تحرير/ عمر الصالحي

ناقش مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية وضمن نشاطاته الفكرية الشهرية موضوعا حمل عنوان (معاناة الشعوب مابين الدكتاتورية والديمقراطية)، بمشاركة عدد من مدراء المراكز البحثية، وبعض الشخصيات الحقوقية والأكاديمية والإعلامية والصحفية في ملتقى النبأ الأسبوعي الذي يعقد بمقر مؤسسة النبأ للثقافة والإعلام.

قدم الورقة النقاشية وأدار الجلسة الحوارية الدكتور قحطان حسين طاهر أستاذ جامعي وباحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية، وابتدأ حديثه قائلا:

"ان وجود الحكومة في المجتمعات الانسانية هو ضرورة تقتضيها حاجة البشر للتنظيم وضبط مختلف العلاقات والتفاعلات بين الافراد من جهة وبينهم وبين مؤسسات السلطة من جهة اخرى لذلك لا يمكن ان نتصور وجود مجتمع قادر على العيش بسلام بدون وجود حكومة قادرة على القيام بمهمة ادارة الحاجات الانسانية والموائمة بين الحقوق والواجبات، لكن تنوع الحكومات ما بين دكتاتورية وأخرى هجينة وثالثة ديمقراطية قد انعكس على واقع الشعوب ومدى انسجامها مع حكوماتها من عدمه، الامر الذي افرز شعوباً تعاني من غياب متطلبات العيش الكريم خصوصاً في ظل الانظمة الدكتاتورية، بينما نجد شعوباً تحيا برفاهية ونعيم في ظل حكومات ديمقراطية، لكن يبدو ان هذا الواقع لم يعد يشكل القاعدة العامة والغالبة، فبعض الشعوب رغم انها تخلصت من الدكتاتورية لكنها لم تتخلص من معاناتها وحرمانها، مما يثير تساؤلاً عن المصدر الحقيقي لمعاناة الشعوب وهل يتمثل هذا المصدر بالحكومات وطبيعتها ام ان هناك اسباب اخرى تكمن وراء رزح العديد من الشعوب تحت طائلة الفقر والحرمان وفقدان أبسط الحقوق.

ان الاستبداد في الحكم هو الاداة في استعباد الشعوب وتقييد حرياتها ومنعها من التمتع بالحقوق المعترف بها في الشرائع والقوانين العادلة والاستبداد احياناً يتغذى من الشعوب نفسها عندما تستلم وتخنع لسياسات الحاكم الظالم، اذ يقول عبد الرحمن الكواكبي في كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) ان الخوف هو السبب المباشر والركيزة التي يعتمدها الاستبداد في اي مجتمع من المجتمعات البشرية التي ترتكس تبعاً لذلك في مستنقع التخلف الحضاري والانحطاط، لكن ورغم الآراء المتعددة التي ترى ان الاستبداد هو المصدر الاساسي لمعاناة الشعوب، فإن هناك من يعتقد ان الحكم المستبد احياناً ينجح في ضبط المجتمعات ويلجم سلوكيات الافراد غير الواعين خصوصاً في مجتمعات اللاوعي التي لا تنفع معها آليات المشاركة الشعبية في الحكم، ويسوقون أمثلة من الواقع تشير الى امكانية التوافق بين الحكم المستبد وبين الرفاهية والثقافية والاقتصادية بعد ان أوصل الحاكم المستبد الشعب الى مدرك اساسي قوامه ان الحكم ليس متاحاً للمشاركة وعليهم فقط ان يستجيبوا ويحترموا القوانين.

وعند العودة الى نماذج الحكم الفاسدة وهذه تجمع بين الاستبداد والفساد، نجدها قد عاثت فساداً واتبعت سياسات فاشلة خلقت اوضاعاً اسهمت في اشتعال الحروب والمعاناة والانقسام المجتمعي وشيوع الفقر والجهل والامراض، ودائماً الشعوب هي من تدفع الثمن رغم انها تسهم احياناً بجهلها وخنوعها في تقوية شوكة المستبد الفاسدة.

واذا كانت معاناة الشعوب في ظل انظمة الحكم الدكتاتورية مسألة طبيعية وغير مستغربة فإن معاناة الشعوب في ظل انظمة الحكم الديمقراطية هي قضية تثير الاستغراب والاستهجان في نفس الوقت، مما يدفع الباحثين الى طرح التساؤلات عن السبب وراء هذه الظاهرة، فالديمقراطية وان كانت تعني حكم الاغلبية لكن القوانين فيها لا تسن وفق الاغلبية السياسية وحدها وانما ضمن مصالح الاغلبيات الاجتماعية التي يمكن ان تمثلها الاقلية السياسية اكثر من الاغلبية السياسية التي تحرص في احيان كثيرة على التسيد والتسلط، وفي هذا الصدد يقول المؤرخ السياسي (اوستن رني) في كتابه (اسس الحكم) لا ريب ان الامل المنشود الذي تهدف اليه الدساتير هو اقامة حكومة قوانين لا حكومة اشخاص وهو ما يكشف عن لهفة معظمنا الى ان تكون مصائرنا معلقة بأسس ومبادئ جوهرية ثابتة تقوم على حكم العقل و القانون، وليست معلقة بالنزوات العارضة لدكتاتور او لطبقة حاكمة او لأغلبية شعبية، ان اخطر مشكلات الديمقراطية تبرز عندما تسعى ديمقراطية الاغلبية الى تجاهل القوانين والعمل وفق املاءات مصلحية فئوية، حيث تظهر للوجود غوغائيات تتخذ اشكال متعددة منها دينية او عشائرية او اجتماعية او عسكرية، وهذا ما يحصل في بلدان عدة منها العراق ولبنان وتونس، وان اللاوعي وغياب التنظيم وتشتت الولائات وضعف الانتماء الوطني وانقسام المجتمعي والصراع والتنافس على السلطة وضعف هيبة السلطة والقانون كلها عوامل تجعل من الديمقراطية اشبه بالجحيم على الشعوب مما ينتج عنها ظواهر سلبية عديدة تتمثل في استئثار فئة معينة بالسلطة من خلال اساليب ملتوية وشيوع اللاعدالة في توزيع الموارد، وغياب التخطيط وانفلات الامور العامة نحو الانحدار، وتصدع القيم وسيادة الممارسات اللانسانية وغيرها الكثير، وهذا ما يجعل الشعوب في ظل هكذا انظمة تتمنى العودة الى الديكتاتورية وهذه هي الكارثة بعينها".

ولإغناء الموضوع بالمزيد من الأفكار تم طرح السؤالين الآتيين:

السؤال الأول/ ما السبب الحقيقي وراء استمرار معاناة الشعوب رغم تبدل طبيعة حكوماتها من الاستبداد الى الديمقراطية؟

السؤال الثاني/ هل سيشهد العالم في المستقبل خلاص الشعوب من معاناتها؟ وكيف يتحقق ذلك؟

المداخلات

الديمقراطية هي وسيلة لإسعاد الشعوب

الدكتور محمد مسلم الحسيني:

"الاسماء والمصطلحات ليست هي الغاية، إنما هي وسائل لتحقيق غاية ولاستخدام هذه الوسائل هناك تحضيرات وشروط، إذا ما قيمة الوسيلة إن لم تستخدم في مكانها الناجع الصحيح!؟، الديمقراطية هي وسيلة لإسعاد الشعوب ولكن من أهم شروط استخدامها هو أن تجري في مناخ صحيح وتربة صالحة وإلا فسيكون مثلها مثل اقحوانة في صحراء، كي تنجح الديمقراطية وقبل أن نتباكى عليها علينا أن ندرك ما يلي: اولا/ أن الجهل والديمقراطية أمران لا يجتمعان، الوعي والديمقراطية متلازمة لابد منها، لا ديمقراطية بدون وعي ولا وعي بلا ديمقراطية، علاقة جدلية لا ينكرها أحد، فالدكتاتور العاقل خير من الديمقراطي الجاهل.

ثانياً/ وحدة الشعب، الشعب غير المتجانس عقائديا او قوميا أو إقتصاديا أو غير ذلك يكون عرضة للتشظي والتفكك بولادة الديمقراطية فيه خصوصا إذا كان الوعي مختلا، هذه التباينات تكون عامل انفصام وتشرذم حتى في المجتمعات المتحضرة قديمة التاريخ الديمقراطي، فكيف سيكون الحال في المجتمعات حديثة الديمقراطية؟.

ثالثاً/ التأثيرات الخارجية أن تباينت وتضاربت مع بعضها، يكون لهذا العامل اثر كبير في هدم التوافق والإستقرار في بلدان الديمقراطية أن توافق مع جهل المجتمع ومع عدم انسجامه مع بعضه. تباين المصالح الخارجية المؤثرة على البلد المعني سيؤثر سلباً على إنعاش الديمقراطية واستقرارها بل سيكون عامل فوضى وتحارب وانقسام مستمر وعامل خطر يهدد صيرورة الديمقراطية ويقلب فوائدها إلى مضار ومضاعفات".

المشكلة تكمن في القاعدة أي الشعب نفسه

الباحث حسن كاظم السباعي:

"الأمر ليس مرتبط بالديمقراطية بقدر ما هو مرتبط ببعد الديمقراطية، فإذا لم تكن محاسبة أو إشراف فإنَّ الشخص المنتخب من قبل الناس مع توفر القدرة وعدم الورع لن يختلف عن الديكتاتور الذي فرض نفسه بقوة الحديد والنار، ولذلك فإنَّ المشكلة تكمن في القاعدة أي الشعب نفسه إذ عليه أن يكون مشرفًا ومحاسبًا، ولا يمكن ذلك إلا من خلال التأطير بالمؤسسات المدنية والتي تكون بمثابة وكلاء الشعب.

ولو رأينا المجتمعات أو الدول المتقدمة لرأينا أن الفرد أو الأفراد الحاكمين حتى وإن أرادوا التمادي لا يمكنهم أن يتجاوزا القانون، ذلك لأنَّ صحفي عادي أو أصغر فرد في المجتمع باستطاعته أن يقيل رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء لو اكتشف عنده ثغرة صغيرة، لكن مجتمعاتنا لا تملك هذه القدرة بسبب ضعف المجتمع المدني المسؤول.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإنَّ الحالة الشعبوية "Populism" المفروضة على المجتمع تجعلهم ينظروا للأمور بمنظار أسود أو أبيض فقط، بلا تدرج للألوان فيه وعليه فلا يبقى مجال للواقع والحقيقة، فيُبتلون بمن يحكمهم و"كيف ما تكونوا يولَّى عليكم"، ولا حل لهذه المعضلة إلا من خلال التثقيف الذاتي أو الموضوعي".

الاخفاقات قد تقود الى الديكتاتورية

الباحث جواد العطار:

"ان الارث الشمولي يزول بعد جيل واحد او اكثر احيانا ان احسن ساسة الديمقراطية إدارة دفة الحكم والبلاد، ولكن الاخفاقات قد تقود الشعوب وبلا شك الى عودة الديكتاتورية بصورة او بأخرى، وهذا ممكن جداً خصوصا في البلدان الحديثة العهد بها والتي لا تمتلك مؤسسات دستورية رصينة او تهزها الازمات في كل مناسبة او لا تستطيع التخلص من الارث الديكتاتوري الثقيل واصلاح اخطائه، ان توفير الحياة الحرة الكريمة للمواطن، أولا: وترسيخ الديمقراطية وتعزيزها، ثانيا: ومبادئ التداول السلمي للسلطة، ثالثا: وتقوية المؤسسات الدستورية وسلطة القانون، رابعا: سيادة ثقافة اللاعنف، خامسا: هي الضمان الحقيقي لابعاد شبح الديكتاتورية الذي قد يظهر في اي لحظة في بقاع العالم المختلفة على انقاض ديمقراطية فاشلة او على خلفية سيادة الجهل والفقر.

وحتى نضمن معالجة خلاص الشعوب وضمان مستقبلها لا بد من التخلص من الفساد أخلاقيا وشرعيا وقانونيا وثقافيا حتى نضمن السير السريع في طريق الاصلاح الحقيقي القائم على مبادئ الدين والقانون والدستور".

الإرث الثقافي والقانوني والاستبداد النخبوي

الدكتور علاء إبراهيم الحسيني، باحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:

"البناء الديمقراطي بناء تراكمي وهذا البناء التراكمي يحتاج الى عقود حتى يترسخ، بدليل ان التجارب الديمقراطية الناضجة اليوم في دول العالم مضى على ديمقراطيتها قرابة ٦٠٠ سنة او اكثر والبعض لديها ارث يمتد الى الاف السنين، والى الان هناك ثغرات في هذه الديمقراطيات لان المسألة ليست محسوبة كمعادلة رياضية مثلاً، انما هي مسألة نسبية الشعب او المجتمع هو الذي يحتاج ان يكون ديمقراطي وعلى مستوى الفرد يجب ان يكون ديمقراطي حتى ممكن ان ننتقل للحكم الديمقراطي او النظام الديمقراطي، اما اذا كان لدينا بون في احد هذه المعادلة ليس من الممكن ان ننتقل الى الديمقراطية الحقيقية، اما شكلياً فممكن تغيير نظام الحكم وهذا امر سهل جداً فبمجرد ان رأس السلطة في الحكم الاستبدادي يسقط ينتهي الحكم في هذه الدولة الاستبدادية وظاهرياً ينتقل الى حكم ديمقراطي، لكن حقيقة الامر ان الاستبداد هو الحاكم لانه معشعش في نفوس الناس ومكنونات ذاتهم بدليل ان العراق اليوم يعيش السنة الثامنة عشر بعد سقوط النظام الديكتاتوري السابق ولكن الاستبداد لا يزال موجود في العراق على اقل تقدير في نفوس العراقيين انفسهم ونعيش هذا الاستبداد او نعاني منه ولا زالت افرازاته موجوده لدينا، وان الكل ينظر الى ثمار الديمقراطية وبشكل مجتزء وهي لا يمكن ان تجتزء وكمثال ان حرية التعبير عن الرأي ننظر لها انها اهم ثمرة من ثمار الديمقراطية لكن يعوز حرية التعبير عن الرأي تقبل الرأي الاخر، لذلك البعض يأخذ ما يفيده من الديمقراطية لكن ينبذ ما يضره من الديمقراطية، وبالتالي ان الامر اصبح مجتزء وعندما يكون مجتزء ليس من الممكن الانتقال الى حكم ديمقراطي حقيقي، وان الديمقراطية تعتمد على مقومات وان هذه المقومات هي مقومات ثقافية بالدرجة الأولى ويفترض ان تكون هناك تربية للناس.

ان الكثير من المجتمعات لا تمت سلوكياتها للاسلام بصلة، وان الإسلام اكثر الأديان ديمقراطية اذ نظرنا الى تطبيقه الحقيقي وكمثال ان امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) احترم الإسلام واحترم الأديان الأخرى وحتى الذين خالفوه او عارضوه والذين حملوا السلاح بوجهه لذلك كان مثال يحتذى به بتطبيق مبادئ الديمقراطية على ارض الواقع، واليوم نفتقد هذه الثقافة ثقافة تقبل الرأي الاخر، اما العقبة الثانية او الأهم هي عقبة اقتصادية اما العقبة الأخرى فهي عقبة قانونية وان هناك ارث كبير قانوني وان هذا الإرث هو سبب من أسباب تأخر الانتقال او تحقق الانتقال الديمقراطي وهو سبب كبير لتحقق النقمة الشعبية على الأحزاب الحاكمة".

فائض القوة يؤدي الى الاستبداد

الشيخ مرتضى معاش:

"نلاحظ حاليا في العالم عدة صور حول معاناة الشعوب، مثل كازاخستان نموذج للحالة الاستبدادية المستمرة والمتطورة في الفساد والقمع والتبعية، والنموذج الأمريكي الذي تمر ذكرى عام على مشهد الكابيتول الذي حصل في واشنطن، والحالة التركية ودور اردوغان في تأزم الوضع الاقتصادي، وكذلك الهند في نبذها للتعددية واتجاهها نحو الدولة الهندوسية التي تعني بالنتيجة نهاية اكبر ديمقراطية متنوعة في العالم.

كل هذه الحالات تدل على وجود مرض كبير في التفكير البشري سواء كان ديمقراطي او استبدادي او ما يقال انه استبدادي او انه ديمقراطي، فالمشكلة الأساسية هي فائض القوة الزائدة الذي يؤدي الى هيمنة الاستبداد في الحالات المختلفة واستلاب الإرادة البشرية حيث يصبح البشر مثل القطعان الذين لا إرادة لهم ضد إرادة الحاكم او النخب المتنفذة، ولا فرق في هذا بين الحزب الشيوعي الصيني وبين شركة الفيسبوك وتطبيقاته المختلفة فهما في مرتبة واحدة من حيث الهيمنة وفائض القوة الزائدة الذي يجعله يتحكم في البشر، وفي أفكارهم وهوياتهم وخصوصياتهم ويسلب منهم كل شيء.

ان الانسان يتنازل عن ارادته وعن اختياراته وعن قدرته وعن اتخاذ القرار المناسب لصالح القوة المهيمنة سواء كانت نخبة ليبرالية او شركة متعددة الجنسيات او حزب كالحزب الشيوعي الصيني، فالقوة الفاضة التي يمتلكها هؤلاء تستلب القدرة من الشعوب ليكون قادرا على محاربة الاستبداد، كما حصل في كازاخستان حيث أدى تهميش وتهشيم المجتمع تهشيما كاملا بحيث اصبح ليس لديه أي قدرة لمواجهة أي قوة يقوم بها النظام، حالة من النهاية المجتمعية وهو غياب القوة الاجتماعية التي تستطيع ان تقف امام الحاكم المستبد، فلا توجد للشعب قدرة على مواجهة الحاكم فتكون مستمرة في خنوعها. او تنجر الى أحلام الحاكم المطلق وطغيانه مثل المانيا فمع كونها دولة متقدمة تشربت بالتفكير الفلسفي الحداثوي ونشأ فيها الفلاسفة العقلانيين والمتنورين مثل كانط وهيجل ولكنها تسببت بأفظع حربين عالميتين مع تأييد شعبها لدكتاتورية مقيتة وشمولية قاتمة، شعب متقدم اقتصاديا لكنه بالنتيجة يختار هتلر ليكون حاكم مطلق يقوده نحو العنف والموت، وهذه هي ازمة تفكير.

ومن جهة اخرى ان الديمقراطيات قائمة على دكتاتورية الناخبين والناخب ليس مهم لديه كيف يأتي المال له المهم ان يعيش لذلك هو يحتاج من الدولة ان تعطيه الرفاه، والأحزاب الحاكمة تكون بحاجة الى صوت الناخب فتتنازل له من اجل مصالحها الخاصة، مثل التغيير المناخي الذي حدث في العالم كان من المفروض ان الدول تقلل من أموال التي تدعم الناخبين حتى تستطيع السيطرة على التغيير المناخي من خلال تقليل الاستهلاك وتطوير الطاقة المتجددة فيقل الاستهلاك الاحفوري لكن لم تقم أي دولة بذلك لان الشركات سوف تخسر أرباحها، وتخسر الاحزاب صوت الناخب الذي هو اهم من الناخب نفسه، فهذه الديمقراطية التي تقدم المصالح الضيقة على المصلحة العامة وتكون بلا مبادئ سوف تخسرها ديمقراطيتها ولو بعد حين.

كما ان الديمقراطية الليبرالية التي تحولت الى أيدلوجية أصبحت دكتاتورية مثل الدكتاتوريات الشمولية، وهذه من الأكاذيب الكبرى هم يزعمون ان هناك ديمقراطية ليبرالية وديمقراطية غير ليبرالية مثل الديمقراطية الشعبوية، لكن الليبرالية في الواقع هي غير ديمقراطية لأنها تركز على الحرية الشخصية والفردية في مقابل استلاب الانسان وتفكيك الهويات والجماعات والمجتمعات والاديان فتتحول الى دكتاتورية شمولية من نوع ثاني شبيهة في نتائجها بالشمولية الاستبدادية التي كانت في النازية وفي الحكم الشيوعي. نرى اليوم ان من اهم اجندة الليبرالية هو نشر المثلية في كل العالم ليس المهم كم يؤثر لكن المهم هو نشر هذا المشروع ونجاحه، فالمثلية عندهم اهم من الديمقراطية والايدولوجية الليبرالية هي الأهم وان كانت تتحالف مع دول وأنظمة تنتهك حقوق الانسان ولاتوجد فيها انتخابات حرة مثل الامارات وقطر والسعودية، حيث تسير في طريق معبد نحو الحداثة الغربية لكن بدون ديمقراطية وبدون حقوق الانسان، والكثير من الشعوب في العالم اليوم يذوقون المعاناة والالم والقمع والفقر والموت في السجون والنزوح البيئي لتخلي الديمقراطيات الغربية عن حمايتهم، حماية لمصالحها الخاصة".

التحول الديمقراطي هو تحول شكلي

حامد الجبوري، باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"الحقيقة ان تحول الحكم من ديكتاتوري الى ديمقراطي هو تحول شكلي وليس تحول حقيقي والدليل ان التحول يكون في رأس الهرم وليس في قاعدة الهرم وان التحول يكون فقط في أجهزة الدولة ولكن الشعب والمجتمعات لم يحصل تحول في بيئته الثقافية، إضافة انه ليس هناك تحول اقتصادي يعمل على توزيع الثروات بشكل عادل وبشكل مستقل عن الحكومات وهذا ما يدل على نزاهة السلطة والنظام الديمقراطي، وان مسألة المؤسسات كذلك مسألة مهمة وان غياب المؤسسات هو الذي يكرس اتخاذ القرارات بشكل ديكتاتوري من قبل رئيس الدولة فكلما كانت المؤسسات متجذرة في الدولة سوف تعمل على تفتيت القرار وعدم احتكارها من قبل الرئيس فسوف يكون قراره متابع من قبل السلطة التشريعية او القضائية ولابد ان يفلتر هذا القرار ويصب في مصالح المجتمع فإذا ما وجدت هذه المؤسسات سوف تعمل على تقليل معاناة الشعوب وسير الديمقراطية في شكل سلس وديمقراطي".

التوزيع العادل للثروات يعزز قيم الديمقراطية

خالد العرداوي، مدير مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:

"عندما نتكلم عن الديمقراطية نتكلم عن بناء الانسان في أي دولة من الدول، كل مجتمع وكل دولة من الدول ظروفه تختلف عن الشعب في دولة أخرى، وبالنتيجة لا يوجد هناك تماثل في هذه المعاناة مع قضية الديمقراطية يعني ان هنالك بعض الدول قد تكون معانتها كبيرة جداً وبعضها تكون محدودة، ونلاحظ التبدل من الاستبداد الى الديمقراطية القضية معناها ان هناك حالة استبداد سابقة ووضع استبدادي وان هذا الوضع الاستبدادي لا يقتصر على شكل الحكومة وانما يقتصر على البنية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع ذاته، والديمقراطية هي قيم وانماط سلوك قبل ما تكون هي مؤسسات وقوانين وشكل للحكم، وبالنتيجة الذي يحصل للبلدان التي تتحول نسيها ناشئة وفيها ديمقراطية ناشئة يحصل لديها تبدل فجائي في قضية شكل الحكم مثل العراق، وان العراق لولا الظروف الإقليمية والدولية وفق بيئته الاجتماعية والثقافية ممكن ان النظام الديكتاتوري السابق يبقى لمئات السنين في الحكم اذا بقيت الظروف على حالها لأن الثقافة هي ثقافة مستبدة بالأصل، بالإضافة الى ان الديمقراطية هي قيم وانماط سلوك هي توزيع لمراكز السلطة والنفوذ يعني ان البلدان التي تتطور ديمقراطياً لا يتم فيها تركيز السلطة والنفوذ والثروة بأيادي قليلة يكون المجتمع ابعد عن الديمقراطية، لكن متى ما تم توزيع السلطة والنفوذ والثروة على الافراد وعلى المجتمع سيكون هناك نوع من المساواة التي تجعل قيم الديمقراطية تتهدم والقوانين التي تكون ديمقراطية معطله هو غياب المساواة بين الافراد وعدم الاختلاف في درجة المواطنة، حتى في الدول التي تتحول من الاستبداد الى الديمقراطية لا يعني هذا ان هناك مساواة بين الافراد قد تحققت، لذلك يقال ان الديمقراطية ليست فقط تراكم وليست فقط مسيرة تراكمية وانما وجود بيئة حاضنة للديمقراطية وان هناك دول في لحظة من اللحظات ديمقراطية ولكن ممكن يخرج تيار يميني متطرف وممكن ان يخرج ان يخرج قائد شعبي متطرف يعطل القوانين والمؤسسات وهذا ما يدل على وجود اختلال في مراكز السلطة واختلال البيئة الثقافية في المجتمع حصلت بحيث مكنت افراد معينين يهدمون الإرث الديمقراطي حتى لو كان يمتد لقرون، وان الضمان الحقيقي للديمقراطية هي حرية الافراد والمساواة بينهم وان قدر الشعوب فيها ظالم ومظلوم".

وفي ختام الملتقى تقدم مدير الجلسة الدكتور قحطان حسين طاهر، بالشكر الجزيل والامتنان إلى جميع من شارك وأبدى برأيه حول الموضوع.

* مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية/ 2001–2022 Ⓒ
http://mcsr.net

اضف تعليق