الانسان العربي مهما تمدن يبقى يعيش تحت سيطرة بدويته، ويمارس قوانينها القاسية المنبثقة من قسوة البيئة وطبيعة المجتمع المحيط، ونحن عرب اليوم ابناء تلك الاقوام ولن نستطيع مغادرة بعض سلبيات المجتمع العربي مهما بلغنا مستويات علمية ومعرفية، فما ان تلحظ بعض السلوكيات حتى تشعر وكأنك تقبع وسط ازمنة الجاهلية التي كانت أبرز معالمها القسوة المفرطة في التربية.

الكثير من الناس سيما الرجال يحاولون بسط سلطتهم الابوية بعنف على ابناءهم بداعي انهم الصواب المطلق او ربما بداعي تربيتهم تربية سليمة وابعادهم عن الاخطاء لكنهم يمارسون معهم القسوة والعنف اللفظي والجسدي وكل اشكال العنف التي تشوه صورة الحياة بأعينهم وتترك عدة اثار سلبية في شخصياتهم قد تستمر مع استمرار اعمارهم وهذا هو الخطأ بعينه.

تتشكل شخصية الانسان بصورة عامة منذ صغره بالاعتماد على والديه، فما يصدر من الابوين هو الذي يساهم في تحديد نوع الشخصية ونمطها فطريقة تربية الآباء لأبنائهم من أهم العوامل التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على شخصياتهم ونفسيتهم في المستقبل، ولهذا السبب فان الارتباط وثيقاً بين شخصية الآباء وشخصيات وسلوكيات الأبناء في المستقبل.

ربما يجهل الكثير من الوالدين الذين يتخذون من القسوة في التربية مسار لهم انها من أكثر اخطاء التربية كما انها من اسوء الاساليب على الاطلاق، لكونهم يعتقدون أنهم بذلك حريصون على تربية أبنائهم وتأديبهم، وان هذه ليست قسوة من لا شيء وإنما ناتجه من الخوف على الأبناء من الانحراف والسلوكيات غير السوية.

القسوة في التربية سيما اذا كانت في سن مبكر ستجعل من الشخصية تتشكل تحت تأثير الخوف وليس الفهم والتحليل ومن ثم التنفيذ ومن هذا تنمو شخصية الانسان محملة بالعديد من العقد النفسية والآلام وحتماً سيعوض هؤلاء الذي مورس عليهم الضغط بممارسة عملية الاسقاط النفسي التي تعني ان الانسان يمارس على غيره ما كان يمارس عليه بالأمس.

نحن كمختصين في علم النفس والتربية حين نريد الوقوف على حقيقة اية مشكلة في شخصية انسان ما نستخدم في بعض الحالات ما يعرف بـ (دراسة الحالة) لمعرفة تأثير هذا العامل في نشوء السلوك ومن ثم على الشخصية، ووفق دراسات الحالات التي قمنا بها توصلنا الى حقيقة تقول ان الكثير من الافراد الذين يمارسون العدوانية على من حولهم كانوا قد تعرضون للقسوة اما من ابويهم او من محيطهم الاجتماعي وبالتالي هم يقومون بممارسة نفس السلوك لكن في اوقات مختلفة وبطرق مختلفة.

في هذا السياق تشير احدى الدراسات النفسية إلى أن الأبناء الذين تعرضوا للضرب والقسوة من الآباء هم أكثر الأشخاص عرضة للانحراف السلوكي، إما بالتدخين أو تعاطي المخدرات أو الانحراف في طريق الجريمة والعدوان في الحياة عندما يصبحون بالغين ومتمكنين من حمل السلاح او ممارسة العدوان بأشكاله المختلفة.

ومن السلبيات التي تتركها القسوة المفرطة انها تبعد الابناء نفسياً عن والديهم وهذا يحصل كنتاج طبيعي للكراهية في نفوسهم وعدم الشعور بالاطمئنان داخل محيط الاسرة كما ان النقصين المادي والمعنوي غير متوفرين بالتالي هم غير مرتبطين بوالديهم نفسياً ونوع الارتباط بينهم بايلوجياً فقط، وهذا انعكاس طبيعي لشخصية تربت على القسوة.

ومن المعيب على الوالدين ان يفرضون ما يريدون على ابناءهم بالإكراه مع عدم مراعاة ضعفهم التكويني والنفسي، وهو يجعل ابناءهم ذوي شخصيات مهزوزة فاقدين الثقة بأنفسهم يشعرون بالانكسار والضعف ويشعرون على الدوام أنهم ليسوا متمكنين من العيش بسلام نفسي يدفعهم بأتجاه خدمة أنفسهم ومجتمعهم الذي ينتمون اليه.

في الختام نوصي الابوين بأتباع طرق في التربية بدلاً من القسوة ومن هذه الطرق: فحص السلوك الذي يقوم به الطفل عبر معرفة الدافع من وراءه ومعالجته وبمعالجة الدافع يعالج السلوك نفسه، ثم من المهم التركيز على الايجابي وتعزيزه بدلاً من معاقبة السلبي، كما نفضل استخدام العاقبة التي تعني عقاب لطيف ومؤجل بدلاً من العقاب، واخيراً لا بأس باستخدام التلاعب النفسي بالأطفال من اجل تعديل سلوكهم نحو الاحسن بإستخدام المعززات الايجابية والمكافئات المادية والمعنوية، وبذا تسير التربية بطريقها الصحيح.

اضف تعليق