مهنة (المتاعب، والمصاعب، المخاطر) توصيفات تتعدد لكنها تشير إلى مضمون واحد يمكن تلمسه في واقع العمل الصحفي المحفوف بالموت والخطر بشكل دائم خاصة في مناطق النزاع الساخنة التي تعاني تأزما أمنيا شبه يومي.

الَذين اختاروا هذا العمل وهو بطبيعة الحال لا يخلو من المغامرة على علم بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فالصعوبات والمشكلات التي تواجه الاعلاميين لا تقل في مستوى تحدياتها عن التحديات التي يواجهها العسكر، والأجهزة الأمنية، لأنهم دائما في المواجهة وعلى خطوط التماس بين أطراف الحرب.

للعراق خصوصيته، وكلما تصاعدت حدة الأزمات كان لعمل الصحافة جهود مضاعفة. الناس تتابع الشاشات وتردها الأخبار في دفق مستمر من المعلومات، وتتوالى النشرات الإخبارية والتقارير في وسائل مرئية ومسموعة ومكتوبة. البعض يجد إن الخبر في هيئته بسيط مستساغ ينقل ما يحدث بتلقائية حتى أن الكثير ممن يتابع وسائل الإعلام يقولون، إن الصحفي يعيش في عالم من العلاقات المشوقة والترف إلا إن الواقع شيء والحقيقة التي خلف الواقع شيء آخر، كون هذه التقارير (سهل ممتنع) أنتجت بعد جسر من التعب والجهود المضنية.

• الأمن في سلم الأولوية

رب سائل يسأل أيهما أهم ويتصدر قائمة المخاطر بالنسبة للصحفيين؟ والجواب بالتأكيد يشير الى الحالة الأمنية وما يرافقها من قلق وترقب ومجازفة فيما حدث، وما قد يحدث.

فالذي يعمل في قسم الأخبار الإقتصادية لا يحتمل العبء والمخاطر التي يواجهها الصحفي الميداني (المراسل الحربي)، والأمر ذاته من باب المقارنة فإن التغطيات للشأن الثقافي أقل عبئاً من الأخبار السياسية.. والأمر يتدرج من حيث الخصوصية للعمل وحجم المسؤولية، أو المخاطر.

وبما إن العراق يعيش التحديات الأمنية المتمثلة بالتفجيرات المفاجئة والإختراقات الأمنية والمواجهة مع عصابات داعش، فإن الصحفي في وضع لا يحسد عليه حين ينذر نفسه لهذه المهمة، إلا وهي إيصال الحقائق من مصدرها وبحيادية عالية وصدق وأمانة في النقل والتفسير.

نقيب الصحفيين العراقيين الأستاذ مؤيد اللامي أشار في المؤتمر الذي عقد لتكريم المراسلين الحربيين في العاصمة بغداد الى حجم تلك المخاطر وتأثيرها لجهة القدرة على نقل الأخبار والأحداث بحيوية متصاعدة حيث تشكل جيل جديد من الصحفيين العراقيين في الفترة الأخيرة يملكون المهارات والقدرات ولديهم روح التحدي المطلوبة لتحقيق المنجز الصحفي وهذا ما لاحظناه في التغطيات التي قام بها مراسلون حربيون شجعان أثناء المواجهة بين الجيش العراقي والتنظيمات الإرهابية وحجم التضحيات التي قدموها، وأكد اللامي، إن نقابة الصحفيين العراقيين تتفاعل مع كل جهد وتكرس طاقاتها للنهوض بالواقع الصحفي رغم كل المعوقات التي كانت في جزء منها سببا للإبداع وصناعة الخبر والصورة من قلب المعركة.

عميد كلية الإعلام في جامعة بغداد الدكتور هاشم حسن تحدث في هذا الموضوع وذكر بأن عدم وجود مؤسسات إعلامية حقيقية ومستقلة واختيار القيادات سياسيا وليس مهنيا. الإرهاب. ضعف المهنة، وتدهور النخب من أبرز صعوبات العمل الصحفي في العراق.

رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية هادي جلو مرعي أكد، إن الصحافة في العراق ليست منفصلة عن واقع المجتمع الذي تعمل في دائرته فهي تتحرك في المساحة الواسعة والممتدة والمكشوفة التي تشهد أحداثا وتطورات وتحديات سياسية وإقتصادية وأمنية تنعكس على نوع التغطية، وربما حجمت من قدرة الصحفي ووسائل الإعلام على أداء دور حيوي دون معوقات.

المراسل التلفزيوني في قناة العراقية زيد الطائي ذكر، بأن الأمن هو من أكثر المعوقات التي تواجه العمل الاعلامي، وبالنسبة لطبيعة التغطيات وحرية التنقل والعمل محلياً، فإن طبيعة النشاط الصحفي في العراق سواء ما تعلق بأمن الصحفي ذاته، أو بالعراقيل التي تواجهه فإن الأجهزة الأمنية عادة ما يصدر منها بعض التصرفات التي تتقاطع وعمل الصحفي، عبر عناصر غير ملتزمين بأدب الضبط العسكري تجاه الإعلاميين وأحيانا نلجأ الى تغطية الأدوات الإعلامية كالكاميرا والمايك وبقية الأجهزة.

• صبر يحسب للصحفي

الصحفي مواطن كباقي المكونات الإجتماعية لكنه وبحكم طبيعة عمله يكون الأكثر إحاطة بهموم الشارع وحاجات المجتمع وما يدور في فلك السياسة ومكاتب المؤسسات والحكومة، فهو أداة الربط بين صناع القرار والرأي العام، إنه يسعى لأن تلتقي مصلحة الوطن والشعب مع مصلحة سيادة الدولة والقائمين عليها، فكم من ملفات لا يروق للسياسي وأصحاب المسؤولية الخوض فيها أو (التملص) عن إظهار أي معلومة أو أبداء رأي معين حول مسألة ذات حساسية لها صلة بعمل الوزارة، الأمر الذي يدفع الصحفي بأن يقف على عتبه كشفها والتطرق لتفصيلاتها رغم ما فيها من حساسية تحرج الجانب المقصر وتعيد مسار العمل الحكومي الى (السكة الصحيحة)، وبهذا الصدد يشير الباحث والإعلامي أسعد الربيعي الى إن الصحفي يمثل حلقة وصل بين الفئات الإجتماعية وبين الحكومة. فهو ينقل عن الناس كل ما يدور في خلدهم من تصورات وهموم وإحتياجات ويرغبون في أن يطلع عليها من هو في مركز القرار السياسي في الهرم الحكومي، وبهذا يمارس الإعلام عبر الصحفيين سلطة رابعة يمكن أن تشكل أداة تغيير وتقويم للأداء.

• الوصول للمعلومة وحقوق الصحفيين

المعلومات هي الأساس الذي يرتكز عليه الصحفي في تغطيته للحدث أو عن موضوع البحث. عملية الحصول على المعلومة أصبحت من المشاكل الرئيسية التي تواجه الصحفي خاصة عند البحث في موضوع فساد إداري أو مالي.

الاعلامي احمد نعيم الطائي ((المحاضر في معهد التدريب الاعلامي في شبكة الاعلام العراقي)) ان من اهم مشكلات وصعوبات العمل الصحفي في العراق هي مشكلة حق الوصول في المعلومة والمخاطر التي يتعرض لها في كشف الفساد لاسيما بمؤسسات الدولة. اضافة الى المشكلات القانونية حيث ان الصحفي لايزال يعاني من التقييد والملاحقات القانونية وكذلك عدم وجود قانون يضمن حقوق الاسرة الصحفية ويكفل حمايتهم وتحدد فيها اجورهم لتضمن الحد الادنى منها)).

• العامل الإقتصادي وإستقلالية الإعلام

تحتاج المؤسسة الاعلامية الى اموال طائلة من اجل انتاج اعمالها وتغطية نفقات العاملين فيها. لكن كيف تكون سياسة – اتجاه - المؤسسة وهل سوف تحافظ على استقلالها؟؟

ويقول الأكاديمي علي فاخر. استاذ مادة أخلاقيات العمل الصحفي في جامعة الإمام الصادق {ع}، من أبرز المعوقات التي تعترض العمل الإعلامي في العراق حاليا هي الضغوطات الاقتصادية، والتي تضغط باتجاهين مختلفين: الأول يمارس الضغط على الصحفي نفسه، فهو كشخص لابد له من توفير متطلبات حياته، والأمر الآخر هو الضغوطات الاقتصادية التي تمارس على المؤسسة الإعلامية نفسها. فالعمل الإعلامي كإنتاج، يتطلب تكاليف مادية كبيرة وكلما كان الإنتاج كبيرا وضخما، تطلب أموالا ضخمة، مما يجعلها خاضعة لمن يوفر له هذه الأموال، وقد تساءلت منظمة مراسلون بلا حدود عن جدوى الاستقلال الإعلامي إذا كان الصحفي، والمؤسسة التي يعمل فيها، لا يستطيعون تغطية حدث معين إلا بعد أن تتوفر لهم الأموال اللازمة، وهذه الأموال توفرها جهات يهمها أن تتم تغطية الحدث بطريقة تخدم توجهاتها مما يؤثر سلبا على الأداء الإعلامي للصحفي.

التكتلات السياسية وإختيار القيادات الإعلامية

من الظواهر التي أفرزها التغيير في العراق هي تعدد الأحزاب والتكتلات السياسية والتي تحتاج الى مؤسسات إعلامية من أجل الترويج الى أعمالها ونشر أفكارها وأيدولوجيتها وفي ظل غياب قانون ينظم عمل الأحزاب فأنها انتجت مؤسسات اعلامية امتازت بعدم حيادتيها وإختيار قيادتها سياسيا وليس على أساس مهني شكلت عقبة أمام العمل الإعلامي العراقي.

إياد البنداوي ((رئيس تحرير صحيفة صدى الفضيلة)) إن وجود جماعات الضغط التي تتبنى نشاطات مخالفة للقانون متمثلة بالفساد الاداري والمالي و القتل والسلب والنهب بدوافع إجرامية او طائفية، وهو ما يهدد حياة الصحفي الذي يحاول اكتشاف خفايا مثل هذه الموضوعات وشهدنا اغتيال العشرات منهم لأسباب مماثلة كما ان الخلافات والتكتلات السياسية التي أنتجت مؤسسات اعلامية متنافسة بل متصارعة لكل منها سياساتها التي تفرض على الصحفي الالتزام بها وعدم مخالفتها حفاظا على رضا القائمين عليها وحفاظا على مصدر رزقه، وكل هذه المعوقات تؤثر على حرية الصحفي واستقلاليته وقدرته على اكتشاف الحقيقة وإيصالها للمتلقي...

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0