(إن للشباب فطرة نقية، ولكن لابدّ من السعي والبناء حتى نهديهم إلى الطريق الصحيح)
المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي

 

من المؤسف حقا أن تتكرر الاسباب نفسها، في ما يتعلق بمشكلات الشباب، مع تغيّر الحكومات، لاسيما في الدول الاسلامية والعربية، الامر الذي يدل بصورة قاطعة على الاهمال الحكومي المتوارّث لهذه الشريحة الأكثر حيوية في المجتمع، بمعنى أن جميع الحكومات التي كانت تأتي عن طريق الانقلابات العسكري او سواها، تجهل عن قصد أو دونه، أهمية معالجة مشكلات الشباب، وتهمل وضع البرامج المهارية والترفيهية لتطوير واستثمار مواهبهم وطاقاتهم، بل لا يهمها أصلا، أن تضع حلولا لمشكلات الفراغ التي تتفاقم لدى الشباب.

من أخطر الاشكاليات التي يواجهها شبابنا في العصر الراهن، حالة الفراغ المستشرية، وهي تلف واقع الشباب وتجعلهم بلا اهداف واضحة في الحياة، على الرغم من أن البنية الاساسية للمجتمعات الحيوية تعتمد على شريحة الشباب أولا، كما أن البنية الأساسية لشخصية الكائن البشري، تستدعي حالة من الاستعداد الجسدي والذهني، حيث تتوافر في مرحلة الشباب ظروف مناسبة جدا للشروع في تكريس الجانب الايجابي لدى الشخصية، سواء على مستوى الفكر أو السلوك، فمرحلة الشباب تمثل فرصة مناسبة بل هي الفرصة الاهم في التشكيل الصحيح لبنية الانسان الفكرية والسلوكية في وقت واحد.

أما الضعف الذي قد يتلبس شخصية الانسان، والاهتزاز والنكوص والتراجع الذي تعاني منه، فهو غالبا ما ينتج عن تعامل رديء مع هذه الفرصة، أي فرصة ترصين البنية الأساسية لشخصية الانسان في مرحلة الشباب، لذا فإن إشكالية الشباب تبدأ مع البطالة والفراغ والاهمال المتواصل الذي يتعرضون له من لدن المسؤولين عنهم، وهم (الرسميون الحكوميون، والجهات التوجيهية كالمؤسسات الخيرية ذات الطابع التوجيهي، والمحيط المدرسي والأسري)، من هنا تبدأ أولى الخطوات نحو الانحراف والانجراف الى مهاوي الجريمة والادمان على المخدرات، في ظل إشكالية البطالة والفراغ وعدم اتخاذ الحكومات والجهات المعنية الاجراءات العملية الفورية لمعالجتها، والتي تنسجم مع خطورتها الفادحة.

ولذلك تعد شريحة الشباب هي الحلقة الاهم في تحقيق الامن الاجتماعي، أو فقدانه تبعا لطبيعة التعامل مع مع هذه القضية، وهذه الورقة هي محاولة للتعاطي مع مشكلات الشباب في العصر الراهن، مستندين في ذلك الى منهجية ورؤية المرجع آية الله العظمى السيد صادق الشيرازي، حول واقع الشباب والمشكلات التي تحيط به والرؤى والمعالجات التي يمكن أن تسهم في حل ما يعاني منه الشباب من مصاعب وإشكاليات عديدة.

مصاعب كبيرة تواجه الشباب

كثيرة هي الاشكاليات التي تعتري حياة الشباب، لاسيما في الدول والمجتمعات التي عجزت عن الإلتحاق بالركب العالمي المتقدم حتى الآن، فالفراغ يعد من أخطر المظاهر التي ترافق مرحلة الشباب في هذه الدول، خاصة في موسم الصيف، حيث ينهي ملايين المراهقين والشباب عامهم الدراسي وينتقلون الى العطلة الصيفية، حيث تعجز الحكومات وتهمل إيجاد البدائل التي تمتص فراغ هؤلاء بصورة صحيحة، فيؤدي هذا الفشل الحكومي والفقر في التخطيط لاستيعاب طاقات الشباب، الى مخاطر جمة تتمثل بسلسلة من الانحرافات الخطيرة التي ينحدر فيها هؤلاء بسبب الفراغ، ومن أخطرها الادمان على المخدرات وارتكاب الجرائم المختلفة التي يكون لأصدقاء السوء، وحب الاستطلاع، وأفلام التلفاز، دور مهم في نشرها.

فقد أكدت إحدى الدراسات الميدانية بهذا الخصوص حول الظروف التي تدفع ‏الشباب الى تعاطى المخدرات (أن أصدقاء السوء من أهم الأسباب للادمان بنسبة 3ر50 ‏بالمائة يليها الظروف المحيطة والمرور بالأزمات بنسبة 4ر29 بالمائة، وأوضحت دراسة اجتماعية في مصر أن حب الاستطلاع ‏والتجربة اضافة الى أصدقاء السوء وعدم وجود الرقابة والتوعية من أهم أسباب ‏الادمان، وذكرت أن 50 بالمائة من العينة التي أجريت عليها الدراسة قالوا أن وسائل ‏الاعلام تقلل من انتشار الظاهرة فيما أكد 41 بالمائة أنها تزيد من حدة المشكلة، وأكدت نسبة 2ر74 بالمائة من العينة أن التليفزيون من أكثر الوسائل تأثيرا في ‏انتشار الظاهرة أو في الحد منها وأن نسبة 60 بالمائة رأت أن معالجات الأفلام ‏السينمائية للظاهرة من الممكن أن تعلم الأفراد الادمان وتعاطى المخدرات).

أسباب نمطية

من المؤسف حقا أن تتكرر الاسباب نفسها، في ما يتعلق بمشكلات الشباب، مع تغيّر الحكومات، لاسيما في الدول الاسلامية والعربية، الامر الذي يدل بصورة قاطعة على الاهمال الحكومي المتوارّث لهذه الشريحة الأكثر حيوية في المجتمع، بمعنى أن جميع الحكومات التي كانت تأتي عن طريق الانقلابات العسكري او سواها، تجهل عن قصد أو دونه، أهمية معالجة مشكلات الشباب، وتهمل وضع البرامج المهارية والترفيهية لتطوير واستثمار مواهبهم وطاقاتهم، بل لا يهمها أصلا، أن تضع حلولا لمشكلات الفراغ التي تتفاقم لدى الشباب عندما تحل العطلة الصيفية، فتزيد حالات الانحراف وتتضاعف أمام مرأى المعنيين (حكوميين أو أهليين)، من دون أن يتحركوا نحو الحلول المناسبة.

ناهيك عن الاهمال الشعبي ايضا، حيث يغيب دور القطاع الخاص باستثمار الأموال اللازمة في مشاريع تهتم بتنمية مواهب الشباب وقدراتهم المتنوعة.

يُضاف الى ذلك ضعف الدور الذي تقوم به بعض المنظمات المدنية والمؤسسات الخيرية المعنية بتطوير مهارات الشباب، لذا يتكرر الاهمال ويتآزر في الوقت نفسه، سواء بالنسبة للمنظمات الاهلية أو الجهد الحكومي بهذا الخصوص، على خلاف ما تبديه الحكومات في البلدان المتقدمة من دعم كبير ومنظّم للشباب، كما حدث مؤخرا في أمريكا مثلا، حيث تم اختيار ما يقارب (300) طالب من عموم الولايات الامريكية لتعليمهم (فن الدبلوماسية) خلال عطلتهم الصيفية، كطريقة لقتل الفراغ أولا، ولتطوير المهارات الشبابية ثانيا، وهو ما نحتاج له فعليا من اجل انتشال شبابنا من حواضن الفراغ والاهمال المتواصل.

معالجات لامناص منها

من الخطوات المهمة التي يمكن أن تخفف من سعة (طاقة الفراغ) لدى شبابنا، إنعاش العمل التطوعي الجماعي، لكن من الملاحظ أننا كشعوب ودول عربية واسلامية، لا نزال نتعامل مع العمل الجماعي التطوعي وكأنه أمر كمالي، بدليل انه لا يشكل أية نسبة مهمة في الانتاجية لدينا، إذا لم ينعدم كليا في مجتمعاتنا، وهو دليل على أن هذا النوع من الحلول لم يدخل في حساباتنا مع اهميته الكبيرة، ففي دراسة عن الولايات المتحدة الأمريكية أظهرت أن عدد المتطوعين بامريكا يشكل 44% من جميع البالغين، ويقدمون ساعات تطوعية تبلغ أكثر من خمسة عشر بليون ساعة سنويا، وهذا ما يقارب عمل تسعة ملايين شخص بدوام كامل! هذه هي صورة العالم الغربي حيث العمل التطوعي المنظم والمبرمج.

من جانب آخر كتب المفكرون والمصلحون المعنيون، كثيرا من البحوث والكتب بشأن مشكلات الشباب لدينا، وطرحوا فيها رؤيتهم بهذا الخصوص، وقدموا الحلول والمعالجات التي يمكنها أن تُسهم في تقليل مخاطر الفراغ وضعف الجانب الترفيهي، ولكن بقي جانب التنفيذ لهذه المعالجات متخلفا عن القيام بدوره الصحيح لاسيما بالنسبة للحكومات والجهات المعنية برعاية الشباب، وكما ذكرنا آنفا، لم يقتصر هذا الجهد على الرسميين فقط، بل هناك مجموعة من الحلول يمكن أن تنطلق من الشباب أنفسهم لكبح الاشكالات التي يواجهونها بسبب الفراغ، وخاصة حالات الفساد التي قد تصيب بعض المراهقين والشباب، إذ أكد المرجع الشيرازي، في الكثير من مؤلفاته وطروحاته ومحاضراته، على دور الشباب أنفسهم في معالجة مشكلاتهم، حيث يقول سماحته:

(إنّ خير من يسوق الشباب صوب الخير والهداية هو أمثالهم من الشباب) ويضيف أيضا: (ما أكثر الحالات ـ عبر التاريخ ـ التي أنقذ أخ أخاه أو أخته من الفساد والضلالة)، وهكذا يظهر لنا طريق آخر لمعالجة المشكلات الشبابية، لاسيما أن فطرة الشباب ونقاءهم يتيح فرصة أكبر للنجاح، كما نلاحظ ذلك في قول المرجع الشيرازي ايضا: (إن للشباب فطرة نقية، ولكن لابدّ من السعي والبناء حتى نهديهم إلى الطريق الصحيح).

خطوات عملية

إذن وصلنا الى مرحلة ضرورة وضع المعالجات اللازمة للإشكاليات التي تعترض طريق الشباب، وهي مهمة ليست بالسهلة، لكنها ليست مستحيلة، كما أنها تمثل المسار الوحيد الذي ينبغي أن يسلكه المعنيون (حكوميون رسميون، أو أهليون) بمعالجة هذه القضية بجدية واصرار، لا أن تترك الامور على عواهنا، فيستفحل الخطر، وتتفاقم المشكلات، وتتضاعف حالات الانحراف بين صفوف الشباب والمراهقين، لذا لابد من تحشيد الطاقات المتوافرة كافة، لوضع برنامج عمل يقدم للمعنيين السبل الصحيحة لمعالجة هذه الازمة الشبابية بصورة سليمة، عبر العديد من الخطوات العملية والاجرائية ومنها:

1- أهمية أن تبادر جميع الجهات المعنية باستيعاب طاقات الشباب بفتح دورات تتخصص في تنمية المهارات الشبابية المتنوعة.

2- العمل الجاد على إقامة المخيمات لاسيما في العطلة الصيفية لغرض اشراك اكبر عدد من الشباب في ممارسة انشطة تمتص فراغهم وتطور قابلياتهم وملكاتهم المختلفة.

3- تقديم البرامج المتنوعة في مجال تطوير الشباب لاسيما في مجال العمل الجماعي التطوعي، وعموم المجالات التي تشكل منافذ مناسبة لاستيعاب طاقات الشباب.

4- أهمية المبادرة الفورية في توفير أماكن الترفيه الجيدة والمناسبة، لأن الترفيه السليم يساعد الشباب على الابداع وتجديد الافكار على نحو دائم.

5- تشجيع الشباب على ممارسة فعل القراءة، من خلال انشاء المكتبات الجميلة وذات التصاميم الراقية، لاستقبال الاعداد الكبيرة من الشباب، لغرض تطوير ميولهم نحو القراءة والتثقيف الذاتي.

6- انشاء الملاعب الرياضية الصغيرة والكبيرة والمسابح في عموم المدن والاقضية والنواحي.

7- تفعيل أنشطة المنظمات الاهلية والمؤسسات الشبابية، لاداء دورها في استيعاب طاقات الشباب والمراهقين.

8- تأسيس الملتقيات الشبابية التي تناقش قضايا الفكر والثقافة والعقيدة ومناقشة اشكاليات الشباب بروح منفتحة من اجل الحيلولة دون الانحراف الفكري، لان اغلب الانحرافات السلوكية تنشأ من الانحرافات الفكرية والعقائدية.

من هنا يوجّه سماحة المرجع الشيرازي المعنيين بشأن الشباب قائلا: (لابد من الاهتمام بالشباب باعتبارهم رجال الغد، وبُناة المستقبل، عبر إرشادهم إلى الفضيلة والصواب، فإنه ينشأ فيهم القادة الأبرار، والزعماء الأخيار، والرؤساء الصالحون، والأمناء المصلحون، وهذا الأمر بحاجة إلى همّة كبيرة وشاملة من قبل كافة شرائح الأمة، لتعطي أحسن النتائج، وأطيب الثمار. لينشئوا جيلا صالحا، يبنون حضارة المستقبل على أسس الفضيلة والتقوى، والرفاه والخير، والعدل والقسط).

وبالاهتمام بالشباب عبر المبادرات العملية والفعالة تكون الجهات المعنية حكومية او اهلية قد أسهمت بالقيام بمسؤولياتها تجاه الشريحة الأكبر في المجتمع، وهم الشباب ومن ينتمي إليهم كالمراهقين، ويتم استثمار طاقاتهم ومواهبهم على النحو الافضل، بالاضافة الى حمايتهم من الوقوع في مهاوي الانحراف المتعددة.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

تبرع الان ساهم معنا وتبرع: لبناء اوطاننا،, وحماية حرياتنا وحقوقنا، ومكافحة الفقر والجهل والتخلف، ونشر الوعي والمعرفة شارك معنا: لنرسخ ثقافة السلام واللاعنف والاعتدال، ونواجه التطرف والعنف والإرهاب.
annabaa@gmail.com
009647902409092
0