في كل المجتمعات الحديثة يوجد القانون، وعادة ما يعتبر الأساس الراسخ للوجود المتحضر.. يأمر القانون المواطنين بان يقول لهم ما يجب عليهم ان يفعلوه، وهو يعلن المحظورات موضحا مالا يستطيع المواطنون ان يفعلوه، ويعين الحقوق بحيث يحدد ما يكون من حق المواطنين ان يقوموا به. ورغم انه مقبول على نطاق واسع ان القانون ضروري لأي مجتمع صحي ومستقر، فهناك جدل كبير حول طبيعة القانون ودوره.. هناك خلاف في الآراء، مثلا، بشأن أصول القانون والهدف منه. هل هو يحرر ام يقمع؟، هل القانون موجود لحماية كل الافراد وتعزيز الصالح العام، ام انه فقط لخدمة مصالح القلة، صاحبة الممتلكات والامتيازات؟، بالإضافة الى ان هناك جدلا حول العلاقة بين القانون والأخلاق، هل القانون يدعم المعايير الأخلاقية، وهل يجب ان يحاول القيام بذلك؟، ما مدى الحرية التي يجب ان يسمح بها القانون للفرد وبخصوص اية قضايا؟.

وترتبط مثل هذه الأسئلة أيضا، بالحاجة الى الامن الشخصي والنظام الاجتماعي.

ان مفاهيم النظام والقانون غالبا ما تبدو في افواه السياسيين مدمجة في المفهوم المركب: "القانون – والنظام". ان دمج هاتين الفكرتين معا، يعتبر ان القانون هو الأداة الرئيسية التي من خلالها يتم الحفاظ على النظام، لكن هذا الدمج يثير مجموعة من المشكلات. بشكل خاص هل يتم تامين النظام فقط، من خلال فرض القانون بالقوة والعقاب، ام يمكن ان ينشأ بشكل طبيعي من خلال تأثير التضامن الاجتماعي والحس العقلاني السليم؟ واخيرا هناك المشكلة المعقدة الخاصة بالعلاقة بين القانون والعدالة، وهل هدف القانون ان يرى العدالة وقد تحققت، وما الذي قد ينتج عن ذلك؟ بالإضافة الى كيف يمكن تمييز القوانين العادلة والقوانين غير العادلة؟ وهل يفترض هذا التمييز ان في بعض الظروف قد يكون خرق القانون مبررا؟

استخدمت كلمة "قانون" في مجموعة واسعة من الظروف المتنوعة. منها:

ان هناك قوانين علمية او ما يسمى قوانين وصفية. انها القوانين التي تصف نماذج سلوكية منتظمة او ضرورية، توجد سواء في الحياة الطبيعية او الاجتماعية. غير ان استخداما بديلا يعامل القانون بشكل عام، كوسيلة لدعم وتعزيز معايير وقواعد السلوك الاجتماعي. ومن ثم فان علماء الاجتماع يرون في كل المجتمعات المنظمة اشكالا من القانون في حالة عمل، ويمتد ذلك من العمليات غير الرسمية التي نجدها عادة في المجتمعات التقليدية، الى النظم القانونية الرسمية المميزة للمجتمعات الحديثة. وعلى النقيض من ذلك، نزع المنظرون السياسيون الى فهم القانون بشكل أكثر تخصيصا، اذ يعتبرون القانون مؤسسة اجتماعية مميزة، منفصلة بوضوح عن القواعد الاجتماعية الأخرى، او المعايير، ولا توجد الا في المجتمعات الحديثة فقط.

ربما ان الخوف من الفوضى وعدم الاستقرار الاجتماعي هو أكثر ما يقلق الفلسفة السياسية الغربية بشكل أساسي وثابت. منذ نظريات العقد الاجتماعي التي تعود الى القرن السابع عشر، كان المفكرون السياسيون يتمسكون بمشكلة النظام، وينشدون طرقا لتفادي ان ينحدر الوجود البشري الى الفوضى والاضطراب. فبدون نظام واستقرار قد تصبح الحياة البشرية، طبقا لكلمات هوبز:"وحيدة، وفقيرة وخطرة، وشريرة وقصيرة". ان مثل هذه المخاوف واضحة أيضا في الاستخدام العادي لكلمة "فوضوية" التي تتضمن الاضطراب والفوضى والعنف. لهذه الأسباب جذب النظام تأييدا تاما تقريبا من جانب المنظرين السياسيين. فعلى الأقل لا أحد منهم مستعد ان يدافع عن "اللانظام". لكن في الوقت نفسه، تستحضر كلمة نظام صورا مختلفة جدا في ذهن المنظرين السياسيين. في طرف يعتقد المحافظون التقليديون ان النظام لا ينفصل عن مفاهيم مثل :سيطرة وانضباط وطاعة. وفي الطرف الاخر، افترض الفوضويون ان النظام يرتبط بالانسجام الطبيعي، والتوازن والاتزان. وتعكس مثل هذه الانقسامات الأيديولوجية خلافا عميقا ليس فقط حول مفهوم النظام، لكن أيضا حول كيف يمكن اقامته وكيف يجب الحفاظ عليه.

غالبا ما يرتبط النظام بفكرة الانضباط، والتنظيم والسلطة. بهذا المعنى يمثل النظام شكلا من اشكال السيطرة الاجتماعية التي تفرض بطريقة ما "من اعلى". لابد من فرض النظام الاجتماعي لأنه ببساطة، لا يحدث بشكل طبيعي.

ترتكز كل مفاهيم النظام على تصور للانظام والقوى المسببة له. ما الذي يسبب الجنوح وانتهاك القانون، والتخريب والاضطراب الاجتماعي؟.

ان أولئك الذين يعتقدون ان النظام مستحيل من دون ممارسة سيطرة او انضباط، عادة ما يعتبرون ان جذور الفوضى تقع داخل الفرد البشري نفسه. بمعنى اخر ان البشر فاسدون بشكل فطري، وإذا لم يتم تقييدهم والسيطرة عليهم سيتصرفون بطريقة غير متحضرة ومعادية للمجتمع. ويكون اصل هذه الأفكار أحيانا دينيا، كما في حالة العقيدة المسيحية "للخطيئة الاصلية". وفي حالات أخرى، تفسر بالاعتقاد ان البشر أساسا انانيون، ولا يفكرون الا في مصالحهم الذاتية.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0