قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، الخطيب الحسيني فضيلة الشيخ زمان الحسناوي برفقة عدد من الفضلاء من العراق، وذلك في بيت سماحته المكرّم بمدينة قم المقدّسة، في يوم الجمعة الموافق للثالث والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام 1435 للهجرة (19أيلول/سبتمبر2014م).

بعد أن رحّب سماحة المرجع الشيرازي دام ظله بهم، تحدّث الضيوف الكرام مع سماحته حول أوضاع الشيعة وما يتعرّضون له من مظالم ومجازر، بالأخصّ في العراق الجريح، فقال سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:

ذكر التاريخ أن معاوية قتل في يوم واحد أكثر من ثلاثين ألف من الشيعة، وكان فيهم كبار السنّ والصغار والنساء والفتيات والشباب والأطفال. وبفارق سنوات وفي العصر نفسه، حكم مولانا الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وقال، (وهو يتبرّأ من الظلم): (وَاللَّهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلَاكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللَّهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جُلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ). ولقد أثبت صلوات الله عليه بعمله ما كان يقوله. فأين هذه الثقافة من تلك الثقافة، أي ثقافة معاوية وهي ثقافة الإجرام والقتل؟!

كما ان الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه لما دخل البصرة بعد معركة الجمل، صاح بوجهه مجموعة من النساء وقلن ياقاتل الأحبّة. فقال صلوات الله عليه (مامضمونه): لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت الذين قادوا المعركة وأسّسوا الحرب 1. فأين تجدون مثل هذا التعامل؟ فحتى الدول اليوم التي فيها الحرية لا يوجد فيها مثل هذا التعامل.

وأكّد سماحته بقوله: إنّ العالم لا يعرف هذا التعامل من الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، وكذلك حتى الشيعة لا يعرفون. وحتى الكثير من شبابنا لا يعرفون ذلك. والدنيا اليوم بحاجة إلى ثقافة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه. فالكثير من الناس ليسوا بمتعصّبين أو معاندين، بل قد تعرّضوا لغسيل الدماغ. فلو جمعت نماذج من سيرة وتعامل الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه، خصوصاً في فترة حكومته صلوات الله عليه، وعرضت على العالم كلّه، لرأيت توجّه العالم صوب ثقافة الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه.

وأشار فضيلة الشيخ زمان الحسناوي إلى الجريمة الأخيرة التي وقعت في مدينة الكاظمية المقدّسة، من تفجيرات وعمليات قصف، واستشهاد المئات من الأبرياء والعزّل وزوّار الإمامين الكاظمين صلوات الله عليهما، وما يجري على شيعة العراق من مآسي ومظالم، فقال سماحة المرجع الشيرازي:

 

أأمل من الله تعالى أن تكون هذه المآسي والمظالم هي أواخرها وتنتهي.

وأضاف سماحته بقوله: الغربيون يلعبون بدولنا وشعوبنا كلعبة كرة القدم. فهم الذين أتوا بصدام وهم الذين أزاحوه، وهم الذين أتوا بداعش، وإلاّ من أين لداعش كل هذه الأسلحة بما فيها الأسلحة المتطوّرة؟ أليست من الغربيين أنفسهم؟

وقال سماحته: لاحظوا ان جسم الإنسان فيه مناعة، وهذه المناعة تقوم بالدفاع عن الجسم عندما تدخل فيه الميكروبات، فتقوم بالقضاء على الميكروبات لكي يبقى الجسم سليماً وصحيحاً. فبوجود المناعة يبقى الجسم سليماً، وإذا تعرّض للمرض فستقوم هذه المناعة بتخليصه من ميكروبات المرض.

حتى عندما يريد الأطبّاء زراعة قلب أو كبد وغيرها، من إنسان لإنسان آخر، تراهم يقومون أولاً بتعطيل المناعة في جسم الإنسان الثاني، حتى يتمكنوا من زراعة القلب أو الكبد الأجنبيين فيه، لأن وجود المناعة يحول دون زرع العضو الأجنبي. وبعد ذلك أي بعد انتهاء عملية الزرع يجعلون المريض في مكان خاصّ يمنعونه فيه من زيارة أو عيادة أحد له لأن جسمه فاقد للمناعة ومن الممكن أن يتعرّض لأدنى مرض أو يصاب بالعدوى من غيره. فيجعلونه في مكان خاص إلى أن يستعيد المناعة.

وعقّب سماحته: إن الشيعة في العالم، عندهم كل شيء. فعندهم الأموال والتجّار والمراجع ورجال السياسة وغيرها، وهم منتشرين في الأرض كلّها، ولكن يفتقدون لشيء واحد وهي المناعة! ومناعة الشيعة هي أن يتعايشوا مع بعض وأن تتّحد كلمتهم.

وبيّن سماحته: انظروا إلى الأوروبيين وكيف كانت أوضاعهم إلى زمن الحرب العالمية الثانية. فقد كان بينهم قتال طويل وطويل وشديد، وكانوا يتحاربون دوماً وتزهق بسبب حروبهم أرواح الملايين من شعوبهم، ولكن بعد الحرب الكونية الثانية، اتّفقوا فيما بينهم وبين أميركا على أمرين، واعتبروهما خط أحمر، وهما:

 الأول: عدم الاقتتال والتحارب بينهما مهما كان سبب الاختلاف والاكتفاء بالحرب باللسان وبالإعلام. والثاني: عدم الزعل وعدم التنافر. علماً بأنهم شعوب مختلفة، وألسنة مختلفة، وأديان مختلفة، وتوجّهات مختلفة، ولكنهم اتفقوا على ذلك.

كما أوضح سماحته قائلاً: يوجد في القرآن الكريم آية يمكن القول بأنها أصعب آية في منطق القرآن وأسلوبه، وهي قوله تعالى: (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) سورة النساء: الآية104. وهذه الآية الكريمة كأنه تقول (مامعناه): تعلّموا أيها المؤمنون من الكفّار! فالشيعة تراهم ولأدنى شيء يزعل بعضهم مع بعض ويتنافرون.

وأكّد سماحته بقوله: يجب على الشيعة أن يتعلّموا التعايش مع بعض. والتعايش ليس معناه أن يقبل كل واحد بالآخر، بل هو عدم التحارب وعدم الزعل. فليبقى كل واحد أو مجموعة على فكره وفضائيته وصحيفته وما إلى ذلك، ولكن لا يزعل مع الآخرين ولا يتحارب ولا يتقاتل معهم. فهذه ثقافة لم يمارسها الشيعة، فعليهم أن يتعلّموها ويمارسوها. ولقد قال القرآن الكريم وقبل ألف وأربعمائة سنة: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ) سورة الأنفال: الآية 46. وهذه الآية الكريمة تبيّن أن مع المنازعة الفشل.

وختم دام ظله كلمته القيّمة بقوله: انظروا إلى اليهود، فهم فئة قليلة بالعالم، ولكنهم يلعبون بالعالم كلّه لعباً.

أما الشيعة فهم أمّة عظيمة بالعالم،فعليهم أن يتعلّموا ثقافة التعايش وعليهم أن يقوموا بنهضة ثقافية شاملة.

..............................

1/ ولمّا دخل (عليه السلام) بيت عائشة صاحت النساء وقلن ياقاتل الأحبّة. فقال : لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت مَن في هذا البيت، وأشار إلى بيت من تلك البيوت، قد اختفى فيه مروان بن الحكم وعبدالله بن الزبير وعبدالله بن عامر وغيرهم (الوليد بن عقبة وولد عثمان بن عفّان وغيرهم من بني أُميّة). مروج الذهب 2 / 369.

انقر لاضافة تعليق

مواضيع ذات صلة

0