في كل عام -تحديدا 8 من شوال- تتجدد المطالبات الشعبية بضرورة صيانة مقبرة البقيع الواقعة بالقرب من المسجد النبوي في المدينة المنورة في المملكة العربية السعودية، وهي إحدى أهم مقابر المسلمين التاريخية التي تضم رفات الألاف من المسلمين الأوائل، منهم أعمام النبي (ص) وأولاد عمومته، وزوجاته، وأحفاده، وغيرهم من الصحابة المقربين، من المهاجرين والأنصار.

بدأت أزمة مقبرة البقيع عندما قررت السلطات الحاكمة يومذاك هدم قُباب بعض مقابر الصحابة وأحفاد النبي (ص) مرة في عام 1806، وأخرى عام 1926، بحسب المصادر التاريخية، ومازالت الأزمة مستمرة. ومن المهم جدا لأي بحث موضوعي أن يستعرض أبعاد هذه الأزمة وطرق حلها في الإطار السياسي والديني والتراثي.

ويمكن القول إن أهم أبعاد هذه الأزمة تتمثل في الآتي:

1. البعد السياسي: قرار هدم قبور البقيع هو قرار سياسي أولا صدر عن السلطات الحاكمة. فليس ثمة شك أنه من دون موافقة تحريرية من السلطات لا يمكن أن يتجرأ أحد من المسؤولين، لا من علماء الدين، ولا من الموظفين التنفيذين على تنفيذ هذه العملية. وأسباب هدم تلك القباب وتسوية القبور على الأرض بحسب السلطات التنفيذية هي إعادة التنظيم العمراني والحضاري للمدن التاريخية بما يتلاءم مع تشكيل المدن الحديثة. وإجراءات الهدم التي قامت بها السلطات الحاكمة لم تشمل مقبرة البقيع وحسب، بل شملت العديد من المقابر والأماكن المقدسة في مكة والمدينة المنورة أيضا. بمعنى أن إجراءات هدم قبب أضرحة الصحابة وآل النبي (ص) في مقبرة البقيع ليست لها خصوصية، لأنها إجراءات إدارية عامة شملت جميع المقابر والآثار التاريخية، وفي مختلف المدن السعودية.

2. البعد الديني والمذهبي: على الرغم مما يٌشاع في خارج المملكة العربية السعودية أنها نسيج عرقي واحد، ونسيج مذهبي واحد، إلا أن الواقع الاجتماعي والديني والمذهبي يؤكد أن المملكة العربية السعودية لا تحكمها أغلبية مذهبية معيّنة في كل مناطقها. إنما مناطقها مقسمة على مذاهب شتى، ففي المنطقة الوسطى (نجد) يسطر المذهب الحنبلي بقراءته الوهابية، وفي المنطقة الغربية (الحجاز) يغلب على سكانها المذهب المالكي والشافعي، وفي المنطقة الجنوبية تنتشر جميع المذاهب الدينية تقريبا دون سيطرة مذهب على مذهب، وفي المنطقة الشرقية (القطيف والأحساء) يغلب عليها الأكثرية الشيعية. نعم يمكن القول إن القرار السياسي في المملكة كلها بيد (نجد) لاسيما العائلة الحاكمة، وإن القرار الديني بيد علماء (السلفية الوهابية) هؤلاء اعتبروا الأضرحة (عبادة الأصنام) ويعتقدون أن وضع علامات على القبور هو بدعة بناءً على تفسيرهم للآيات القرآنية المتعلقة بالقبور والمزارات.

3. البعد التاريخي والحضاري: تعد القوانين الدولية والوطنية الحديثة أي معلم تاريخي أثرا لا يمكن المساس به، سواء كان هذا المعلم معلما دينيا أم معلما بيئيا أم معلما ثقافيا، وسواء كان لقوم مازالت حضارتهم قائمة أم لقوم اندثرت حضارتهم ولم يبق منها إلا طلل. وسواء كان هذا المعلم يجسد حضارة الكفر أو الشرك أم كان يجسد حضارة التوحيد والإيمان.

وعلى ذلك تلزم تلك القوانين والهيئات الدولية الدول والجماعات المحافظة على تلك المعالم وصيانتها كونها إرثا لكل البشر. إلا أن السلطات الحاكمة في المملكة العربية السعودية لا تعطي للمعالم التاريخية لاسيما مقابر آل النبي وأصحابه هذه السمة، وتعدها مواقعا عادية غير مقدسة، ولا تمثل إرثا تاريخيا يمكن العناية به وصيانته.

ومنتهى الكلام إن السلطات السعودية وبدعم من السلفية الوهابية ( المذهب المتحكم بزمام الأمور) ترى أن من المصلحة هدم قبور الصالحين في أي مكان في السعودية، ولا ينبغي تعظيمها؛ لأن في تعظيم القبور هو عبادة لها، وأنها صارت كالأصنام تعبد من دون الله تعالى، وأنه تعالى نهى عن البناء على القبور؛ وذلك بحسب فتوى علماء أهل المدينة في حينها التي تنص على الآتي (أما البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً لصحة الأحاديث الواردة في منعه، ولهذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين على ذلك بحديث علي (ع) أنه قال لأبي الهياج ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله (ص) أن لا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سوّيته).

بينما ترى المذاهب الأخرى جواز زيارة القبور والتعبد فيها، استنادا لقول الرسول صلى الله عليه وآلة وسلم (كُنْتُ نَهَيْتُكُم عَنْ زيارَة الْقُبُور، فَزُورُوها فَإنَّها تُزَهِّدُ في الدُّنْيا وتُذَكِّرُ الآخِرة) وأن علماء الإسلام وفقهاء الشريعة قد أفتوا بجواز زيارة القبور، وخاصّة قبور الأنبياء والصالحين، استناداً إلى مجموعة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، وبالإضافة إلى الجواز فإنّهم أفتوا باستحبابها وفضيلتها.

في الواقع؛ ما كان ينبغي أن تقوم السلطات السعودية بهدم قباب أضرحة أهل البيت (ع) والصحابة ومن تبعهم، بحجة أنها تقوم بهذا بهدف إحداث التغيير العمراني وتشكيل المدن الحديثة، لأن المدن التاريخية والأماكن الأثرية في العادة يجري تحديثها وتطويرها من خلال المحافظة على معالمها وآثارها لا بإزالتها وتخريبها ومحوها.

وما كان ينبغي لها أن تهدم تلك القبب بحجة أنها تعبد من دون الله، فهذا الرأي وإن كان يتبناه أنصار المذهب السلفي الوهابي، فانه في المقابل مردود ومرفوض من قبل جميع المذاهب السنية والشيعية على حد سواء، بل هناك أدلة معتبرة على أن مثل هذه المعالم الدينية لاسيما مقابر الأولياء والصالحين إنما أصبحت مكان لعبادة الله وتوحيده من خلال مراجعة سيرة هؤلاء الروحانيين والمؤمنين. فليس من المعقول مثلا الدعوة لهدم ضريح الإمام علي (ع) أو ضريح الإمام الحسين (ع) بحجة أنها تعبد من دون الله، فالواقع يشهد والصور تدل أن هذه الأضرحة كانت ومازالت سببا في هداية وتدين وصحوة الملايين من المسلمين، فكلما ابتعد الشباب المسلم عن الدين ووجد أمامه ضريحا أو مقبرة أو معلما يدل على شخص كان عابدا تقيا زاهدا كان ذلك سببا لهدايته نحو الطريق الصحيح.

وما كان ينبغي للسلطات السعودية أن تقدم على عملية الهدم من دون مشورة ومراجعة علماء الدين والمذاهب الأخرى، ليس في السعودية فحسب بل في كل بقاع العالم، فهذه الأماكن المقدسة ليس حكرا ولا ينبغي أن تحتكرها السلطات السعودية، أو يأخذ قرارها مذهب واحد من دون المذاهب الأخرى.

وما كان ينبغي لها أن تقوم بالهدم من دون مراجعة علماء المذهب الجعفري، فمعلوم أن غالبية هذه الأضرحة تمثل أماكن مقدسة للمذهب الجعفري الشيعي، فرموز هذا المذهب هم أهل البيت (ع) ومن والاهم من الصحابة والاتباع، وتهديمها من دون الرجوع إليهم كان خطأ جسيما اقترفته السلطات السعودية. وكان سببا في تأزم الوضع ليس بين السلطات واتباع المذهب الشيعي، فحسب بل بينها وبين غالبية المذاهب التي تذهب إلى حرمة المساس بقبور أهل البيت، وترى فيها منطلقا للإيمان بالله وعبادته.

ومن هنا يجب على العقلاء من هذه الأمة وعلماءها الواعين، مراجعة تلك الإجراءات وتقييمها في ضوء التطورات السياسية والاجتماعية والدولية. ولابد من إصلاح تلك الأضرار بأسرع وقت من خلال ما يأتي:

1- التواصل السياسي والدبلوماسي للحكومات ذات العلاقة بموضوع ترميم القبور مع السلطات السعودية الحاكمة، فضلا عن التواصل الشعبي والنقابي للمؤسسات غير الحكومية التي لها رأي يختلف عن رأي السلطات الحاكمة.

2- التواصل الديني والمذهبي بين علماء الأديان والمذاهب الذين يؤيدون بناء القبور وزيارتها وبين علماء السلفية الوهابية الذين يرون فيها شركا بالله وحرمة شرعية.

3- التواصل بين المنظمات الدولية التي تعنى بالتاريخ والحضارة والثقافة الإنسانية لاسيما منظمات الأمم المتحدة المختصة وبين الجهات الحكومية للمملكة العربية السعودية بما يولد قناعة عند الحكام السعوديين أن المعالم الحضارية والدينية في السعودية ينبغي أن تكون محمية بغض النظر عن الرؤية الدينية والمذهبية للشعوب والسلطات الحاكمة.

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق