جاءت العقود بصياغة وإعداد المستثمر وهو أشبه بعقود الإذعان، لأن المشتري لا يملك تغيير أو تعديل أي بند وقضى القرار أن ليس للمشتري في حال امتناع المستثمر عن نقل الملكية سوى طلب فسخ العقد والمطالبة بالتعويض، وهنا يكون المشتري هو الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية بعد ضياع الوقت والمال وفرصة تملك وحدة سكنية...

تشهد الأوساط العقارية حالياً شيوع ما يعرف بالوحدات السكنية الاستثمارية، وهذه الوحدات السكنية قد تكون على شكل منازل مستقلة مشيدة أفقياً، أو على شكل شقق سكنية متنوعة المساحات ضمن مجمعات سكنية ضخمة مقامة على آلاف الهكتارات من الأراضي المملوكة للدولة. وقد منحت الدولة وعن طريق هيئة الاستثمار الوطنية تراخيص إدارية لتشييد هذه الأبنية عن طريق ما يعرف بـ (إجازات الاستثمار).

وكان الهدف المعلن من هذه المشاريع التخفيف من أزمة السكن وارتفاع بدلات إيجار الوحدات السكنية، والتوسع عمرانياً خارج حدود مركز العاصمة ومراكز الوحدات الإدارية المكتظة بالسكان، وتنشيط الاستثمار وتشجيع رأس المال الأجنبي للاستثمار داخل العراق، مع تحقيق الهدف الأساسي أو المهم الذي يفترض تحقيقه ألا وهو توفير وحدات سكنية لمختلف فئات المجتمع بأسعار مناسبة، مع التركيز على ذوي الدخل المحدود من الموظفين والكسبة والعاملين في القطاع الخاص والفئات الهشة في المجتمع العراقي كذوي الاحتياجات الخاصة والأرامل والأطفال.

إلا أن هذه الأهداف المعلنة لم تتحقق على أرض الواقع لأن هذه العملية تمت بطريقة ارتجالية دون مراعاة هذه الأهداف، كما أضرت بالفئات المستهدفة من هذه المشاريع إضافة لغياب الإطار القانوني، فكانت مصدراً لإثراء المستثمرين والمضاربين بالعقارات على حساب الآخرين. ويمكن أن نؤشر أهم السلبيات المتمخضة عن هذه التجربة والتي أضرت بالمستهلك وكما يأتي:

ارتفاع الكلف: حيث يصل سعر متر بعض الوحدات السكنية إلى 2,500,000 مليونين وخمسمائة ألف دينار، لترتفع أسعار الوحدات السكنية في بعض المجمعات إلى 600 أو 750 مليون دينار للوحدة السكنية في مناطق تقع على أطراف بغداد مثلاً. ومؤكد أن مثل هذه الأسعار تنعكس على طريقة الدفع أو الدفعات المالية، كما أن قروض المصارف الحكومية لا تغطي مثل هذه المبالغ، وبالتالي فإن هذه الوحدات السكنية تحولت من أمنية لذوي الدخل المحدود إلى فرصة عقارية للأثرياء ومضاربي العقارات.

محدودية القروض الحكومية: إن القروض الحكومية أو القروض الممنوحة من المصارف الأهلية التي تدعم هذه المشاريع محدودة جداً ولا تغطي إلا جزءاً يسيراً من مبلغ هذه الوحدات السكنية، وهي لا تمنح إلا بضوابط تتعلق براتب أو مصدر دخل المقترض وعمره البيولوجي؛ وكأن من تجاوز عمر الستين من عمره في عداد الأموات لا يستحق مثل هذه الفرصة، ومقابل فوائد عالية تستنزف دخل المقترض.

إشكالية ملكية الأرض: إن الأراضي التي تقام عليها هذه المشاريع الاستثمارية مملوكة للدولة، وإن المستثمر يمول أعمال البناء والتشييد من مشتري هذه الوحدات مع الاحتفاظ بهامش ربحي ثابت يدفعه المشتري في كل الأحوال في عقود الشراء. فالمشتري لا يملك الأرض وإنما يملك البناء، إذ أشرنا غياب التنظيم القانوني لعملية نقل الملكية من المستثمر إلى المشتري ويخضع الأمر للإجراءات الإدارية وليس القانونية، وهذا واضح من بنود هذه العقود التي لا تلزم المستثمر بنقل الملكية بموجب العقد لأنه لا يملك فعلاً الأرض، وإنما يلزم العقد المشتري بتكاليف نقل الملكية بعد صيرورة الاتفاق بين هيئة الاستثمار والمستثمر وحسب الالتزامات بين الطرفين، وهنا يكون المشتري هو الطرف الخاسر في هذه المعادلة الاستثمارية.

غياب التنظيم القانوني وشروط الإذعان

إن عقود الشراء لهذه الوحدات السكنية لا تخضع لتنظيم قانوني يحمي الطرف الضعيف في العقد، ولا يخضع لإجراء أو تنظيم من هيئة الاستثمار من خلال إصدار تعليمات تنظيم هذه العقود السكنية الاستثمارية وتحديد الشروط الجوهرية من خلال (عقد نموذجي) تعده الهيئة في ضوء علاقتها مع المستثمر بما يحفظ توازن العلاقة بين الأطراف الثلاثة. فجاءت العقود بصياغة وإعداد المستثمر وهو أشبه بعقود الإذعان، لأن المشتري لا يملك تغيير أو تعديل أي بند من بنود العقد سواء ما تعلق منها بالبدل أو المواصفات أو الشروط الجزائية المترتبة عن الإخلال بالالتزامات التعاقدية.

حيث لاحظنا من خلال الاطلاع على بعض العقود أنها تفرض جزاءات عن إخلال المشتري بالتزاماته التعاقدية وهي بالغالب تتعلق بمواعيد الدفع، ولم نجد شروطاً جزائية تتعلق مثلاً بتأخير تسليم الوحدة السكنية في موعدها المحدد في العقد، أو إذا وجد المشتري التنفيذ مخالفاً للمواصفات الفنية المتفق عليها، فضلاً عن بعض التفاصيل الفنية المتعلقة بمواد التنفيذ التي تذكر بصورة عامة دون بيان تفصيلي بوصف الفقرات والكميات والمناشئ (جدول كميات). إذ يفترض من هيئة الاستثمار أن تفرض على المستثمر إرفاق جدول كميات مفصل ومصدق من الجهة الفنية للمستثمر التي تعد أساساً للتنفيذ في حال حصول خلاف بين أطراف العقد حول مواصفات وطريقة التنفيذ، ويكون المستثمر ملزماً بأخذ موافقة المشتري في حال إجراء تعديلات في المواصفات أو المناشئ.

إن من أهم المبادئ التي تحكم العلاقات التعاقدية هو مبدأ حسن النية في تنفيذ العقود، وهذا ما نصت عليه المادة ($150$/$1$) من القانون المدني العراقي رقم ($40$) لسنة $1951$ المعدل والتي جاء فيها: «يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية». وما يتصل بهذا المبدأ إلزام البائع أو المصنع بتبصير المشتري قبل التعاقد، حيث يعد هذا الالتزام واجباً قانونياً وتعاقدياً يلزم البائع بإعلام المشتري بكافة تفاصيل المبيع وخصائصه وعيوبه المحتملة لتلافي الوقوع بالغلط قبل التعاقد، بما في ذلك جانب التبصير القانوني للمشتري والجهة التي يتم التعاقد معها ووثائقها وتراخيصها القانونية، إذ يفترض أن تلزم هيئة الاستثمار كافة المستثمرين بهذا الالتزام، مع إمكانية الاستعلام من الهيئة ذاتها عن مصداقية هذه الوثائق والمركز القانوني والمالي للمستثمر.

المنازعات القضائية وقرار محكمة التمييز

بسبب غياب التنظيم القانوني لهذا النوع من العقود، فهي تخضع للقواعد العامة للتعاقد، وتنعقد ولاية النظر في المنازعات المتعلقة بها لولاية القضاء العادي. ومع ذلك نجد أن محكمة التمييز الاتحادية قد عدت هذا النوع من العقود عقوداً صحيحة ولكن لا تلزم البائع (المستثمر) بنقل الملكية.

حيث ذهبت محكمة التمييز الاتحادية في قرارها المرقم ($1006$/الهيئة الاستئنافية عقار/$2023$) في $29$/$3$/$2023$ إلى أن:

«...إن قيام المدعى عليه ببيع الوحدات السكنية في المشروع الاستثماري بوابة العراق في الكرخ يخضع لقانون الاستثمار وبالتالي فإن العقد المبرم بين المدعي والمدعى عليه / إضافة لوظيفته ببيع وشراء الشقة السكنية موضوع الدعوى عقداً صحيحاً وهذا ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة، أما بخصوص طلب المدعي بتسليم الشقة له وذلك لامتناع المدعى عليه من ذلك فإن الثابت بأن المدعي قد أودع ما تبقى بذمته من بدل الشراء لحساب المدعى عليه...، وبهذا يكون قد أوفى بالتزامه ومقابل ذلك على المدعى عليه / إضافة لوظيفته (المستثمر) الالتزام بتسليم الشقة للمدعي رضاءً وبخلاف ذلك يجبر قضاءً وهذا الأمر قابل للتنفيذ العيني،... أما بخصوص طلب تسجيل الشقة موضوعة عقد البيع في دائرة التسجيل العقاري المختصة جبراً لا يمكن قبوله لأن عقد بيع العقار في دائرة التسجيل العقاري المختصة لا ينفذ إلا بإرادة البائع ورضاه، وإذا رفض التسجيل فللمشتري حق طلب فسخ عقد البيع والتعويض إن كان لذلك مقتضى...»

ازدواجية التعامل القضائي وحتمية الحل التشريعي

ومن خلال تمحيص قرار محكمة التمييز الاتحادية سابق الذكر نجد أن المحكمة تعاملت مع عقد شراء الوحدة السكنية الاستثماري بصورة مزدوجة؛ فهي من جانب اعتبرت العقد خاضعاً لقانون الاستثمار ولم تشر للسند القانوني، في حين أن الواقع أن قانون الاستثمار نظم العلاقة بين المستثمر وهيئة الاستثمار ولم ينظم علاقة المستثمر مع المتعاقد، ولذلك خضع العقد للقواعد العامة. فالزم القرار المستثمر بتسليم المبيع لاستكمال المشتري دفع بدل البيع دون إلزام المستثمر بتسجيل الشقة في دائرة التسجيل العقاري.

وهنا وقع القرار في تناقض ثانٍ؛ فهو من جانب عده عقداً صحيحاً منتجاً لآثاره لأغراض التسليم، دون أن يعتبره صحيحاً لأغراض نقل الملكية لأن نقل ملكية العقار محكوم بإجراءات خاصة منصوص عليها في قانون التسجيل العقاري على فرض أن ملكية الشقق قد نقلت أساساً إلى المستثمر وأصبح هو المالك فعلاً. وقضى القرار أن ليس للمشتري في حال امتناع المستثمر عن نقل الملكية سوى طلب فسخ العقد والمطالبة بالتعويض إن كان لذلك مقتضى، وهنا يكون المشتري هو الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية بعد ضياع الوقت والمال وفرصة تملك وحدة سكنية.

نرى أن عقد بيع الوحدات السكنية في المشاريع الاستثمارية هو عقد ذو طبيعة خاصة مزدوجة وتتعدد فيها العلائق ما بين الدولة والمستثمر والمستفيد. ولا يمكن إحداث توازن وحماية للطرف الضعيف في العقد، إلا من خلال التنظيم التشريعي لهذا النوع من العقود بحيث يسمح للمتعاقد (المشتري) بانتقال ملكية العقار حال إتمام الالتزامات التعاقدية، ولا تخضع عملية نقل الملكية لذات الإجراءات المنصوص عليها في قانون التسجيل العقاري. إذ طالما اعترفت محكمة التمييز الاتحادية بأن هذا العقد صحيح ومنتج لآثاره، فيجب أن تنتقل الملكية كأثر لهذا العقد في حال إتمام الالتزامات التعاقدية، وهذا يقتضي تنظيم هذا العقد تشريعياً في قانون خاص أو ضمن قانون الاستثمار لتحقيق التوازن في العلاقة التعاقدية لهذا النوع من العقود... والله الموفق.

اضف تعليق