أقام مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات حلقته النقاشية الشهرية عن" تأثير تعدد التشريعات على حقوق الإنسان" لمناقشة كثرة تشريع القوانين وتعارضها وتقاطعها.

 قدم رئيس الجلسة الدكتور علاء الحسيني نبذة موجزة عن تاريخ التشريعات في العراق، وقال: إن كثرة التشريعات والقوانين وتعارضها تؤثر على كرامة الإنسان العراقي، وبين إن الدولة العراقية منذ نشأتها شهدت الكثير من التشريعات، والسلطة التشريعية كانت تتمثل بالملك، وبعد ذلك حصلت تغيرات في عامي 63 و65 حيث جاء مجلس قيادة الثورة المنحل الذي أتخم الدستور العراقي بآلاف التشريعات، وتلك التشريعات سمتها الأساسية كانت مصادرة حريات هذا الشعب وترسيخ إلوهية الحاكم. وبعد عام 2003 كان المؤمل من البرلمان العراقي أن يعيد النظر بحزمة من تلك القوانين ومنها قانون الانتخابات وقوانين تخص حقوق الناس وحرياتهم وكان ينبغي إن يعطى دور اكبر لمجلس شورى الدولة وتصبح استشارته واجبه.

الأسباب والآثار السلبية لكثرة التشريعات

 المحور الأول تناوله الأستاذ المساعد الدكتور عبد الرسول عبد الرضا من جامعة بابل، وقال فيه إن ضعف التشريعات العراقية يثير عدة إشكاليات، الأولى إنها تفضي إلى تاريخ التشريعات ذات الفئة الواحدة وهناك تنازع من حيث الزمان والإشكالية، الثانية هي صدور عدة قوانين من عدة جهات مما يجعلها في تنازع وبينها قانون الاستثمار الذي صدر عام 2006 وبعد نفاذه صدر تعديله 2015 من الاحتفاظ بالأرض إلى تملك الأرض للمستثمر الأجنبي. ولكن تنفيذ هذا القانون يواجه صعوبة في التنفيذ بسبب تقاطعه مع قوانين أخرى مثل قانون الإصلاح الزراعي. فضلا عن ان مضي فترة طويلة على التشريع بدون تنفيذ أدى إلى ضياع فرص لحقوق الإنسان في مجال العمل وتحسين المستوى المعاشي. والإشكالية الثانية هي افتقار القوانين الصادرة لآليات تنفيذها وتطبيقها.

وأضاف عبد الرسول، إن الإشكالية الأخرى هي بقاء تشريعات قديمة مع إصدار تشريعات جديدة تنظم أوضاع قريبة، ومثال على ذلك قانون حفظ الوثائق رقم 70 لعام 83. فضلا عن عدم التوازن بين التشريعات الموضوعية والإجرائية.

 وأشار إلى وجود تناقض وتضارب في نصوص بعض القوانين. وختم حديثه قائلا إن ظاهرة الاستكثار من التشريعات من قبل السلطة التشريعية يخلق منظومة قانونية مربكة للقضاء والإدارة ويقلل من فرص استفادة الأفراد من الحقوق التي تتضمنها ويمكن ضياعها لان ورود حقوق في أكثر من قانون يقلل الحماية المقصودة ويجعلها غامضة على الجهة المنفذة والنتيجة سيؤدي هذا الوضع إلى إفراغ حقوق الإنسان من محتواه.

 أثر كثرة التشريعات على حقوق الإنسان وكيفية معالجتها

 المحور الثاني، قدمه الحقوقي احمد جابر صالح، وقال فيه: إن الهدف الأسمى للقوانين هو حماية حقوق الإنسان وحرياته فان انعدمت عمت الفوضى وان كثرت زادت العراقيل والعقبات. وعلى هذا الأساس يجب أن يكون هناك تناسب في وجود القوانين مع احتياجات المجتمع.

وأوضح صالح، إن كثرة القوانين وتراكمها يرجع إلى عدة عوامل منها ازدياد الترابط والتداخل بين أنماط الحياة وتغيير النظام السياسي للدولة مع وجود فساد في المجتمع إضافة إلى الصراعات السياسية والطموحات الشخصية للسياسيين.

 مبيناً النتائج التي تترتب على كثرة التشريعات وهي التناقض التشريعي ولا سبيل أمام المشرع العراقي إلا قيامة برفع هذه التناقضات، ويذكر إن كثرة هذه التناقضات تضع العقبات والعراقيل أمام الازدهار الاقتصادي في الدولة. وكذلك تؤدي إلى شخصنة القوانين وبروز المصلحة الخاصة والمنافع الشخصية على الكثير من القوانين.

 وعن أهم المعالجات والمقترحات قال: وجود منهج علمي وتقييم دقيق للتبعات المحتملة من جراء تطبيق القوانين، وترشيد تطبيق القوانين القائمة وذلك بإلغاء القوانين التي لم نعد بحاجة لها من قبل السلطة التشريعية.

من جهته، قال احمد جويد مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات: إن مسألة التشريعات الكثيرة أصابت الدولة العراقية بتخمة القوانين، وبالتالي أصبح القيود كثيرة على الأفراد والمؤسسات، وأصبح المواطن العراقي شبه عاجز إذ لا يعرف ماله وما عليه، لاسيما وان الكثير من القائمين على القوانين لا يفقهونها، كالقوانين المتعلقة بالسكن والضمان الصحي والاجتماعي أو التي تتعلق بحرية العمل والسفر وإنشاء مؤسسات أو شركات وغيرها من القوانين، مشيرا إلى أن هناك اجتهادات شخصية وبالتالي إضاعة القانون بين الناسخ والمنسوخ والسبب يعود في ذلك إلى الإرباك الذي يمر به المشرع العراقي. وعليه نحن بحاجة إلى إعادة النظر في كثير من القوانين النافذة، ودعا جويد إلى الاستغناء عن عدد منها.

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات والبحوث بين أيضاً، إن قضية التشريعات العراقية هي المشكلة الأساسية في العراق مما أدت إلى تعطيل الحياة، لافتا إلى بعض التناقضات والتي تتمثل في أن القوانين المعمول بها حاليا في العراق سنت في ظل نظام دكتاتوري ومازالت تطبق في نظام ديمقراطي وهنا تكمن المشكلة محملا المسؤولية على مجلس النواب العراقي، مضيفا نحن بحاجة إلى زج المسؤولين المحليين في ورش عمل قبل نقل الصلاحيات من حكومة المركز إلى الحكومات المحلية.

 كما تداخل الخبير القانوني جاسم الشمري مبيناً، إن المشرع القانوني وخلال السنوات الماضية اثبت عدم قدرته على سن القوانين التي تخدم المواطن، وأضاف أن القوانين بحاجة إلى مراجعة بصورة شاملة وإجراء تعديلات بما يتلاءم مع الوضع القائم، مؤكدا على ضرورة تشكيل لجان مختصة في الوزارات لكي تقرر ما تحتاج تشريعه من قوانين تخص الوزارة.

 الباحث باسم عبد عون من مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية قال: أرى إن الحلقة أخذت الجانب القانوني فقط ولم تتطرق إلى حقوق الإنسان العراقي في السكن والعمل والتعليم والصحة ونظافة البيئة وغيرها، والمشكلة تكمن في تطبيق تلك القوانين ليس في تشريعها، داعيا إلى تطبيق التجربة التشريعية الانكليزية لكونها تتسم بالمرونة وهي على العكس تماما من التشريعات العراقية.

الشيخ مرتضى معاش قال: إن كثرة القوانين دليل على عدم تطبيق القوانين حيث تؤدي هذه الكثرة إلى قمع المواطن نفسه وليس حماية حرياته وحقوقه التي تمثل جوهر وفلسفة تشريع القانون، فعلى سبيل المثال ما يطلب من المواطن في حال مراجعته لإحدى الدوائر الحكومية وهي الوثائق الأربعة وكذلك صحة صدور لهذه الوثائق، مبينا أن كثرة القوانين يؤدي إلى التضخم الوظيفي أو البطالة المقنعة.

وأشار معاش إلى إننا إذا أردنا إنجاح الديمقراطية يجب أن نعتمد على مؤسسات تشريعية ناجحة تعمل على إكمال العقد الاجتماعي، مضيفا، نحن بحاجة إلى الحوكمة والنظر الى تشريع القوانين من حيث جدوائيتها وتحقيقها لأهداف حقوق الانسان وكرامته، وكذلك إلى قراءة جذرية للقوانين والأخذ بها نحو اتجاه النزاهة بما يخدم العملية الديمقراطية في البلاد.

وخلص الجميع إلى أنه إذا كان وجود تنوع في التشريعات ظاهرة تتطلبها الحياة والضرورات فان تعددها وتراكمها يفضي إلى جملة إشكاليات منها:

1- إن تنازع التشريعات من نفس الفئة من الناحية الزمانية (التنازع الداخلي) أي صدور عدة قوانين لمعالجة موضوع واحد بشكل متعاقب يجعل المركز القانوني للأفراد متأرجح بين قانونين من حيث السريان.

2- تنازع التشريعات من عدة فئات مكانيا وزمانيا أي صدور قوانين تعالج موضوعات مختلفة وتتناول جانب من حقوق الأفراد، كقانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 وفي ما بعده قام بتعديله في عام 2010 بموجب القانون رقم 2 والذي سمح للمستثمر التملك بعدما سمح له بالاحتفاظ بالأرض. وإن مضي فترة زمنية طويلة بين التشريعين أدى إلى ضياع فرص استثمارية كان بالإمكان أن تقلص من حجم البطالة وهو ما يوفر فرص لحقوق الإنسان في مجال العمل وتحسين المستوى المعاشي. أما من الناحية المكانية فالتنازع ينتج عن غياب التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان بإصدار الحكومتين لقانون الاستثمار الأول اتحادي بالرقم 13 لسنة 2006 والثاني خاص بكردستان رقم 4 لسنة 2006 وهو ما يثير قلق المستثمر ويشكل عامل منفر له وبالنتيجة الإضرار بالمصالح الاقتصادية وحقوق الإنسان.

3- افتقار القوانين الصادرة لأليات تنفيذها وتطبيقها فهي تشكل عبء على الجهة المكلفة بتنفيذها.

4- عدم التوازن بين التشريعات الموضوعية والتشريعات الإجرائية إذ تشهد الأولى ازديادا مطرد، أما محدودية الثانية وثباتها نسبيا من الناحية الكمية، والتي هي معنية بتبيان آليات تنفيذ الأولى وتسهيل إيصال الحقوق لذوي العلاقة.

5- بقاء تشريعات قديمة تنظم أوضاع معينة مع إصدار تشريعات جديدة تنظم أوضاع قريبة منها.

6- وجود تناقض وتضارب في نصوص بعض القوانين.

وأخيرا إن ظاهرة الاستكثار من التشريعات من قبل السلطة التشريعية يخلق منظومة قانونية مربكة للقضاء ولإدارة ويقلل من فرص استفادة الأفراد من الحقوق التي تتضمنها ويمكن ضياعها لان ورود حقوق في أكثر من قانون يقلل الحماية المقصودة ويجعلها غامضة على الجهة المكلفة بتنفيذ أو تطبيق التشريع وبالنتيجة سيفضي هذا الوضع إلى إفراغ حقوق الإنسان من محتواه.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0