الأصل أن القضاء هو الجهة المختصة بفرض العقوبة على المخالفين للقوانين والأنظمة والإجراءات، سواء كانوا مواطنين أم مقيمين، إلا أن المصلحة العامة للدولة أتاحت للإدارة العامة أن تفرض عقوبات أو (جزاءات) على المخالفين لقانونها أو أنظمتها أو إجراءاتها من دون الرجوع إلى القضاء مع ضمان حق المخالف في تقديم شكوى للقضاء للتظلم من إجراءات الإدارة العامة.

ما معنى العقوبة الإدارية أو الجزاء الإداري الذي يمكن أن تفرضه الإدارة العامة مثل أن تفرض وزارة الصحة غرامة مالية على المحال التجارية بسبب عدم مراعاة الجوانب الصحية؟ وما هو السبب وراء تخويل هذه السلطة للإدارة العامة مع أنها من اختصاص القضاء؟ وماهي طبيعة المخالفات التي تستوجب عقوبات إدارية؟ وماهي أنواع تلك العقوبات؟ وماهي الضمانات التي تعطى للمخالف من تعسف السلطة في استخدام حقها، فهي الخصم والحكم في الوقت ذاته؟

أصبح الجزاء الإداري (العقوبة الإدارية) الذي توقعه السلطة الإدارية المختصة على الأشخاص الطبيعية أو المعنوية بسبب مخالفة الالتزامات القانونية المقررة للمصلحة العامة يمثل طريقا بديلا للدعوى القضائية بوجه عام، والدعوى الجزائية بوجه خاص، وأصبحت السلطات الإدارية تمارس صلاحيات هي في الأصل من مهام القضاء المختص دون أن يعد ذلك مساساً بمبدأ الفصل بين السلطات، فقانون العقوبات الإداري يعبر عن فكرتين هي فكرة التخلي عن حتمية اللجوء إلى القضاء في المخالفات والجنح البسيطة، وفكرة الحد من احتكار القاضي الجزائي من توقيع العقاب.

الجزاء الإداري هو الجزاء الذي توقعه الإدارة، وهي تمارس مهامها المرصودة لضمان الامتثال للقواعد الخاصة بسير المرافق العامة، أو القواعد الخاصة بسير مختلف الأنشطة الخاضعة لرقابة الإدارة ونشاطها. والهدف منه الصالح العام. وإن الجزاء الإداري التي توقعه الإدارة في غير مجال العقود والتأديب هو زجر إداري يقع على مرتكبه.

يٌعرف الجزاء الإداري بأنه (كل قرار صادر عن جهاز إداري من أجل زجر فعل منصوص عليه بنص، أو تصرف عام يعتبر متعارضا مع المصلحة العامة) كما تعرف الجزاءات الإدارية بأنها (الجزاءات ذات الخاصية العقابية التي توقعها سلطات إدارية مستقلة أو غير مستقلة، وهي بصدد ممارستها لسلطتها تجاه الأفراد بغض النظر عن هويتهم الوظيفية كطريق أصلي لردع خرق بعض القوانين واللوائح).

إن الجزاءات الإدارية شأنها شأن أي جزاء له طبيعة جزائية، لأن غايته هو العقاب جراء التقصير في أداء التزام ما، إلا أن هذا النوع من العقوبة لا يستلزم اللجوء للقضاء، ولكنه يتم بواسطة سلطة إدارية. فمع متطلبات الحياة الاجتماعية أضحى من واجب الإدارة القيام بمهامها في تنفيذ القانون كطريق أصلي لردع خرق بعض القوانين والتنظيمات.

وعليه، فقد اتسمت (العقوبة الإدارية) بخصائص تعبر عن ذاتيتها واختلافها عن الجزاءات القضائية، ومن خصائصها أنها اختصاص أصيل للإدارة، في القيام بتطبيق الجزاءات التي عهد المشرع لها بتوقيعها على الغير، ملتزمة بأحكام القانون الذي تسهر على تنفيذه، وفي الإطار القانوني الذي حدده المشرع لها. ومن خصائصها أنها جزاء ذو طبيعة ردعية، أي إن العقوبة الإدارية توقع على كل سلوك يتمثل في فعل أو امتناع عن القيام بفعل يقره القانون، ويمثل خرقا لنص قانوني أو أمر إداري، فالعبرة في الجزاء بوقوع اعتداء أو عدم القيام بالتزام على مصلحة بلغت أهميتها لحد يستوجب حمايتها، أيا كانت تلك المصلحة.

ومن خصائصها أيضا أنها تتميز بالعمومية، بمعنى إن الأصل العام هو أنه لا يرتبط توقيع العقوبة الإدارية العامة بانتماء المعاقب لفئة معينة، كما هو الحال بالنسبة للعقوبات التأديبية التي تفترض لصحة توقيعها وجود علاقة وظيفية تربط بين الموظف والإدارة ضمن قانون الوظيفة العمومية، أو العقوبة العقدية، مثل: الصفقات العمومية التي تفترض علاقة تربط المصلحة المتعاقدة والمتعامل الاقتصادي ضمن قانون تنظيم الصفقات العمومية وتفويضات المرفق العام. وإنما تمتد سلطة الإدارة بتوقيع العقوبة على جميع الذين يخالفون النص القانوني، أو القرار الإداري المخاطبين به، دون أن يتوقف توقيعه على رابطة خاصة أو عالقة معينة.

وتنقسم الجزاءات الإدارية العامة عموما إلى الجزاءات الإدارية العامة المالية، والى جزاءات الإدارية العامة غير المالية. تنصب الجزاءات المالية على الذمة المالية لمن فرضت عليه، وهي متنوعة، ويتعذر حصرها مثل الغرامة الإدارية: والغرامة الإدارية هي (مبلغ من النقود تفرضه الإدارة على شخص نتيجة مخالفة القوانين واللوائح) وتتميز الغرامة الإدارية بسرعتها في التطبيق، وهي انسب الجزاءات في المخالفات ذات الطابع المالي والاقتصادي، والتي تهدف إلى تحقيق الردع العام والخاص. وتأخذ الغرامة الإدارية أشكال عدة إما أن تكون مبلغ من النقود تفرضه الإدارة بإرادتها المنفردة، أو قد تكون في شكل مصالحة بين المخالف والإدارة، ويحدث ذلك في مجالات الضرائب والجمارك والمرور. ومن أمثلة امتناع المكلف عن أداء الضريبة يعد مخالفة صريحة لأحكام القانون يستوجب فرض جزاء مالي، وهي نتيجة حتمية لمواجهة السلوك المخل بالقانون.

ومثل المصادرة الإدارية: حيث تعد المصادرة الإدارية من ضمن الوسائل التي بموجبها يؤول المال المملوك للأفراد إلى الإدارة بعد نزع ملكيته بالصورة الجبرية، فضلا عن وسائل أخرى كالاستملاك والتأميم، وهو قرار ذو طبيعة عينية يتجه إلى الشيء المملوك للمخالف، ولا يتجه إلى الشخص المخالف ذاته.

ويتجلى هذا النوع من الجزاءات في قطاع الجمارك. وفي العراق نصت المادة (195) من قانون الجمارك العراقي رقم (23) لسنة 1984 المعدل على أنه (لموظفي الجمارك المختصين الذين يحددهم المدير العام حق مصادرة البضائع موضوع جريمة التهريب أو الحكم بما يعادل قيمتها عند حجزها)

وأما الجزاءات الإدارية العامة غير المالية، فصورها متعددة أيضا ومنها الغلق الإداري: حيث ينصب الغلق الإداري كتدبير عيني على المحلات التجارية أو الصناعية، التي تستعمل للارتكاب الجرائم، وعلى المحلات غير التجارية والصناعية. ويعرف الغلق على أنه (المنع من استمرار الاستغلال لمنشأة، محل تجاري، مصنع، مكتب... عندما تكون محلا أو أداة لأفعال تشكل خطرا على النظام العام)، وعلى الرغم من إن غلق المنشأة يصيب المخالف في ذمته المالية، إلا أنه من جانب آخر يقيده في الانتفاع من المنشأة المملوكة له، أو المستأجرة، من قبله.

ومنها الوقف الإداري، إن الوقف الإداري هو منع المنشأة من قبل السلطة الإدارية المختصة من ممارسة نشاطها، وذلك بمناسبة مخالفتها للقواعد أو اللوائح، أو ممارسة النشاط دون ترخيص أصلا، فالجزاء ينصب على ممارسة النشاط في حد ذاته، وليس على المنشأة. يشتبه الوقف الإداري بالغلق الإداري في أن كلاهما يمتنع المخالف فيهما عن ممارسة النشاط خلال مدة الغلق أو الوقف، إلا أن الإمر يختلف في أن الغلق ينتج عنه إقفال المنشأة، بينما الوقف تظل المنشأة مفتوحة. وفي العراق، نص قانون المطبوعات على أنه للوزير تعطيل (وقف) المطبوع الدوري مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما، إذا نشر فيه ما يخالف أحكام المادتين 16، و17 من هذا القانون)

ومنها الإزالة الإدارية: تعد الإزالة من أكثر الجزاءات الإدارية فاعلية، فهي تنطبق على الأعمال المخالفة، حيث تقوم الإدارة بإزالتها، وهي على خلاف الغلق أو الوقف، حيث يمكن إعادة النشاط، فالإزالة تنهي أي نشاط في المستقبل. وتجد الإزالة مجالها الخصب في أعمال البناء والزراعة والبيئة، إلا أن أخصب المجالات هو التجاوز على أملاك الدولة، حيث منح المشرع للإدارة سلطة إزالةأي تعد يقع على أملاك الدولة. وقد تكون الإزالة قضائية، وقد تكون إدارية، والأولى يصدرها حكم قضائي، وهي عقوبة تكميلية وجوبية، ويلزم النص عليها في حكم المحكمة التي أصدرتها بينما الإزالة الإدارية هي التي تفرضها الإدارة لإقرار النظام، وحماية المصلحة العامة، وتكون ذات طبية إدارية.

وحتى لا تتعسف السلطة الإدارية في فرض سطوتها على المخالفين لقانونها وأنظمتها وإجراءاتها فان هنالك ضمانات إجرائية وضعت لحماية المخالف من الاستخدام غير القانوني للإدارة منها الضبط والتحقيق في الجرائم الإدارية، حيث إن ضبط الجريمة الإدارية يختص فيها عضو الإدارة المكلف بهذا الواجب والتحقيق فيها وإعلان الجزاء وتنفيذه، وان حصر هذا الاختصاص بالمقارنة مع الجرائم الإدارية بيد شخص واحد يمثل الإدارة تفرضه الحاجة إلى سرعة الحسم وفعاليته التي تفرضه طبيعة المصالح المحمية. ومنها حق المواجهـة والدفاع، حيث فرضت الدساتير وكفلت حق المواجهة والدفاع، كما أكد القضاء ذلك بأحكام عديدة، وهو حق مكفول في القانون الجنائي، والقانون الإداري، إذ لا بد من احترام مبدأ المواجهة في توقيع الجزاءات الإدارية من خلال الآتي:

1. إخطار المتهم بالتهمة الإدارية الموجهة إليه خطيا.

2. تمكينه بالطرق المتاحة من الدفاع عن نفسه.

3. منحه مهلة لإعداد الدفاع وتقديم لائحته ودفوعه.

ويكون الإخطار عادة بإعلان الوقائع المنسوبة إلى المتهم بشكل واضح وجلي نافيا للجهالة، ومن ثم فتح ومباشرة التحقيق حسب الأصول المرعية في مجال التحقيق من خلال بيان الواقعة ومكان وزمان وقوعها وطبيعتها بالتفصيل. الأمر الذي يفرض التزام المتهم بحدود حق الدفاع وعدم تجاوزه من خلال الزمن المطلوب لإعداده، لان في ذلك فوات فرص الحماية القانونية للمصالح وفوات لاعتراض الجزاء الإداري.

وفي المحصلة نخلص إلى ما يأتي:

1. تعد الجزاءات الإدارية العامة من الجزاءات ذات الصفة الردعية، كبقية أنواع الجزاءات، التي تلجأ إليها الدولة من أجل تحقيق أهدافها، إلا أن ما يميزها عن غيرها من الجزاءات أنها تفرض على أشخاص لا تربطهم بالإدارة أية رابطة، كالرابطة الوظيفية أو التعاقدية.

2. تتميز الجزاءات الإدارية العامة بذاتيتها الخاصة، فهي قرارات إدارية فردية تصدرها الإدارة للعقاب على مخالفة بعض القوانين واللوائح، مما يجعل لها كيان مستقل عن كافة صور الجزاءات الأخرى.

3. تتمثل الجزاءات الإدارية العامة بالجزاءات المالية (الغرامة والمصادرة) وبالجزاءات غير المالية (سحب الترخيص، وقف النشاط، غلق المنشآة، الإزالة الإدارية، نشر الحكم).

4. ولضمان حقوق الإدارة من جهة بالمحافظة على المصلحة العامة وتطبيق القوانين والأنظمة وعدم التجاوز عليها من الأفراد من جهة، ولضمان عدم تعسف الإدارة في اخذ قرارات إدارية تضر الأفراد ومصالحهم كان لابد من ضمانات لمشروعية تنفيذ الجزاءات الإدارية الصادرة عن الإدارة العامة. فالضمانات المقررة لصالح الأفراد في مواجهة الإدارة تتمثل في الضوابط والحدود في فرض الجزاءات، والرقابة القضائية على سلطة الإدارة في فرض الجزاءات، والتي تعد أقوى ضمانة وأنجعها، نتيجة استقلال مرفق القضاء وحياده.

...........................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2022
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
[email protected]
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق