تؤدي الحروب والنزاعات المسلحة غير الدولية -لأسباب سياسية وعرقية ودينية- إلى قتل الملايين من الناس ومعظمهم من المدنيين لاسيما الأطفال والنساء والفئات الضعيفة، نتيجة عمليات إبادة جماعية وأعمال تعذيب شنيعة واغتصاب ومذابح ونـزوح جماعي وغيرها. ومع ذلك، وفي أغلب الأحيان، كان الإفلات من العقاب بالنسبة لمرتكبي تلك الجرائم هو الظاهرة الأكثر شيوعا.

يعني الإفلات من العقاب من الناحية القانونية "غياب العقوبة عند خرق قاعدة من قواعد القانون الجنائي"، ويمكن تعريفه بشكل أدق، هو "غياب حق أو فعل يرتب المسؤولية الجنائية للفاعلين المنتهكين لحقوق الإنسان، وكذا المسؤولية المدنية والإدارية والأخلاقية، وهذا يجعلهم يفرون من كل تحقيق يمكن أن يضعهم محط اتهام، إيقاف أو إصدار حكم قضائي، ورغم حصول الفاعل المتهم، وحصول ضرر للضحايا". فالإفلات من العقاب يمكن اعتباره في حد ذاته انتهاكا مضاعفا لحقوق الإنسان، فهو يحرم الضحايا وأقاربهم من الحق في إقرار الحقيقة والاعتراف بها، والحق في إقرار العدالة، والحق في الإنصاف الفعال والتعويض، وهو يطيل أمد الأذى الأصلي الذي لحق بالضحية من خلال السعي لإنكار وقوعه، وفي هذا انتهاك آخر لكرامة الضحية وإنسانيته.

في الحقيقة، أن مثل هذه الانتهاكات لن تؤثّر على الضحايا المباشرين وحسب، بل على المجتمع ككلّ، وبالتالي، فمن واجب المجتمع أن يضمن، بالإضافة إلى معاقبة مرتكبيها ومعرفة الحقيقة والتعويض عن الأضرار التي لحقت بالضحايا، عدم تكرار تلك الانتهاكات في المستقبل من خلال بناء قاعدة الشرعية القانونية والدستورية القائمة على أساس احترام قيم ومبادئ حقوق الإنسان وحرياته وكرامته.

توصل العالم إلى معالجات لتلك المشكلات عن طريق ما يُعرف بمفهوم "العدالة الانتقالية" وهي مفهوم متداول على نحو واسع في أيامنا هذه. والعدالة الانتقالية عبارة عن آلية تتيح تحولا انتقاليا من جهاز استبدادي لا يوجد فيه حكم للقانون إلى نظام ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، والأهداف المعلنة للعدالة الانتقالية هي، في آن ً معا، إعادة الكرامة للضحايا، وبناء الثقة بين الجماعات المتحاربة، وتعزيز التغيرات على مستوى المؤسسات التي يقتضيها تحقيق علاقات جديدة بين السكان، من أجل مواكبة حكم القانون، ودون إقرار الممارسات التي ترقى إلى الإفلات الكلي أو الجزئي من العقاب. وتضم الإجراءات المتعددة التي تشكل العدالة الانتقالية في العادة إجراءات "شافية" لعدالة تصالحية (لجان الحقيقة والمصالحة) مع نظام مواز لعدالة جزائية على الأخص بالنسبة لأولئك المسئولين بشكل رئيس عن الجرائم الأكثر جسامة، وأولئك الذين ارتكبوها.

فضلا عن ذلك، فان ترتيبات العدالة الانتقالية تقضي بإصلاح المؤسسات، وذلك بإعادة العبرة لسيادة القانون، والتأكد من أن الهيئات القضائية جاهزة للقيام بدورها مستقبلا. وفي الوقت عينه، العمل على ضمان عدم إفلات مرتكبي الجرائم المرتكبة خلال العهد السابق من العقاب. لذلك، فالعدالة الانتقالية تسعى لتحقيق أهداف متعددة في أوضاع ما بعد النزاعات التي يواجه فيها من هم في الحكومة احتياجات أخرى ملحة، كنزع سلاح القوات المقاتلة، وتحسين أمن المدنيين، وتعويض الضحايا، وإنعاش اقتصاد مجتمع مدمر.

يقول "مارك فرميان Mark Freeman" تركز العدالة الانتقالية على مسألة الطريقة التي تعالج فيها المجتمعات التي هي في حالة انتقال من حكم استبدادي إلى ديمقراطية قصة الانتهاك الجسيم لحقوق الإنسان، وهي معنية أساسا بانتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة المعروفة كالتعذيب، والإعدام دون محاكمة، والاختفاء القسري، والرق، والاحتجاز التعسفي لفترات طويلة، وكذلك "جرائم دولية" معينة بما في ذلك الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، والانتهاكات الجسيمة للقوانين والأعراف المنطبقة في النزاعات المسلحة، سواء أكانت ذات طابع وطني أم دولي.

ومن خلال هذا المفهوم، يمكن تعريف العدالة الانتقالية بأنها: مجموعة كاملة من العمليات والآليات "القضائية والقانونية والسياسية والدستورية" المرتبطة بمحاولة الدولة والمجتمع للتوصل إلى وفاق، للتعامل مع الإرث الكبير من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي حدثت في الماضي، والتي يمكن أن تسن في مرحلة تحول سياسي بين فترة عنف شديد وقمع وانتهاكات جسيمة إلى فترة استقرار سياسي.

وقد عرفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها:(كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة وتحقيق المصالحة، وقد تشمل هذه الآليات القضائية وغير القضائية على السواء، مع تفاوت المشاركة الدولية (أو عدم وجودها مطلقاً) محاكمات الأفراد، والتعويض، وتقصي الحقائق، والإصلاح الدستوري، وفحص السجل الشخصي للكشف عن التجاوزات أو الفصل أو اقترانهما معاً).

من الناحية الدولية، لعل الجهة المسئولة عـن مـوضـوع الـعـدالـة الانتقالية، هـي مفوضية الأمـم المتحدة لحقوق الإنسان. وقد أشـارت نافانيتيم بيلاي، مفوضية الأمـم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، إلى أن مساعي الـعـدالـة الانتقالية يجب أن تقوم على حقوق الإنـسـان، وأن ّ تـركـز على نحو متسق على حقوق وحاجات الضحايا وأسرهم، وعلى ضرورة إجراء حوار وطني، فالأشخاص الذين تضرروا مـن ّجـراء أفـعـال القمع أو الـنـزاع فـي الماضي يحتاجون إلـى التعبير عـن آرائـهـم بحرية ليتسنى لبرنامج العدالة الانتقالية أن يراعي تجاربهم ويحدد حاجاتهم واستحقاقاتهم.

إذا، وبحسب مبادئ شكاغو فان العناصر الأساسية لعدالة ما بعد النزاعات، تتلخص بسبعة مبادئ، هي (محاكمة المرتكبين واحـتـرام الحق في الحقيقة والاعـتـراف بالوضع الخاص للضحايا، واعتماد سياسة التنحية (العزل) ودعـم البرامج الرسمية والمبادرات الشعبية لتخليد ذكرى الضحايا، ودعم الإجراءات والوسائل التقليدية والأهلية والدينية في التعاطي مع الانتهاكات الـسـابـقـة والـمـشـاركـة بــالإصــلاح الـمـؤسـسـي لـدعـم سـيـادة الـقـانـون والـحـقـوق الأسـاسـيـة والـحـكـم الرشيد) من خلال تصميم استراتيجيات تستند إلى التطور الاجتماعي والثقافي والتاريخي السياسي المحلي، والتأكيد أن هذا البناء هو جزء من عملية معقدة ومتعددة الأوجه، تحتاج إلى رؤية واحترام طويل الأمد.

هذا يعني، بالمحصلة النهائية، أن أهداف العدالة الانتقالية تتجسد في الآتي:

1ـ تحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان وإيجاد بديل عن وسائل الانتقام التي من شأنها أن تفاقم حدة النزاع والخلاف بين مكونات المجتمع؛

2ـ مساءلة الجناة ومحاسبتهم عن الجرائم التي ارتكبوها بحق الشعب بغض النظر عن انتماءاتهم ومناصبهم وتقديمهم للمحاكمات العادلة التي تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان؛

3ـ تقديم الحقائق عن تصرفات الجناة والتجارب التي مر بها الضحايا؛

4ـ استرداد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والمساهمة في دعم وشرعية القانون والمؤسسات الديمقراطية من خلال آليات شفافة ومتنوعة وشاملة تمنع وقوع مثل هذه الانتهاكات في المستقبل؛

5ـ تعويض كافة الضحايا وتمكينهم من التعافي بعد ما تعرضوا له من عنف وقمع واضطهاد واستبداد؛

6ـ ضمان عدم تكرار هذه الانتهاكات في المستقبل؛

7ـ الترويج للمصالحة الفردية والوطنية وإحقاق السلام المستدام في المجتمع محل الصراعات، وتحديد ودعم الهياكل التي تسهم في تقوية وترسيخ السلم الأهلي من أجل تجنب الارتداد إلى حالة الصراع.

..........................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...

هـ/7712421188+964
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0