بعد أن بدأت ملامح المدنيّة بالظهور في مدن العراق الرئيسية، كبغداد والبصرة، نتيجة التحاق العراق بالحداثة على خلفية الاستعمار البريطاني، الذي انهى قرونا ثقيلة من الحكم العثماني، اخذت اعين الناس تتجه نحو تلك المدن، التي شهدت نشاطا تجاريا وصناعيا واضحا، استقطب الآلاف من العمالة، وخلق واقعا حياتيا جديدا، ابهر الكثيرين من سكان الارياف ودفعهم للبحث عن فرص للعيش هناك، اذ بخلاف المدن التي تسكنها القلة من الشعب، ظل الريف العراقي الذي تقطنه الغالبية العظمى، رازحا تحت نير الاقطاع، حيث التخلف والقهر والجوع والامراض، ولم تقم الحكومات المتعاقبة طيلة اربعة عقود تقريبا، بمبادرة حقيقية لانتشال الناس من واقعهم المزري هذا، واستمر وكأنه قدرهم الذي لم يجدوا وسيلة للتمرد عليه سوى الهجرة الى المدن الكبيرة - وتحديدا بغداد والبصرة - التي تزاحمت عند اطرافها عشوائيات الهاربين من جور ابناء جلدتهم.

بعد نجاح الجيش في اسقاط النظام الملكي في العام 1958 شهد العراق ثورة شعبية عارمة، كانت مادتها الاولى، التي اعطتها زخما كبيرا وأسهمت في شرعنتها، هم هؤلاء الفقراء من الوافدين اضافة الى المهمشين من ابناء المدن نفسها، ولعل هذه المسألة تغيب عن اذهان الكثيرين ممن يختلفون في شرعية ثورة تموز وضرورتها، او الموقف منها كحدث مفصلي في تاريخ العراق الحديث.

تواجه اوروبا اليوم، موجات كبيرة غير مسبوقة من المهاجرين غير الشرعيين، الذين يخاطرون بحياتهم بغية الوصول الى الجانب الآخر من البحر الابيض المتوسط، الذي ابتلع الآلاف منهم، ولم تتوقف هذه الموجات، بالرغم من الاجراءات التي تتخذها سلطات دول الاتحاد الاوروبي، حتى سمي اخيرا بـ(القبر الابيض المتوسط)، لكثرة الغارقين فيه، ممن لم يسعفهم الحظ في الوصول الى حلم الحياة التي جفت وراءهم وبات الموت والحياة سيّان في بلدانهم.

تقول التقارير ان اغلب هؤلاء المهاجرين غير الشرعيين، يأتون من افريقيا او من سوريا وليبيا والعراق، اي من الدول الفقيرة او التي تشهد حروبا اهلية ونزاعات داخلية، صحّرت بلدانهم ودفعتهم الى الهجرة والهرب الى اوروبا او اميركا، إن تمكنوا من الوصول اليها لاحقا، وقد ظلت المعالجات ذات طابع اجرائي، تبدأ من البحر الذي تراقبه سفن خفر السواحل او عند الضفاف الاخرى للمتوسط، حيث يجري تجميع الناجين او الملقى القبض عليهم لاتخاذ الاجراءات القانونية بحقهم!.

لا شك ان ظروفا قاسية دفعت بهؤلاء الناس الى هذا الخيار المرير، وهي بالتأكيد من افرازات هيمنة الرأسمالية المتوحشة التي احكمت قبضتها على العالم، وسعيها المتواصل لتكريس مبدأ اللاعدالة الاجتماعية بين الشعوب، لهيمنتها وامساكها بعصب الاقتصاد العالمي، ومن ثم تحكمها سياسيا واقتصاديا بمصائر شعوب الدول الضعيفة، فنراها تثير الحروب والنزاعات هنا وهناك، لتحقيق اهداف اقتصادية وسياسية مشروعة وغير مشروعة، ضحاياها الناس الضعفاء دائما، ممن يتلهى الاعلام المعولم بعرض اجسادهم الممزقة ليدين هذا الطرف وينتصر لذاك، وفقا لمتطلبات اللعبة الكبيرة، التي لا ندري أين ستنتهي بنا!.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0