قد تكون هشاشة النظام السياسي وطبيعته السياسية الهجينة واختلالاته البنيوية وازماته القائمة، بيئة مناسبة لكل دول العالم (الإقليمية والدولية) فالنظام السياسي ما يزال يوفر البيئة السياسية الخصبة للفساد والاستثمار العالمي في مجالي الامن والاقتصاد للدول والشركات العالمية، وما يزال هذا النظام يلبي طموح ورغبات العالم الخارجي...

لا يخفى على الجميع طبيعة المخاض العسير الذي خاضه زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر ضد القوى السياسية العراقية مجتمعة، ولاسيما القوى السياسية الشيعية في مسار تشكيل الحكومة العراقية والمضي بمشروعه السياسي –مشروع الأغلبية الوطنية– الذي رفع لواءه بعد فوز تياره في انتخابات العاشر من تشرين الاول 2021، المشروع الذي عارضته بعض القوى السياسية، ولاسيما القوى السياسية الشيعية التقليدية متمثلة بقوى "الإطار التنسيقي" التي راهنت واصرت على المضي بمشروع المحاصصة والتوافقية التي تشاركت بها كل القوى والاحزاب السياسية في تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد عام 2003.

إن دعم مشروع الاغلبية الوطنية الذي تبناه السيد الصدر من قبل بعض المتخصصين والنخب والمهتمين "من غير المنتمين للأحزاب السياسية الحالية" كان دعم لفكرة المشروع وليس للأشخاص او الاحزاب التي تبنته؛ لكونها كانت تنظر إلى فكرة وأصل المشروع باعتباره اللبنة الاولى التي من الممكن ان تسهم في تصحيح الاعوجاج والاختلالات البنيوية التي يعاني منها النظام السياسي منذ تأسيسه وحتى الآن، بعيداً عن التغيير الراديكالي، الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على اداء القوى السياسية والنظام السياسي وبما يسهم في تقوية اداء السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلا أن اغلب القوى السياسية والمجتمع الدولي كان له رأياً أخر اتجاه هذا المشروع، ويمكننا ايجاز اسباب اخفاق السيد الصدر في تحقيق مشروع الاغلبية الوطنية بالآتي:

أولاً-اصولية الصدر التفاوضية: كان السيد الصدر غير مرن بالمرة في النقاش والتفاوض على أصل فكرة المشروع مع القوى السياسية الاخرى، وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي مورست عليه (داخلياً وخارجياً) لكنه أصر على مشروعه السياسي بكونه الفائز الاول في الانتخابات التشريعية بفارق كبير عن أقرب منافسيه؛ لذلك كانت المفاوضات مع السيد الصدر صعبة جداً طيلة حراك تشكيل الحكومة قبل ان يعلن انسحاب كتلته من البرلمان العراقي. إذ باءت بالفشل كل جهود الوفود التفاوضية التي ذهبت للسيد الصدر وحاولت ثنيه عن مشروعه السياسي واقناعه بالعرف السياسي السائد في تشكيل الحكومة على اسس توافقية.

ثانياً- سن قانون تجريم التطبيع: على الرغم من ان قانون تجريم التطبيع موجود في القوانين العراقية السابقة، إلا ان تبني السيد الصدر وتياره والاستعجال في سن هذا القانون في البرلمان العراقي قبل عملية تشكيل الحكومة، عزز من اصولية الصدر الدينية في الرأي العام العربي والغربي وقوض من فرضيات نجاح مشروعه السياسي، ولاسيما ان ربيع التطبيع في المنطقة قد بدأ بشكل رسمي من خلال التطبيع العربي–الإسرائيلي، وعلى الرغم من ان مقاصد السيد الصدر من وراء سن القانون كانت موجهة إلى القوى السياسية التي اتهمته بالمطبع والساعي إليه، إلا انه دفع مشروعه السياسي ثمن سن هذا القانون؛ الأمر الذي ادى إلى تراجع مقبوليته ومشروعه السياسي في العالم الغربي والعربي، ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية، وان كمية الدعم وطبيعة التأييد والمساندة التي تلقاها رئيس الجمهورية الجديد ومرشح الإطار التنسيقي لرئاسة الوزراء من قبل المحيطين الإقليمي والعالمي، سواء من قبل الدول العربية وتركيا او إيران وحلفائها او من قبل المحيط العالمي كالولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الغربية والشرقية، تؤشر على ذلك بشكل واضح؛ لهذا ربما يكون سن هذا القانون من ابرز الاسباب التي ادت إلى فشل مشروع حكومة الاغلبية الوطنية.

ثالثاً-طبيعة النظام السياسي وازدواجية المجتمع الدولي: قد تكون هشاشة النظام السياسي وطبيعته السياسية الهجينة واختلالاته البنيوية وازماته القائمة، بيئة مناسبة لكل دول العالم (الإقليمية والدولية) فالنظام السياسي ما يزال يوفر البيئة السياسية الخصبة للفساد والاستثمار العالمي في مجالي الامن والاقتصاد للدول والشركات العالمية، وما يزال هذا النظام يلبي طموح ورغبات العالم الخارجي؛ ولهذا نجده قائماً حتى الآن، بالرغم من كل الازمات والاحتجاجات التي عصفت به والمشاكل والتحديات التي واجهته.

وان اي تفكير او مشروع سياسي من شأنه ان ينتشل العراق والنظام السياسي من هذا الوضع، غير مرحب به دولياً – في هذه الفترة على اقل التقادير – بغض النظر عن الجهة التي تتبناه، وربما لا يجد اي دعم حقيقي أو اذانٍ صاغية من المجتمع الدولي. ولعل الدعم والترحيب الاقليمي والدولي الذي تلقاه رئيس الجمهورية المنتخب ومرشح الإطار التنسيقي السيد محمد شياع السوداني يؤشر بشكل كبير على طبيعة النظام السياسي القائم وما يلبيه من طموح وارضاء لكل الاطراف الداخلية والخارجية، بما يحققه من رغبات سياسية واقتصادية وأمنية لتلك الأطراف.

فضلاً عن ذلك، فان دعم المجتمع الدولي لنظام المحاصصة التوافقية الحزبية وتأكيدهم –بشكل مستمر– على إشراك الجميع في السلطة التنفيذية وعملية تشكيل الحكومات العراقية بغض النظر عن الاستحقاق الانتخابي وما يفرزه صندوق الانتخابات، يؤشر ايضاً على رغبة المجتمع الدولي والمحيطين (الإقليمي والدولي) في المحافظة على وضع العراق الحالي على ما هو عليه، طالما يحقق مكاسبهم السياسية والاقتصادية ويحافظ على امدادات الطاقة إلى الاسوق العالمية بانسيابية ومن دون مشاكل، ولا يعرض سوق النفط إلى هزات او ارتفاع كبير في الاسعار، ولاسيما في ظل الازمة السياسية والاقتصادية التي تشهدها أوروبا والغرب بشكل عام بعد الحرب الروسية–الاوكرانية، بمعنى ان المجتمع الدولي غير معني بطبيعة العلاقة الداخلية بين النظام السياسي والمجتمع العراقي كيفما تكون، بقدر ما معني بتحقيق تطلعاته ورغباته النفعية - البراغماتية التي يوفرها له النظام السياسي العراقي الحالي.

رابعاً- الفيتو الغربي – الإيراني: ربما هناك تحفظ كبير من بعض الدول على السيد الصدر ذا الانتماء الاصولي المرجعي، بغض النظر عن مشروعه السياسي، فالصدر ابن مرجع ديني كبير ومعروف بتوجهه السياسي والديني، ومعارض لكثير من القضايا السياسية المعاصرة، كالتطبيع والموقف من إسرائيل والمثلية الجنسية التي بدأت تجتاح العالم الغربي والشرقي ومواقفه الثابتة منها، فضلاً عن موقفه من طبيعة العلاقات الدولية بين العراق وبعض الدول الغربية، كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، فضلاً عن موقفه السياسي من إيران ودورها في العراق.

وعلى ما يبدو بان الفيتو الأمريكي على السيد الصدر ومن ينتمي له، ترجع بداياته إلى ما بعد عام 2003 والحرب التي خاضها جيش المهدي آنذاك بقيادة السيد الصدر ضد القوات الأمريكية، (نعم) كان السيد الصدر طرفاً قوياً في معادلة تشكيل الحكومات العراقية المتعاقبة وكان له القدح المعلى في ترشيح كفة كل رؤساء الوزراء السابقين وطرف قوي جداً، إلا أن هذه المعادلة كانت تشاركية في اختيار رئيس الوزراء، تتشارك فها الولايات المتحدة وإيران والاطراف الداخلية، إلا أن الانفراد في تشكيل الحكومة وفرض رغبته السياسية في المعادلة السياسية العراقية، وفقاً لنتائج الانتخابات، امر لا يمكن قبوله من قبل كل تلك الاطراف.

فالأمريكان يدركون تماماً طبيعة التباين (السياسي والعقدي) بين قوى الإطار التنسيقي والفصائل المسلحة، التي ترفع لواء المقاومة ضد الوجود الأمريكي في العراق والمنطقة، وبين السيد الصدر ومواقفه السياسية والايديولوجية الثابتة، سواء فيما يتعلق بالعلاقات الرسمية والوجود الأمريكي في العراق وطبيعة العلاقة بشكل عام، فضلاً عن مواقفه السياسية الداخلية والخارجية اتجاه قيم وتوجهات بناء الدولة العراقية ومواقفه الشخصية من الفساد ومواقف المجتمع الدولي منها. وهذا الموقف يكاد يختزل كل المواقف الغربية بشكل عام.

أما الموقف الإيراني فهو يشاطر الرؤية الغربية في كثير من المواقف اتجاه الصدر والصدريين، سواء فيما يتعلق بأصوليته الدينية والعائلية، المختلفة جذرياً عن توجهات ولاية الفقيه الإيرانية، او فيما يتعلق بمواقف السيد الصدر السياسية المعارضة للدور الإيراني في العراق والمنطقة، وهذا ما كشفته رسالة الصدر إلى قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني في اذار الماضي؛ لهذا ربما تعتقد كل تلك الاطراف بأن مشروع السيد الصدر كان صحيحاً، وان السيد الصدر لديه المقومات السياسية التي تؤهله إلى تنفيذ ما يسعى إليه؛ لذلك كانت هناك خشية غربية – إيرانية ومخاوف سياسية من ان مشروع الأغلبية الوطنية قد يحرمهم من الامتيازات السياسية والعسكرية والاقتصادية والأمنية التي يوفرها لهم النظام السياسي العراقي القائم، ولاسيما فيما يتعلق بالجانب الإيراني، والا ما الذي يفسر التوافق الأمريكي الإيراني على حكومة يكون رئيسها مرشح من قبل القوى السياسية المناهضة للولايات المتحدة الأمريكية والرافضة لأي نوع من العلاقة معها، وتهاجم بعثاتها ومقراتها الدبلوماسية والعسكرية بصواريخ الكاتيوشا بشكل مستمر؟ غير ان يتسمر الوضع على ما هو عليه وبما يوفره هذا النظام من بيئة مناسبة لكل الاطراف الداخلية والخارجية.

خامساً- موقف المستقلين: لم يكن موقف نواب تشرين والحركات الناشئة التي انبثقت من ساحات الاحتجاج وتلك التي تريد تغيير معادلة الحكم في العراق موفقاً، حينما وقفت على مسافة واحدة بين قوى التيار والإطار، فالسياسة فن ادارة المصالح، وعليك ان تعرف كيف تدير مصالحك السياسية والجماهيرية مع الحفاظ على الثوابت الوطنية والسياسية وبما لا يخدش سلوكك السياسي، فطالما هناك طرف سياسي يتشاطر معك بنفس الاستراتيجية والاهداف بغض النظر عن التكتيك والمواقف السياسية السابقة، عليك ان تستغل مواقفه واهدافه وتوظفها لصالح اهدافك السياسية.

فموقف النواب المستقلين من التيار الصدري كان بمثابة ارتدادات عكسية، فهم لم يستغلوا التيار في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية ولم يستطيعوا منع الإطار التنسيقي من تشكيل حكومة توافقية؛ لذلك كان موقفهم السياسي بمثابة فشل مركب، فهم فشلوا في اسعاف مشروع الاغلبية الوطنية، ولم يستطيعوا ان يوقفوا مشروع الحكومة التوافقية، فضلاً عن فشلهم الجماهيري وارتماء بعضهم مع قوى الإطار التنسيقي.

سابعاً-ثوابت الصدر: ان صلابة واصولية السيد الصدر التي تعامل بها مع كل الاطراف، كانت سبب مباشر في فشل مشروع الاغلبية الوطنية، فلم يحاول الصدر ان يغري النواب المستقلين والمتأرجحين بشراء الذمم وتفعيل بورصة بيع وشراء مناصب تشكيل الحكومة، سوى ذلك الوعد الذي اراد به السيد الصدر اقناع المستقلين بحضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، حينما وعدهم بان يكون لهم مكان وصوت مسموع في مشروع الاغلبية الوطنية في حال نجاحه.

ثامناً-الفساد المشترك وحلفاء الصدر: إن رغبة المجتمع الدولي في الحفاظ على الوضع القائم، تكمن في رغبة الاطراف السياسية الداخلية، ممثلة بالقوى والاحزاب السياسية التي تسعى للحفاظ على النظام السياسي الحالي وما يوفره من بيئة مناسبة لها، سواء من حيث المواقف السياسية الرمادية وضبابية المشهد السياسية والفساد المالي والاداري والتداخل بين المواقف الرسمية وغير الرسمية أو من حيث طبيعة العلاقة بين القوى الداخلية وارتباطاتها الاقليمية والدولية.

اغلب القوى السياسية متهمة بالفساد وبقضايا قتل وإرهاب وسرقات وتهجير وتغييب، وان وجودها السياسي مرتبط بالسلطة؛ لذلك قد لا يكون لها مستقبل سياسي في ظل نظام سياسي ومشروع وطني حقيقي. فضلاً عن ذلك، فان حلفاء الصدر الذين تحالف معهم في تحالف (انقاذ وطن) كانوا غير جاديين في تحالفهم مع الصدر، وربما استخدموا هذا التحالف كورقة ضغط وبما يؤهلهم للحصول على مكاسب سياسية أكبر من قوى الإطار التنسيقي، التي ابدت استعدادها التفاوض حول كل شيء في سبيل بقائهم بالتشكيلة الحكومية والحفاظ على سلطتهم السياسية والحزبية. فحلفاء الصدر من (السنة والاكراد) لا يختلفون عن القوى السياسية الاخرى، فكلاهما متهمان بالفساد ولم تتولد لها الرغبة بعد بحل أو عقد سياسي واجتماعي جديد، من شأنه أن ينهي كل الضبابية التي تكتنف العملية السياسية العراقية، وليس لهما الاستعداد الكافي ان يتجردا من السلطة.

فالحليف السني يعتقد بان ثقله السياسي والمجتمعي مرهون برمادية وضبابية الوضع الحالي والحفاظ عليه لأطول فترة ممكنة، شأنه شأن اغلب القوى السياسية الشيعية، اما الحليف الكردي معروفاً عليه بتعامله البراغماتي – النفعي والقومي المتطرف، وكل مفاوضاته يحاول من خلالها ان يحصل على مكتسبات اكثر من بغداد، قبل ان تتوفر له البيئة المناسبة لإعلان انفصاله عنها، فضلاً عن ذلك، فأن الاحزاب الكردية من اكثر المستفيدين من بقاء الوضع الحالي على ما هو عليه، وليس لديها النوايا الحقيقية بدعم اي مشروع سياسي من شأنه ان يعيد القوة إلى بغداد والحكومة الاتحادية وان يوازن حكومة المركز بحكومات المنطقة. ولعل هذا ما يفسر صمت تلك القوى عن مضامين الاتفاق التي حصلت عليها جراء تحالفها مع الصدر، طيلة الفترة التي سبقت تحالفهم مع الإطار التنسيقي.

لهذا يعتقد كثيرون بأن الرؤية المشتركة لكل هذه الاطراف (الداخلية والخارجية) كانت تمثل مصدات حقيقية أمام مشروع السيد الصدر؛ لان الجميع في هذه المدة يرى بانه خاسر إذا ما كانت هناك دولة وسلطة حقيقيتين، تتشكلان على اساس القانون والدستور واحترام القيم الديمقراطية وما يفرزه صندوق الانتخابات، بما فيها اجزاء وشخصيات كثيرة وكبيرة من التيار الصدري.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2022
www.fcdrs.com

اضف تعليق