آخر الاضافات
الاكثر مشاهدةفي (حقوق)
اسبوع
شهر
سنة
الكل
فيسبوك