تتعرض تجمعات الفلسطينيين البدو في الضفة الغربية المحتلة لإعتداءات إسرائيلية مستمرة تكاد لا تتوقف، فبعد هدم تجمع "عرب الكعابنة" قبل أسبوعين وترحيل سكانه إلى تجمع سكني كبير في منطقة الأغوار الفلسطينية بخلاف إرادة الأهالي ودون استشارتهم، يجري العمل على ترحيل سكان تجمع "جبل البابا" من "عرب الجهالين" شرق القدس. يسعى الإحتلال وبكل الوسائل للتضييق على العائلات ودفعهم إلى الرحيل التلقائي متذرعاً بحجج واهية كالبناء دون ترخيص، أو أن السكان يقيمون على أراضٍ يصنفها الإحتلال على أنها "أملاك غائبين".

تهدف الخطة لتوسيع أكبر مستوطنات الضفة الغربية "معالي أدوميم" لربطها بمنطقة شرق القدس المحتلة تمهيداً لإقامة القدس الكبرى، والضغط كأمر واقع أمام أي استحقاق سياسي في سياق التسوية مع الفلسطينيين في المستقبل، وبأن القدس هي خارج نطاق أي إتفاق "سلام" مستقبلي، وأن القدس هي "العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل" والعمل على إبعاد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين خارج المدينة لضمان الأغلبية اليهودية. بدأ المشروع الإحلالي العنصري التوسعي الجديد منذ العام 2007 ليهدد أكثر من 15 ألف فلسطيني بدوي، أكثر من نصفهم من الأطفال يقيمون في 45 تجمع منذ نكبة العام 1948.

استنكر الإتحاد الأوروبي عمليات الهدم وإجبار البدو على الرحيل وإقتلاعهم من المناطق التي تحتلها "إسرائيل"، وأعربت وكالة "الأونروا" عن مخاوفها "حيال التهديد بالتهجير القسري"، و"أن التهجير القسري للأشخاص من أراض واقعة تحت الإحتلال يعتبر خرقاً للقانون الإنساني الدولي"، ولتثبيت البدو في أماكن سكناهم أطلقت الوكالة مشروعاً خاصاً أسمته "معاً لحماية التجمعات البدوية"، لكن الإحتلال كعادته؛ لا يلقي أي إهتمام لأي من القوانين والقرارات الدولية، لا بل يضرب بها بعرض الحائط ولا يلتفت لأي حساب أو مساءلة مستنداً في ذلك إلى قوة حلفائه في المنظومة الدولية لا سيما الحليف الإستراتيجي أمريكا.

وتلاقي مخططات ترحيل البدو الصهيونية إستنكاراً وإدانة واسعة من منظمات حقوقية دولية كالأوكسفام ومنظمة العفو الدولية والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان، وتضامناً مع سكان تجمع "جبل البابا" الذي يسكنه 350 فلسطينياً، زار التجمع قناصل هولندا وفرنسا والفلبين، ووصف خبراء القانون الدولي عملية الترحيل بأنها إنتهاكا فاضحاً لجميع الأعراف والمواثيق الدولية التي تضمن للشعب الفلسطيني كامل حقوقه الشرعية في أرضه، وتعد جريمة بحق الإنسانية، وعملية تطهير عرقي من الدرجة الأولى يعاقب عليها القانون الدولي، داعين لأن تكون واحدة من ملفات ملاحقة الإحتلال في محكمة الجنايات الدولية، فهذه ليست المرة الأولى التي يمارس على أهالي تجمع "جبل البابا" وبقية التجمعات سياسة التطهير العرقي، فقد سبقها التطهير العرقي الأول أثناء اقتلاعهم من أراضيهم وبيوتهم في فلسطين المحتلة على أيدي العصابات الصهيونية إبان النكبة في العام 1948.

في المقابل وكسياسة ثابتة يمارسها سكان الأرض الأصليين من الفلسطينيين، فلا تكاد جرافات الإحتلال تهدم تجمعاً، إلا ويعاد بناؤه من جديد ولو من التنك والصفيح أو من بقايا الأخشاب والقماش، هي معركة البقاء والإرادات وصراع الأدمغة التي يواجهها الفلسطيني مع الإحتلال وأدوات الاحتلال،.. خسارة ترحيل أهالي تجمع "جبل البابا" لا تقتصر فقط على العنصر البشري وما سيتبعه من معاناة..، بل كذلك سيسبب بإلغاء شارع أثري عمره يفوق 1400 سنة يمر من التجمع ويربط مدينة أريحا بمدينة القدس.

لزوال الإحتلال وإجباره على التوقف عن ممارساته التعسفية؛ نعتقد بأن مسؤولية كبيرة تقع على عاتق السلطة الفلسطينية ودولة فلسطين العضو المراقب في الأمم المتحدة واعتبار عملية الترحيل قضية سياسية من الدرجة الأولى والدفع باتجاه تشكيل تجمعات ضغط دولية دبلوماسية إعلامية قانونية ثقافية جدية..، على التوازي مطلوب حراك عربي إسلامي موحد لمحاصرة وعزل دولة الإحتلال في المحافل الدولية واتخاذ مواقف ترتقي إلى مستوى الحدث. كذلك دور كبير يتحمله المجتمع الدولي وتحديداً الإتحاد الأوروبي بفضح ممارسات الإحتلال التي تتنافى والقوانين الدولية. مسؤولية كذلك تقع على عاتق المؤسسات الأهلية والمثقفين للدفع باتجاه التوعية.. وعلى أهمية المقاومة الشعبية ودورها، إلا أن هذا لا يلغي ممارسة جميع أشكال المقاومة لدحر الإحتلال، وفي المقدمة منها المقاومة المسلحة وهذا ليس بالجديد في القانون الدولي..

* كاتب وباحث في الشأن الفلسطيني

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

اضف تعليق