عندما قام الجيش النيجيري، قبل أيام، بالهجوم على مجمع إسلامي لشيعة نيجيري، وقتل خلال ساعات قليلة المئات من المصلين، بينهم نساء وأطفال رافقوا ابائهم في رحلة الموت، لم يهتز المجتمع الدولي او المنظمات الحقوقية العالمية لهذه المجزرة، كما ان الاعلام الغربي لم يتفاعل كثيرا مع هذه الحادثة، بالرغم من الحجج الواهية التي ساقتها الحكومة لتبرير هذه العمل الاجرامي... والاغرب من ذلك ما قامت به القوات المهاجمة من دفن جماعي للجثث وتعذيب من اعتقلتهم، إضافة الى اعتقال الشيخ "إبراهيم الزكزكي" وقتل 3 من أبنائه، وتدمير مقبرة كبيرة للمسلمين الشيعة، وغيرها من الاستفزازات والاعتداءات المشينة.

ربما يوضح هذا الحادث حجم الاعتداءات التي تطال المسلمين الشيعة حول العالم، والاضطهاد الواقع عليهم من الأنظمة الاستبدادية، وسط سكوت مستغرب من قبل المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا لتوفير الحماية القانونية لهم.

من جانب اخر، مارس الإرهاب أبشع صور العنف الطائفي ضد الأقليات الشيعية في باكستان وأفغانستان وشمال افريقيا والشرق الأوسط، وحتى في الدول التي ضمت الأغلبية الشيعية فيها، مارست التنظيمات الإرهابية (القاعدة، داعش..الخ) عمليات قطع الرؤوس والاغتيالات والعمليات الانتحارية والمفخخات التي وجهت بالمقام الأول ضد الشيعة باعتبارهم كفار... بل ويرتقون الى درجة اشد من الكفر!

عندما يكون الدين او المذهب او المعتقد سبب في تعرض الانسان الى تهديد مباشر بالقتل هو ومن ينتمون الى نفس هذا الدين او المذهب، مع الإصرار والقناعة الراسخة عند المعتدي او القاتل، فان هذا الفعل يرتقي الى "الإبادة الجماعية" التي تقع على جهة بعينها من قبل طرف ليس لديه النية حاليا ولا مستقبليا بتغيير هذه القناعة... والسؤال هنا: ما هو دور المجتمع الدولي ومنظماته الحقوقية من هذه "الإبادة" التي يتعرض لها الشيعة حول العالم؟.

وهل يحتاج المجتمع الدولي الى المزيد من الأمثلة التاريخية او المعاصرة ليقارننا بمجاز تعرض لها غيرنا من البشر... وهو يشاهد ويسمع كل يوم، تقريبا، عن مجازر ترتكب بحق المسلمين الشيعة، من دون ان يحرك ساكنا... وان كان هناك صوت دولي فغالبا ما يكون صوتا خجولا سرعان ما ينتهي صداه عند اول حاجز او مصلحة.

نيجيريا

فقد قالت منظمة هيومان رايتس ووتش ان مئات المسلمين الشيعة قتلوا برصاص الجنود النيجيريين ودفنوا في مقابر جماعية في هجوم "غير مبرر" وقع في وقت سابق من هذا الشهر، وذكرت المنظمة الحقوقية من مقرها في نيويورك في بيان ان الجنود النيجيريين قتلوا "300 على الاقل" من عناصر "الحركة الاسلامية النيجيرية" في وقت سابق من كانون الاول/ديسمبر عندما أطلقوا النار "دون اي استفزاز".

وذكر شهود عيان ان الجنود تخلصوا من مئات الجثث برميها في مقابر جماعية، ما يجعل من الصعب معرفة حصيلة محددة لعدد القتلى، بحسب المنظمة، واندلع العنف في 12 كانون الاول/ديسمبر عندما نصب الشيعة حاجزا مؤقتا على احدى الطرق خلال موكب ديني ما ادى الى اغلاق الطريق امام موكب قائد الجيش النيجري.

وقال دانيال بيكيلي مدير مكتب هيومن رايتس ووتش في افريقيا "من شبه المستحيل ان نفهم كيف يمكن ان يبرر قيام عدد من الشباب الغاضبين بإغلاق طريق الى قتل مئات الاشخاص"، واضاف "ان اقل ما يمكن ان يوصف به ذلك هو انه رد فعل مفرط ووحشي، وأكثر ما يمكن ان يقال انه هجوم مدبر على الاقلية الشيعية"، الا ان الجيش النيجري رفض تهم المنظمة، وصرح ساني عثمان المتحدث باسم الجيش النيجري "الاتهامات ليست صحيحة (..) وبالتالي فان توجيه اية اتهامات او اصدار اية تعليقات غير مؤكدة هو امر افتراضي وخارج عن السياق". بحسب فرنس برس.

واضاف انه "تم رفع الحادث بين الجيش النيجيري والحركة الاسلامية النيجيرية الى الجهات المختصة للتحقيق في الامر"، وشكلت الحكومة النيجيرية لجنة قضائية للتحقيق في عملية القتل، واتهم الجيش النيجيري الحركة المدعومة من ايران ب"المحاولة المقصودة لاغتيال" قائد الجيش توكور بوراتاي، ونشر صورا لحشد يلقي الحجارة على الموكب العسكري، واصيب زعيم الحركة الشيخ ابراهيم الزكزاكي بجروح بالغة، ولا يزال معتقلا لدى الشرطة، فيما قتل نائبه في الهجوم، وتأتي هذه الاتهامات وسط مخاوف من ان تثير الاشتباكات العنيفة بين الشيعة والجيش النيجيري تهديدا اسلاميا جديدا في البلد الذي لا يزال يقاتل مسلحي جماعة بوكو حرام المسلحة المتشددة.

الى ذلك أعلن منظمو موكب شيعي استهدفه هجوم شمال نيجيريا ارتفاع حصيلة الضحايا الى 22 شخصا، موضحين ان 38 شخصا جرحوا أيضا، وقال علي كاكاكي العضو في الحركة الاسلامية الشيعية في نيجيريا "حاليا لدينا 22 قتيلا بعد وفاة شخص"، واضاف ان "38 شخصا جرحوا خرج اثنان منهم من المستشفى" بعد الهجوم الذي وقع في قرية داكاسوي بالقرب من مدينة كانو، وكان محمد توري الذي تقدم الموكب الذي ضم الالاف من كانو الى زاريا في ولاية كادونا المجاورة، صرح للصحافيين من موقع التفجير "لم نفاجأ بتعرضنا لهجوم لان هذا هو الوضع في جميع انحاء البلاد"، واضاف ان ذلك "لن يوقفنا عن ممارسة شعائرنا الدينية وحتى لو قتلنا جميعا في تفجير، فان اخر شخص يبقى سيؤدي هذا الواجب".

وصرح مراسل فراس برس في داكاسوي ان الطريق تلطخ بالدماء، الا ان المشاركين في الموكب أكملوا مسيرهم، وكان معظمهم يرتدون ملابس سوداء ويحملون رايات وصورا للامام الحسين حفيد النبي محمد، وكان يحيط بهم حراس الامن، وقال احد المنظمين طلب عدم الكشف عن هويته، ان الانتحاري اقتحم الحشد قبل ان يتم رصده، وفجر نفسه، واضاف "كان يرتدي ملابس سوداء مثل الجميع، واعتقل مساعده واعترف بان جماعة بوكو حرام ارسلتهما".

بنجلادش

فيما أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن هجوم على مسجد للشيعة في بنجلادش أسفر عن مقتل شخص وجرح ثلاثة آخرين أثناء أداء الصلاة، وهذا الهجوم هو الثاني من نوعه على الأقلية الشيعية الصغيرة في بنجلادش خلال شهر، وقال حسن حبيب مسؤول الشرطة "دخل المهاجمون إلى المسجد وفتحوا النار على المصلين بعد إقفال المدخل الرئيسي ثم هربوا على الفور بعد إطلاق النار".

وقال عريف الرحمن وهو ضابط آخر في الشرطة إن شخصين من قرية قريبة اعتقلا لاستجوابهما بشأن الهجوم، وقال موقع سايت لرصد الحركات الإسلامية إن تنظيم داعش أعلن مسؤوليته عن الهجوم كما فعل في التفجير السابق لأكبر مقام شيعي في البلاد، وشهدت بنجلادش ذات الأغلبية المسلمة ارتفاعا في أعمال العنف في الأشهر الأخيرة مع مقتل أجنبيين وأربعة كتاب لهم ميول علمانية وناشر.

وازداد التوتر منذ إطلاق رئيسة الوزراء الشيخة حسينة حملة لقمع المتشددين الإسلاميين وأحالت عددا من قادتهم إلى المحاكمة بتهم ارتكاب جرائم حرب خلال حرب الاستقلال عام 1971، وقالت الشرطة إن نحو 12 قسيسا مسيحيا في شمال البلاد تلقوا تهديدات بالقتل بعد أسبوع من إطلاق النار على طبيب ايطالي يعمل كمبشر وإصابته بجروح، وقال قائد الشرطة المحلي عبد الله الفاروق "لقد شددنا الإجراءات الأمنية حول الكنائس". بحسب رويترز.

ورفضت حكومة بنجلادش مزاعم داعش بمشاركتها في الهجمات وأكدت أن متشددين محليين هم من يقومون بها، وقالت الشرطة إنها قتلت قائدا عسكريا بارزا لإحدى الجماعات الإسلامية المحظورة يشتبه في تخطيطه للهجوم على المقام الشيعي في داكا في 24 أكتوبر تشرين الأول.

افغانستان

بدورهم شارك حوالي ثلاثة الاف شخص في وسط افغانستان في جنازة سبعة من افراد اقلية الهزارة الشيعية الذين قطعت رؤوسهم في وقت سابق ودفع مقتلهم الافغان الى التظاهر للاحتجاج على التسيب الامني، وفق ما افاد شهود، وقال الزعيم القبلي جعفر حيدري ان النعوش السبعة ومنها نعش شكرية (تسع سنوات) اصغر الضحايا، "قد نقلت على متن اربع مروحيات" عسكرية من العاصمة الافغانية الى منطقة جاغهوري التي يتحدر منها القتلى في اقليم غزني، واضاف ان "حوالى ثلاثة الاف شخص شاركوا في تشييع الجنازة، وكانت التدابير الامنية صارمة جدا" خشية وقوع اعتداء.

وقد غطي كل نعش بكفن اسود، و"اتشحت النساء بالسواد" طبقا للتقليد الشيعي، كما قال العامل ضياء احمدي الذي شارك في الدفن، واضاف "عندما وصلت المروحيات، انفجر الجميع بالبكاء. وستطلق اسماؤهم على تلة في الاقليم تكريما لذكراهم"، وعثر على الرجال الاربعة والمرأتين والفتاة الذين خطفوا في تشرين الاول/اكتوبر، مقتولين في اقليم زابول غير المستقر في جنوب شرق افغانستان حيث يخوض فصيلان متنافسان من حركة طالبان معارك ضارية.

فيما دعا الرئيس الأفغاني أشرف عبد الغني للهدوء بعد أن حاول محتجون غاضبون من أقلية الهزارة الشيعية الوصول إلى قصره في كابول للمطالبة بالإنصاف إثر ذبح سبعة من أعضاء طائفتهم بأيدي متشددين إسلاميين، وفي واحدة من أكبر المظاهرات بكابول منذ سنوات سار آلاف الأشخاص في شوارع كابول لمطالبة الحكومة بالتحرك بعدما ألقى القتلة بالجثث المذبوحة جزئيا في وقت سابق. بحسب فرانس برس.

وعززت أعمال القتل التي أدانتها الأمم المتحدة باعتبارها جرائم حرب من الشعور المتنامي بعدم الأمان منذ استولت حركة طالبان لفترة قصيرة على مدينة قندوز الرئيسية في شمال أفغانستان في أواخر سبتمبر أيلول، وهتف المحتجون "الموت لعبد الغني.. الموت لطالبان" في مسيرة امتدت لعشرة كيلومترات إلى القصر وحملوا نعوش الموتى وقد لفت بقماش أخضر وطالبوا الرئيس بالخروج إليهم ومواجهتهم بالرد.

وقال سيد كريم (40 عاما) -وهو واحد من آلاف المحتجين الذين ملأوا ميدان مزاري في غرب كابول- "الطريقة الوحيدة لمنع مثل هذه الجرائم في المستقبل هي السيطرة على جميع المكاتب الحكومية إلى أن يفيقوا ويصدروا قرارا"، وفي خطاب تلفزيوني رتب له على عجل وعد عبد الغني الذي تتعرض حكومة الوحدة الوطنية التي يقودها لضغوط متزايدة بسبب تردي الأوضاع الأمنية باتخاذ إجراء لكنه دعا إلى ضبط النفس وألا تكون الغلبة للعواطف.

وقال عبد الغني "نحن ملتزمون بالثأر لدم أبناء وطننا، لن ندخر في ذلك جهدا"، وأضاف وهو يتهم المتشددين بإثارة التوترات الإقليمية والعرقية "علينا أن نتجنب ردود الفعل التي تنتهي بالفوضى"، وعند مرحلة ما حاول المحتجون تسلق أسوار مبنى قريب من القصر ودفعوا الشرطة لإطلاق طلقات تحذيرية لتفريق الجموع، وقال متحدث باسم وزارة الصحة إن سبعة أشخاص أصيبوا بينهم خمسة جراحهم سببها طلقات.

وبخلاف الأعداد المتزايدة من القتلى كل يوم فإن مقتل السبعة من أفراد الهزارة وبينهم ثلاث نساء وطفلان سلط الضوء على مخاوف من أن تؤدي الكراهية الطائفية إلى تسميم العلاقات في بلد مؤلف من العديد من الأعراق، وتتعرض أقلية الهزارة الشيعية في أغلبها والتي تتحدث اللغة الفارسية للاضطهاد في أفغانستان وذبحت طالبان وتنظيم القاعدة آلافا منهم في التسعينات لكن حوادث القتل والخطف التي وقعت هذا العام فاقمت من شعور الإحباط.

وقال عبد الرؤوف إبراهيم رئيس الغرفة الدنيا من البرلمان "إن هذا يبعث رسالة بالغة الخطورة لشعب أفغانستان وحكومتها وحلفائها الدوليين، هذه القضية لا تخص عائلة أو قبيلة أو مجموعة عرقية بل تخص الأفغان جميعا"، وقتل أبناء الهزارة في إقليم زابول الجنوبي حيث تدور معارك بين فصائل من طالبان وتنظيم الدولة الإسلامية أثارت مخاطر المزيد من التفتيت وقللت من فرص استئناف مفاوضات السلام المتعثرة.

وقال المتظاهرون إن شعب الهزارة يقتل كل يوم في الطرقات بين أقاليم غزنة وباميان ووردك إلى الغرب من كابول حيث تسيطر طالبان على معظم المناطق الريفية بعد وقف القوات الدولية لمعظم عملياتها القتالية العام الماضي، وإلى جانب إلقاء اللوم على طالبان والدولة الإسلامية أشار بعض أبناء الهزارة (على شبكات التواصل الاجتماعي) بأصابع الاتهام بشكل عام لقبائل البشتون وهي أكبر طائفة عرقية في البلاد ومنها يأتي العدد الأكبر من المنضمين للحركات الإسلامية، وقالت متظاهرة قدمت نفسها باسم سهيلة "نحن من هذا البلد.. يجب أن نحظى بنفس الحقوق كغيرنا من المواطنين".

من جانب اخر خطف قيادي محلي في طالبان افغانستان سبعة او ثمانية من افراد اقلية الهزارة الشيعية بسبب خصومة تتعلق بمواشي، وفق ما علم لدى السلطات المحلية، واوقف مسلحون في ولاية زابل الواقعة بين كابول وقندهار فجر حافلة صغيرة "وخطفوا 17 راكبا قبل ان يفرجوا عن تسعة منهم"، بحسب وزير محمد جوادي حاكم اقليم شاه جوي الذي شهد الحادث، واضاف "احتفظوا بثمانية رهائن" ينتمون الى اقلية الهزارة الشيعية، وتحدث نرواس نورزاي قائد شرطة المنطقة عن "سبعة رهائن من الهزارة".

وكان تم في ولاية زابل ذاتها في شباط/فبراير الماضي خطف 31 شخصا معظمهم من الهزارة بيد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية، وبشأن عملية الخطف اوضح قائد الشرطة ان الملا تقوى وهو قيادي من الرحل في طالبان، امر بخطف افراد من الهزارة كان قد اتهمهم ب "سرقة خرفان" في ولاية غزني المجاورة، واضاف "ان الملا تقوى تعهد بالإفراج عن الهزارة اذا اعادوا له ماشيته".

باكستان

في سياق متصل اقدم مسلحان مجهولان على قتل شخصين من الهزارة الشيعة الذين يشكلون اقلية في اقليم بلوشستان في جنوب غرب باكستان، بحسب ما قال مسؤولون، ووقع الهجوم فيما كان شخصان من اقلية الهزارة يسافران من وسط مدينة كويتا في الاقليم الى منزلهم في بلدة الهزارة في الضواحي، وقال قائد الشرطة المحلية مختار احمد لوكالة فرانس برس ان "مسلحين اثنين مجهولي الهوية اطلقا النار على الشاحنة التي كانت تقل عزة الله ومحمد حسين"، واضاف احمد ان "عزة الله الذي كان يقود الشاحنة قتل على الفور، فيما فارق حسين الحياة في الطريق الى المستشفى، وقد فر المسلحان من مكان الحادثة بعد اطلاق النار".

واكد المسؤول الآخر في الشرطة عبد الواحد خطاك وقوع الحادثة، لافتا ان وقوع حادثة مماثلة في وقت سابق، واضاف خطاك ان "شقيقين من اقلية الهزارة تعرضا لاطلاق نار قرب المكان نفسه في بلدة الهزارة، وقتل أحدهما فيما لا يزال الآخر في حالة حرجة، كما قتل آخر من تلك الاقلية لدى وصوله الى ورشته لتصليح السيارات"، واعرب وزير داخلية الاقليم اكبر دوراني عن قلق السلطات من سلسلة الهجمات التي يبدو انها تستهدف الهزارة، ومنذ فترة طويلة يستهدف مسلحون سنة اقلية الهزارة، وهم شيعة من نسل جنكيز خان.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

1