إنسانيات - حقوق

المثقف وشبح السلفية الداخلي

أنساق ثقافية في اختفاء (جمال خاشقجي)

مجموعة على (واتساب) أو ما يعرف بـ (جروبgroup)، لمجموعة من الشعراء والمثقفين العرب الذين استثمروا قرية الالكترون العالمية التي اختصرت بعد المسافات، فيلتقون يومياً؛ للتعبير عن رؤاهم حول اختصاصاتهم الثقافية والفكرية، ومستجدات المعرفة، وآخر الاصدارات وغيرها من الأمور التي تخص الواقع الذي يمس اهتماماتهم. في هذه المجموعة عراقيون ويمنيون ومصريون وسوريون ولبنانيون وعمانيون، فضلاً عن السعوديين الذين يشكلون النسبة الأكبر من أعضاء هذا الجروب على اعتبار أن صاحب الفكرة، ومؤسس المجموعة أديب سعودي. كل هؤلاء يتحاورون في شؤون الثقافة والآداب والفنون، ولديهم هاجس الارتقاء بوعي مجتمعاتهم، وكل هذه التطلعات مقبولة ورائعة، وتعتبر في صميم واجب المبدع الذي ينبغي له أن يقترب بمنجزه الإبداعي من هموم الإنسانية بشكل عام، وهموم مجتمعه الذي يعيش فيه بشكل خاص.

لحد هذه اللحظة؛ الكلام طبيعي ولا جديد يُذكر فيه، لكن هل صحيح أن المثقف، أو العضو في هذا الجروب الالكتروني على نحو التخصيص يمارس دوره الثقافي بحرية؟ هل يقول رأيه بحرية؟ وهو انعكاس لأكثر من 70% من مثقفي البلدان العربية؟

أراد أحد الشعراء اليمنيين أن يناقش مع الأصدقاء السعوديين قضية اختفاء الاعلامي السعودي (جمال خاشقجي) باعتبارها القضية الأسخن على مستوى الرأي العام العربي والعالمي. وأبدى الشاعر اليمني إعجابه ببعض الطروحات الفكرية الجريئة للاعلامي المختفي، فما الذي حدث؟

لم يجب أي مثقف سعودي أو يتفاعل مع فكرة النقاش التي اقترحها الشاعر اليمني، وكأنه يتحدث إلى جدران مكممة الأفواه، بينما صدر رد فعل واحد لسعودي أكد فيه أن الجروب هو لمناقشة الثقافة والفنون الآداب ولا نريد ولانريد أن تكون لنا نقاشات جانبية!

هل صار الحديث عن اختفاء كاتب، والسؤال عن مصيره وحياته، ومناقشة منجزه حديثاً جانبياً ليس مطلوباً من المثقفين الآخرين الخوض فيه؟

يبدو أن الشبح الداخلي للمنظومة (السلفية)؛ مازال يعمل بكل أريحية في دواخل المثقفين الذين يعلمون كيف ولماذا اختفى (جمال خاشقجي)، لكنهم يريدون اجتناب الخوض في حديث يكشف الوجه الجديد للميكيافيلية التي أضيفت لها نكهة التوابل الصحراوية، فليس المهم من وجهة نظر الميكيافيلية أن يحب الناس القائد، بل المهم تقديم فروض الطاعة له وهم صاغرون خائفون من بطشه، بعد ان اتضحت الملامح الحقيقية التي كشفت عن اجراءات انفتاحية ظاهرية في مقابل عدم الحديث أو ربما التفكير في جدوى هذه الاجراءات وإلا فإن اليد الاستخبارية قادرة لأن تصل وما الوصول إلى (جمال خاشقجي) إلا دليل عملي على امتداد هذه اليد.

هذه الطريقة "الثقافية" في الهروب من أي حوار يزعج السلطات حتى وإن كان حواراً مغلقاً ومستوراً بجدار مجموعة الكترونية، قد يرسخ حالة التبعية التي يمارسها المثقف، والتي تبدأ بشكل ضئيل وتتدحرج مثل كرة الثلج لتكبر.

والغريب أن هؤلاء يؤكدون في أكثر المناسبات الثقافية ــ طبعاً مناسبات لا علاقة لها بالسلطة ــ أنهم حداثوين متماهون مع كل حركة إبداعية تجديدية، بل ويباهون بعلمانيتهم وليبراليتهم التي يصدرون من خلالها أفكارهم ورؤاهم. ولا نعرف أين تختفي العلمانية والليبرالية حين يتعلق الأمر بحقوق الإنسان، وكرامته وقيمته؟ يبدو أن الليبرالية أو العلمانية المتبناة من قبل هذا الرهط الثقافي؛ تقتصر فقط على حقول الشعر والرواية والفن التشكيلي، وهذا في حد ذاته نكوص ثقافي كبير يتمثل في نقطة التقاء غريبة فعلاً بين خط السلفية وخط العلمانية.

وتنشطر نقطة الالتقاء هذه لتكون مسارات كثيرة مشتركة بين الخطين المتناقضين أصلاً على صعيد الفكرة والسلوك. وأهم شيء تنشطر به نقطة الالتقاء هو عملية الوصاية، وفرض الفكرة بالقوة، فكثيراً ما نشاهد ذلك التعالي غير المبرر للمثقف العلماني على البسطاء من أبناء مجتمعه، عادَّاً إياهم لا يفهمون شيئاً، وأن ما يتبناه هو الطريق الذي يكفل لهم السعادة والرقي، في الوقت الذي يغيب فيه الرقي، وتغيب السعادة عنه وعن عائلته التي تراه معزولاً عنها!

وبنفس السياق، مع أفضلية الاتكاء على نصوص دينية محرفة؛ يشتغل المثقف السلفي الذي يمكن له أن يتحدث في كل شيء، باستثناء مايزعج الحاكم؛ لأن نصَّاً فقهياً يُلزمه بضرورة تقديم فروض الطاعة والولاء للحاكم حتى مع ثبوت كونه منحرفاً أو فاسداً، طاغياً أو ديكتاتوراً.

وثمة مسار آخر تلتقي فيه السلفية ــ ثقافياً ــ مع العلمانية، وهو مسار يجمع بين التنكر للديموقراطية بوصفها تعاكس (التشريعات)، وبين من يراها منقوصة في حال كفلت الحريات الدينية، وممارسة الناس لشعائرهم العقائدية؛ لأن هذه الممارسات تبين الحضور الفعلي للقيمة الروحية داخل النفسية البشرية، وهو الحضور الذي تعمل على نسفه وإلغائه الحركات الليبرالية والعلمانية منذ عقود دون جدوى.

هذا التلاقي الثنائي السلفي/ العلماني، ومن بوابة السلوك الثقافي والفكري؛ تجسد فعلياً في قضية اختفاء الكاتب السعودي (جمال خاشقجي)، لدرجة الحذر والخوف الشديدين من مناقشة الموضوع حتى داخل (جروب) إلكتروني، لتختفي بذلك كل أطروحات النقد الثقافي التي بدت وكأنها زجاج شعاراتي لا أكثر، خصوصاً وأن الكاتب (المختفي) لم يكن معارضاً علنياً وصريحاً لسلطات بلاده، كل مافعله أنه طالب بمزيد من حرية التعبير في بلاده، فكيف الحال لو كان من المعارضين الصريحين للسلطات؟

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

2