تقلب الولاءات يحول العقيدة والمواقف السياسية إلى أدوات للمصلحة الشخصية والخدمة الخارجية حين تغيب الأخلاق والثبات المبدئي، وتغري المناصب والمال والحماية النفوس الضعيفة. فتنشأ شبكات انتهازية تستثمر الدين والقومية والطائفة لتفكيك المجتمع وإضعاف الدولة. ويأتي الخطر الأكبر من متصدرين بلا كفاءة أو ذمة، يحولون الثقافة والقانون والسلطة إلى نفوذ...

إن ظاهرة التحول السياسي والانقلاب العقائدي والفئوي لحساب الخصوم مقابل منافع شخصية ليست حدثًا تاريخيًا مدونًا في صحف التاريخ، بل هي سلوك بشري وسياسي يتكرر عبر الزمن، كلما التقت المصلحة الفردية والشهوة السلطوية بغايات الأعداء الذين يمارسون السياسة الناعمة. وحين نقارن ما حدث تاريخيًا بالواقع العراقي والعربي والإسلامي المعاصر، نجد أن الوسائل النفسية والسياسية هي ذاتها، مع اختلاف أدوات العصر وتسمياته.

إذ كانت الاستمالة وكسب ود المتقلبين بالمال والوجاهة قديمًا تتم عبر الصلات والخلع والمناصب الإقليمية، بينما تُستبدل هذه الوسيلة اليوم بالإغراءات المالية الحديثة، كالحسابات الآمنة في ملاذات الغرب، والتسهيلات الاستثمارية، وتوفير الغطاء السياسي أو الحصانة للشخصيات التي تفتقر إلى الثبات المبدئي، وتجد في تعاونها مع الجهات الخارجية خيارًا يضمن لها المكاسب الخاصة على حساب المصلحة العامة.

كما تتجلى هذه الظاهرة في تدجين العناوين الجماعية، فنحن نرى أحزابًا أو شخصيات برزت في بدايتها تحت شعارات التحرر، أو تحت مظلة الدفاع عن طائفتها ومكونها الاجتماعي، ولكن بعد وصولها إلى السلطة واستقرار مصالحها الذاتية، تحولت هذه العناوين إلى تجارة سياسية، فتراهم يطرحون خطابات حماسية أمام قواعدهم الشعبية، بينما تتوافق ممارساتهم وتفاهماتهم السرية مع أطراف خارجية تضعف بنيان مكونهم الاجتماعي، وتفتته من الداخل.

كذلك يتكرر أسلوب صناعة الخطاب الذي يغذي الصراعات بين أبناء الجماعة الواحدة، عبر تمويل منابر ووسائل إعلام ومراكز نفوذ تدار بأسماء محسوبة على عناوينها القومية أو الدينية أو المذهبية، وهدفها الأساس إذكاء النزاعات الداخلية، وتفكيك الروابط الاجتماعية، وتسفيه المرجعيات والرموز المخلصة، مما يجعل المجتمع مفككًا وسهل الاستيعاب أو التوجيه من قِبل القوى الخارجية.

وتظهر مظاهر هذا الانقلاب في الواقع الحديث من خلال تقديم بعض الشخصيات تنازلات سيادية أو سياسية تجرد بيئتها من عناصر قوتها مقابل ضمان استمرارها في المنصب، أو من خلال استغلال العاطفة المذهبية والمظلومية التاريخية لتغطية عمليات الإثراء الفاحش والفساد، حيث تُستخدم لغة المدافع عن المصلحة العامة أو الدين أو المذهب أو القومية، لتكون مانعًا وحصانة ضد النقد، إلا أن هذه اللغة وهذا النشاط النفعي في حقيقته إضعاف للأمة وتجهيلها وتفقيرها.

إن الانقلاب على الجماعة لصالح الأعداء مقابل منافع شخصية لا يتطلب بالضرورة إعلان تغيير المذهب أو الموقف السياسي صراحة، بل يتحقق بالممارسة العملية عندما تصبح المصلحة الذاتية والمكسب الخاص هما الحاكم الوحيد على السلوك الشخصي لهؤلاء المتقلبين، وتصبح شعارات العقيدة والدين والصالح العام مجرد أداة لتضليل الأمة واستمرار التفرد والتحكم بها. ومثلما كشف التاريخ من خذلوا أمتهم ودينهم وعقيدتهم، فإن التاريخ المعاصر يسجل أيضًا كيف يؤدي انعدام الأخلاق لدى بعض المتصدين إلى تحولهم إلى أدوات بيد الخصوم لتفكيك مجتمعاتهم من الداخل.

أما الذين يزعمون بأنهم من أهل العلم والاختصاص، ولهم المكانة الوظيفية في قيادة الدولة، وأنهم قادة الرأي والفكر والثقافة العامة والخاصة، وأقصد بها الثقافة التخصصية مثل الثقافة القانونية والاقتصادية وغيرها، فعندما نجد أن مقاليد أمور الفكر والعلم والثقافة قد ساقها القدر إليهم، وهم غير أهل لها، وأن ريح الانتهازية تقودهم، فهؤلاء هم المتقلبون الأخطر على المجتمع وعلى البلاد.

وكما وصفهم الشاعر محمد صالح بحر العلوم، الملقب بشاعر الشعب، في قصيدته «خطورة الانتهازيين» التي نظمها عام 1925 بقوله:

الانتهازيون أخطر دائمًا .......... من غيرهم بتلون ورياء

ليسوا من الطبقات بل هم غالبًا ........ فيها لنسف حقائق الأشياء

ليست لهم ذهنية أو ذمة ............... أو أي شيء ثابت السيماء

بل هم أنانيون أنّى أبصروا ............. غُنمًا إليه يسعون دون حياء

وفي الواقع المعاصر تجد هؤلاء قد اعتلوا المناصب، ولا يجهدك البحث عنهم؛ لأنهم كشفوا عن وجههم الانتهازي والانقلابي بكل سفور ووضوح، لكن، وكما قيل في الأمس:

«وسَيَعْلَمُ العَاتُونَ أَيَّ مَضَلَّةٍ ..... صَارُوا إِلَيْهَا، وَالعَوَاقِبُ تُشْهَدُ»

* قاضٍ متقاعد

اضف تعليق