إنسانيات - حقوق

الصحافة ومواجهة التحديات

ألكسندرا بورشاردت

 

أوكسفورد - بعد تعرض الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، المقيم بالولايات المتحدة الأمريكية للتعذيب والقتل بطريقة بشعة، ارتكزت الأنظار على الأمير السعودي محمد بن سلمان الذي يُعتقد على نطاق واسع، أنه هو من أعطى الأوامر بقتله. وتُلقي هذه الجريمة الضوء أيضا على مخاطر مهنة الصحافة. وحسب النتيجة النهائية للإحصائيات، تبين أن عام،2018 ربما قد يكون أخطر عام في تاريخ الصحافيين عبر العالم.

وإن كانت الاعتداءات الجسدية التي يتعرض لها الصحافيون وقحة بشكل يثير الفزع- وجريمة اغتيال خاشقجي قد تكون أكثر جرأة- فمعظم المخاطر التي تواجهها المهنة عادية جدا. ويمكن ملاحظة خمسة منها.

أولا، تشهد المهنة تراجعا في فرص العمل، كما أنها منخفضة الأجر ودائمة المخاطر، ومحدودة الفرص في التطور. وفي الولايات المتحدة مثلا، تراجعت نسبة التوظيف في غرفة الأخبار بنسبة تقارب الربع في أقل من عشر سنوات، بينما انخفضت نسبة التسجيل في معاهد الصحافة المرموقة أكثر في الآونة الأخيرة.

ثانيا، تتنافس التكنولوجيا الضخمة مع منظمات الأخبار في استقطاب المواهب المحدودة. فالصحافة تحتاج إلى أشخاص موهوبين في التكنولوجيا من أجل إنجاز تقارير تحقيقية، والتكيف مع انتقال المهنة إلى المرحلة الرقمية. لكن معظم المهندسين اليوم، يرون مستقبلا زاهرا على منصات شركات مثل فيسبوك وغوغل، التي يمكنها الدفع أكثر، والحماية أكثر، وضمان توازن بين الحياة والعمل أفضل من أكبر المنابر الإعلامية.

رابعا، رغم أن أجور المهنة وامتيازاتها تنخفض، فالضغط على غرفة الأخبار يتزايد. فعندما يلتحق صحفي " مبتدأ" بمنظمة إعلامية اليوم، تصبح القدرة على التحرير بشكل رائع غير كافية؛ إذ ينبغي على الصحفيين الشباب امتلاك مؤهلات السمعي البصري، وقدرات تتعلق بالبيانات الصحفية ودراية بمنصات التواصل الاجتماعي. وقد تساهم هذه العوامل في تحسين المنتوج الإعلامي، لكن لا أحد يتقن كل شيء. وقد يدفع هذا الضغط اللامتناهي بالصحافيين إلى ترك المهنة.

وأخيرا، يؤثر خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يهاجم فيه صحافيين يعملون لدى مؤسسات إعلامية سائدة، ويستهدف فيه من خلال عبارته " أخبار زائفة" مصداقية المهنة نفسها، على هذه الأخيرة. ورغم أن الثقة في الإعلام ارتفعت حسب الدراسة التي أنجزت أخيرا، يهدد تشويه السمعة المستمر لنزاهة الصحفيين وذكائهم باختفاء المهنة.

وترمي هذه التحديات الخمس بثقلها على مهنة الصحافة، مما يشكل خطرا على الديمقراطية نفسها. وبدون إعلام حر ومستقل، لا يمكن للمواطنين اتخاذ قرارات مبنية على دراية مسبقة. وفي واقع الأمر، عندما تغيب الصحافة الاحترافية، غالبا ما يتوه الأشخاص في متاهة أخبار تكون في الغالب غير جذيره بالثقة، أو يسقطون ضحايا لأشخاص أو لدعايات تخدم دوافع ومصالح شخصية. إن الصحافة هي بوصلة الديمقراطية؛ لذا، علينا إعادة معايرتها.

أولا وقبل كل شيء، يحتاج الصحافيون إلى الحماية. وهذا لا يعني فقط ضمان سلامتهم، بل أيضا قدرتهم على الولوج للمعلومات وإنجاز تقارير بشأن الأخبار التي استقصوها دون الخوف من الانتقام منهم. وعلى الأقل، ينبغي التحقيق في جرائم الاعتداء التي تعرض لها صحافيون مثل خاشقجي بشكل كامل، وينبغي محاسبة مرتكبيها وإدانتهم من طرف المجتمع الدولي.

ومع ذلك، ينبغي أن يتعدى دعم وسائل الإعلام معاقبة الأشخاص الذين يجرؤون عل قتل أي صحافي. وعلى سبيل المثال، ينبغي وضع المزيد من البرامج لدعم المواهب الشابة. ويمكن أن تمنح الحكومات دعما ماليا، وراحة ضريبية، وتمويل المبادرات التي تمنح تدريبا في الصحافة والإعلام الجديد. ويحتاج صحفيو المستقبل إلى قدوة يحتذون بها، لكنهم يحتاجون أيضا إلى مهارات تقنية ليصبحوا قدوة هم أنفسهم.

وربما الأهم من كل هذا، هو أن يعمل المدافعون على الإعلام في كل مكان لتعزيز ثقافة الإعلام. وينبغي على متلقي الأخبار أن يدركوا كيف تشتغل الصحافة، وكيف يؤدي الصحافيون مهمتهم، ولماذا تعتبر المنابر الإعلامية الاحترافية مكونا ضروريا لديمقراطية تؤدي وظيفتها بشكل صحيح. وإلى أن يحظى ما ينتجه الصحافيون المحترفون بتقدير شعبي، سيصبح التحدي الكبير القادم الذي ستواجهه الصحافة هو ندرة المواهب. بل سيصبح أكبر تحدي واجهته في تاريخها.

* ألكسندرا بورشاردت، مديرة برامج القيادة في معهد رويترز لدراسة الصحافة
https://www.project-syndicate.org

...........................
* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0