الكثير من الناس يخالفون القوانين والأنظمة... سواء كانوا في البيت، أم في مكان العمل، وسواء كانوا في المدرسة، أم في الجامعة، وفي السوق، أم في الشارع، وفي الملعب، أم في حديقة، وفي المدينة أم في الريف، وفي الحاضرة أم في البادية. أم في أي مكان يحلون فيه.

ولكن القليل جدا من الناس هم من يطبقون القوانين والأنظمة...سواء كان ذلك بمحض إرادتهم أم رغما عنهم. وتكثر ظاهرة مخالفة القوانين في البلاد الإسلامية أكثر من غيرها على وجه التحديد!

والسؤال هنا لماذا يخالف الناس أو أكثرهم القوانين والأنظمة... ولا يلتزمون بها، مع أنها مشرعة لحماية مصالحهم ومنافعهم؟ ولماذا لا يطبقونها إلا بفرض عقوبات مالية أو جزائية؟ هل يمكن أن تعيش البلدان بأمن واستقرار -مع زيادة هائلة في أعداد سكانها- من دون قوانين وأنظمة، تحكمها وتنظم علاقات أفراد المجتمع فيها، مع السلطة من جهة، ومع بعضهم البعض من جهة ثانية؟

في الواقع؛ ليس هناك سبب محدد لمخالفة الناس -لاسيما المسلمون منهم- للقوانين والأنظمة في بلادهم، وليس هناك تفسير واحد لتلك المخالفات، والأمر يختلف من دولة إلى دولة، ومن ولاية إلى ولاية.

ولكن يمكن القول إن هناك أربعة أسباب رئيسة لمخالفة الناس القوانين والأنظمة:

الأول؛ أن القوانين تحد من حرية الناس. والثاني؛ أن القوانين مفروضة على الناس بالقوة. والثالث؛ أن القوانين لا تطبق على الجميع، بل تطبق على بعضهم، ولا تطبق على البعض الآخر. والرابع؛ خلو القوانين من مبدأ العقاب والثواب.

أما السبب الأول؛ وهو أن القوانين تحد من حرية الناس، فهناك من يرى أن الناس إنما يخالفون القوانين والأنظمة، ذلك لأنها تتناقض مع الحريات العامة الممنوحة لهم من الله تعالى، فالأصل في الإنسان الحرية. فمن حق الإنسان أن يسافر أينما شاء، أو يقيم حيثما أراد، وأن يتاجر ويكتسـب المال، وأن يزرع وأنّ يعمر، وأن يحوز المباحات حسـب ما يسمح به الشرع... حيث أن الله سـبحانه وتعالى خلق الأرض وما فيها للإنسـان لكي يعمرهـا دون خصوصيـة لأحد أو احتـكار من أحد، بل للـكل الحق والحرية في أن يتـصرف في هذه الأرض بالإعمار أو الاستثمار أو الزراعة أو الإقامة أو السفر دون أن يعارضه أحد أو يسلب منه هذا الحق أحد.

والقوانين اليوم- لاسيما في بلادنا الإسلامية- لا تلتزم هذا الأصل، بل جعلته فرعا صغيرا في قبال القيود التي تفرضها السلطة على الناس، والناس لا يملكون إلا أن يخالفوها. فالقانون يقول لا تسافر إلا بوثيقة سفر، ويقول لا تفتح دكانا إلا برخصة، ولا تتزوج إلا بإجازة، ولا تستورد إلا بمكوس وعشور، ولا تصدر إلا برسوم، ولا تستولي على الأرض إلا بالشراء من الدولة، ولا تحز المباحات إلا بموافقته، ولا تحج إلا حسب المقرر، وهكذا، ولا، ولا، ولا....) مع أن الإنسان في الأصل حر في سفره وفي إقامته، وفي فتح محله ودكانه، وتزويجه وتزوجه، واستيراده وتصديره، واستيلائه على الأرض وحيازته المباحات، وسفره إلى الحج أو إلى أي بلد شاء، كما هو حر في إقامته ودرسه وطبعه كتبه وإبدائه رأيه إلى غيرها وغيرها.

نعم إن الحرية أصل أصيل في الإسلام، وهذا أمر مفروغ منه، وإن الإنسان حر، في تصرفاته، وفي معاملاته، وفي علاقاته، لكن هذه الحرية مشروطة بشروط منها ألا يكون ما يقوم به الإنسان المسلم محرما شرعا، فللإنسـان الحق في أن يختار أي شيء، أو يقـول أي كلام، أو يفعل أي فعل أو ما أشبه، حسب إرادته، كما تقرر ذلك في العقل والشرع. ولكن ليس بمقدوره أن يقوم بما حرم الله تعالى، أي أن الأصل في الإسلام هي الإباحة والحرية، والمحرمات استثناء من قاعدة الإباحة والحرية، وهي وجدت لضرورة ما اقرها الشارع المقدس. ومنها أن حرية أي واحد منا محكومة بالمصلحة الإنسانية، أي بمصلحة الناس الآخرين، بمعنى لا يجوز أن يقوم الإنسان بأعمال يتأذى منها الآخرون أو يتضرر منها الآخرون، تحت حجة الحرية، بل تقف حريتنا عند بدء حرية الآخرين كما قال الحكماء.

أي أن حريتنا مقيدة بقيد عدم الإضرار بحرية الآخرين أو بحقوق الآخرين وإلا تحولت إلى اعتداء على حرية الآخرين وعلى حقوق الآخرين. يقول الامام السيد محمد الشيرازي إن (الالتزام بالنظام العادل والقانون العادل لا يعد سلبا للحرية بقدر ما يعد تنظيما للحريات تماما كإشارات المرور، فالذي يلتزم السير الصحيح، ويتقيد بأنظمة المرور لا يعد مسلوب الحرية، بل يكون محل ثناء ومدح، لأنه فهم أن الحرية تعني المسؤولية، والإنسان غير الحر هو غير مسؤول. كما أنك لا تستطيع أن تصف الإنسان الذي يتصرف بغير مسؤولية بأنه حر، وعلى وفق هذا التصور تأتي المحرمات والقوانين التشريعية المقيدة في الإسلام لكي تنظم معاش الناس ومعادهم، وتحفظ حقوقهم، وتصون كرامتهم، وتحقق إنسانيتهم..)، لذا من المهم معالجة هذا السبب بالتقليل من القوانين إلى حد الضرورة وترك المجال واسعا للناس ليتصرفوا بحرية مطلقة ومسؤولة.

وأما السبب الثاني، وهو أن القوانين والأنظمة في العديد من البلدان مفروضة على الناس بالقوة، وما يفرض بالقوة إلا يطاع إلا بالقوة. فهناك من يرى أن الناس لا يطبقون القوانين والأنظمة لأنها مفروضة عليهم بالقوة، وليست نابعة من ذاتهم وأفكارهم وعقائدهم، ولم يساهموا بوضعها وتشريعها، فالناس في العادة لا يلتزمون بقوانين وأنظمة تخالف اعتقاداتهم ودياناتهم ومذاهبهم، فلا يتقيد الناس على سبيل المثال بعدم الذهاب إلى زيارة قبور أولياءهم، ولا يتقيدون بأي تشريع مهما كانت صرامته مازالت طقوسهم الدينية تجيز لهم ذلك. ولا يدفع الناس أموالا للحكومة بعنوان ضريبة أو رسم ما لم تذهب تلك الأموال إلى تحقيق منافع أخرى لهم، مثل: بناء المدارس أو إنشاء المستشفيات، وغيرها من المصالح.

يرى الإمام الشيرازي (إن القانون إذا لم يكن نابعا عن روح الناس واحترامهم العميق من جهة كونه نابعا عن دينهم ومعتقدهم، أو من جهة أنهم وضعوه بملء إرادتهم واختيارهم الحر يهرب الناس منه ما وجدوا إلى ذلك سبيلا، وسياسة التجهيل والخداع والتضليل والدعاية لا تتمكن إقناع الناس باحترام القانون المزيف. ولذا نجد في بلاد الإسلام أن القانون أهون من النفايات، لا لأن الناس لا يلتزمون بالقانون فحسب، بل نفس الموظفين يسحقون القانون لارتشاء أو واسطة، وبذلك لا تتمكن الحكومة من السير بالأمة إلى الأمام وليست لها محبوبية حتى بقدر أنملة، فاللازم أن يكون القانون في بلاد الإسلام طبق الإسلام، وفي القانون الإسلامي حريات كثيرة لم يحلم بها حتى الغرب في أوج عظمته).

وأما السبب الثالث، وهو أن القوانين لا تطبق على الجميع، بل تطبق على بعضهم، ولا تطبق على البعض الآخر. فهناك من يرى أن القوانين والأنظمة في بعض البلاد الإسلامية لا تستهدف الجميع بل تستهدف فئة الناس العاديين، وتطبق عليهم فقط، أما الناس المسؤولون والأغنياء وأصحاب العلاقات الواسعة فهم دائما لا يخضعون للقوانين.

وعليه؛ فالناس لما يرون ذلك فإنهم يخالفون القوانين ولا يتقيدون بها، وكلما وجدوا مهربا منها هربوا، فكما أن بعض المسؤولين في الدولة لا يخضعون للضرائب فإنهم يحاولون أن لا يدفعوا الضرائب، ولو بدفع رشوة للموظفين، وكما أن المسؤولين لا يلتزمون بنظام المرور عند مرور مواكبهم فان الناس البسطاء لا يتقيدون بقانون المرور، وكما أن المسؤولين يسكنون في بيوت الدولة، ولا يدفعون أجرة عنها، فالناس أيضا يبنون في أرض الدولة، ولا يدفعون أجرة عنها. وكما أن بعض المسؤولين يستغلون مناصبهم لتحقيق مصالحهم الشخصية فان الموظفين العادين أيضا يستغلون وظيفتهم، ويضيقون على الناس من أجل الحصول على أموال غير مشروعة... وهكذا.

ولكي يطبق الناس القوانين ولا يخالفونها فان على الدولة أن تطبقها على جميع مواطنيها، ولا تستثني أحدا منها، وعليها أن تبدأ من مسؤوليها وكبار موظفيها، فان رأى الناس أن المسؤولين في السلطة وكبارها يطبقون القانون ويلتزمون به، فإنهم سيطبقونه أيضا، ويلتزمون به، لأنه قانون عادل ولا يفرق بينهم.

وأما السبب الرابع؛ فهو خلو الناس من مبدأ العقاب والثواب، فهناك من يرى أن الناس لا يطبقون القوانين بسبب خلوها من مبدأ العقاب والثواب، لأن بعض القوانين إما أن تخلو من مبدأ العقاب والثواب وإما من تتضمن مبدأ العقاب من دون مبدأ الثواب، والناس في العادة بحاجة إلى قوة مادية ومعنوية لكي يلتزمون بالقوانين. وما لم تتوافر هذه القوة في كل قانون لا يتوقع من الناس الالتزام به.

يرى الإمام الشيرازي (أن الثواب والعقاب يتكاملان في تطبيق القانون: فإن القانون إذا لم يكن وراءه رادع لم يمكن تطبيقه، فتضيع المصلحة التي وضع القانون من أجلها، وانّ الردع المترتب على ترك القانون ليس هو المحرك الوحيد إلى الالتزام بالقانون خصوصاً في السر، بل اللازم تزامن القانون مع العوامل النفسية والاجتماعية والحقوقية.. واحتفاظه بالترغيب والثواب من جهة، والردع والعقاب من جهة أخرى.. ولقد كان السر في نجاح الإسلام هذا النجاح الهائل هو أنه جعل لقوانينه احترام الثواب وجعل لها احترام الواقعية حيث أرى الناس فوائد القوانين التي شرّعها لهم.. كما وجعل أيضاً احترام رضا الله سبحانه قال تعالى).

وخلاصة الموضوع، إن الحرية هي الأصل في تصرفات وعلاقات ومعاملات الناس، والقوانين إنما تقيد تلك الحريات لمصلحة عموم الناس ولمصلحة رآها الشارع المقدس في الإسلام، ولكي يلتزم الناس بالقوانين المقيدة لحريتهم فلابد أن تتصف هذه القوانين بمجموعة من الشروط، وأهمها:

1. أن تكون القوانين قليلة، مهما أمكن فإن طبيعة البشر لا تتحمّل القوانين الكثيرة، فيكون تكثير القوانين مدعاة لنقضها وعدم الاعتناء بها.

2. أن تكون القوانين خالية عن القيود والشروط والاستثناءات مهما أمكن.

3. ينبغي أن يشارك الناس في تشريع القوانين والأنظمة، وأن يبدوا آراءهم فيها قبل نفادها، وكلما كانت القوانين تنسجم مع أفكارهم وعقائدهم كانت قابلة للتطبيق العملي.

4. أن يضع القانون لمطلق الناس لا لنسبة خاصة من الناس. ولا تعطى الحقوق لبعض وتسلب من البعض الآخر.

5. أن تطبق القوانين على الجميع فلا يستثنى منها أحد لا مسؤول ولا وجيه ولا غني ولا ميسور...

6. أن تحوي القوانين مبدأ العقاب والثواب معا، فالقوانين ليس لها قيمة عملية عند الناس عندما لا يترتب عليها أثر، سواء عند مخالفتها أو عند تطبيقها.

.....................................

** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات/2009-Ⓒ2019
هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
هـ/7712421188+964
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0