تبدأ الحروب وتنتهي في مدة تطول أو تنقص وتترك نتائج صعبة على النفوس والعقول، كدمات وعقد تبقى لصيقة في الوعي الفردي والجمعي معا، في الثقافة والمخيال الاجتماعي، بحيث يتغلغل الخوف في اللاشعور، ويبقى في حالة كمون، ينتقل من جيل لآخر.

يتم تلقين الأجيال تاريخ البطولات والمغامرات الخاصة بالأبطال والزعماء والمعارك الضارية دون سرد للتفاصيل ودقائق الأحداث بالتصوير الفني البطيء للمعاناة والخسائر المادية والبشرية. غالبا ما يتم القفز على ذلك للتقليل من الصدمات، تجاوزا للماضي ومحوه بالنسيان والنظر للحاضر والمستقبل.

ويكون السرد التاريخي للوقائع خطيا مفعم بالقصص والحقائق الدالة على قوة وشجاعة الأمم أو الدالة كذلك على همجية الإنسان ووحشيته، وهذا دليل على الغريزة المحركة للفعل، وبناء على منطق القوة الذي يحتكره الأقوياء والجبابرة، محرك الإنسان في نزعته وميله نحو الفعل غريزتين كما في تشخيص الطبيب والمحلل النفسي النمساوي "سيغموند فرويد"، وهما غريزة الحياة وغريزة الموت والتدمير، فلا بد أن يكون هناك نوع من التوازن بينهما وإلا يمكن للغرائز أن تنفلت من عقالها وتتجه نحو الفتك والقتل.

إنها مقاربات في صميم البحث عن الدوافع المحركة للحروب والصراعات، إنها تفسير يروم بالفعل تقييد الفعل السياسي لدى الفاعل وصاحب القرار بالغايات القصوى، وهي صيانة الكرامة وعدم الاعتداء، والحد من الجموح والنزوع نحو القوة لأن قراءة التاريخ القريب والبعيد لا يشير بالتمام أن القوة لوحدها كانت تخلق الحق وتؤسس للعدالة والكرامة، نماذج من الشخصيات التي صنعت التاريخ أو تلك التي ساهمت الظروف التاريخية في صناعتها من أمثال نابليون وهتلر وموسوليني والقدماء من المحاربين الرومان الذين نالهم التعب فكانت نهايتهم مأساوية بفعل ادعائهم القوة واحتقارهم للشعوب المستضعفة، رغبتهم في الغزو والبطش كانت شديدة ورغبة الأمم الأخرى في المقاومة كانت أشد صلابة، يكون الصراع بين ظالم ومظلوم، في عالم سيادة إرادة القوة التي تبقي الأمم حية وباقية في الوجود حتى لا يتم ابتلاعها من قبل أمم أخرى.

منطق التاريخ الذي ينهي حقبة ومسار معين، ويعلن عن ميلاد مرحلة جديدة، ما يعني أن للتاريخ دينامية في التغيير، وللوقائع غايات لا يدركها الإنسان إلا بالصراع والتنافس، هكذا نفهم تصورات وتأويلات لما تقدمه فلسفة التاريخ والعلوم الإنسانية وفلسفة القانون، ولما يتضمنه التاريخ من دروس وعبر.

تداعيات الحروب لا بد أن تترك صدمات في النفوس، لا بد أن تفرز الحروب غالبا ومغلوبا. مشكلة الحروب تلقي الضوء على خفايا الزعماء والقادة، وعلى دوافع الشعوب في استعمار الآخر وتمريغ كرامته وبالتالي السيطرة عليه واستعباده، ومن ثمة كانت القوة ولا زالت هي الدافع نحو إشعال الحروب والزيادة في التدمير. رغبة المهيمن واعية في سفك الدماء، ودوافع إرادية يمكن تحديدها فيما هو اقتصادي وسياسي وديني.

تنتهي الحرب وتبقى آثارها النفسية على أسر الضحايا والأطفال والشيوخ والمستضعفين من الناس، كوارث تصيب البيئة والحيوان. تتلاشى الحروب ويبقى الطرف الغالب الرابح يُعد خسائره كذلك، والطرف المغلوب يعيد النظر في أسباب الهزيمة استعدادا للمعارك القادمة، كما تشتد الأزمات على الكل، ويصاب العالم بأوجاع وأمراض وأزمات اقتصادية.

مشاهد من الدمار الخاص بالبنية التحتية، وأهوال من الرعب الذي يلازم الوعي الفردي والجمعي، وأشكال من الخوف في النفوس يصاحب الأطفال، ناهيك عن الضحايا من الجنود والخسائر المادية، تأثيرات طويلة الأمد لا تنمحي بسهولة. فكم تحتاج البلدان من مدة إلى لملمة أوجاعها وتسكين آلامها.

ترياق السلام لا يكفي لمدة معينة في محو النتائج السلبية من النفوس، وسم الحروب في التمزق الذهني والنفسي للجنود العائدين من ميادين القتال، ضحايا القرارات والإملاءات الفوقية من القيادات والزعامات، لا يملكون خيارات سوى القتال أو القتل، ومن أشد أنواع الحروب تلك الحروب الداخلية بين الشعب الواحد، يكون الإنسان في حالة خوف دائم وتوجس من القتل والتصفية، إما على الهوية أو لدوافع سياسية، أو انتقام من جماعات متصارعة محددة، شعارها الانتقام، وعداوة تاريخية حينما يتحرك المكبوت التاريخي من جديد، وتغيب الدولة المركزية القوية، وهذا النوع من الحروب ينتهي بصدمات نفسية وعقلية شديدة جدا من الذين تتقاسم معهم الوطن.

حرب الكل ضد الكل كما قال بذلك الفيلسوف الانجليزي توماس هوبس أو حالة الطبيعة في أرقى معانيها الواقعية من الاندفاع والتنافس، وحالة الصراع الذي لا ينتهي إلا بوجود الدولة القوية التي تقهر نزوات البعض، بحيث تعمل على كبح جموح الأفراد والجماعات من الراغبين في تقويض الحق الطبيعي والحقوق المدنية.

إن الغرب يتكتل في شكل حلف يشمل مجموعة من الدول، ويتضمن قوانين تلزم الدول للدفاع المشترك ضد العدو المفترض، ضد ما يسميه هنتغتون الحضارات المعادية للغرب كثقافة ونمط حياة منها الإسلامية والكونفوشوسية، وينسى أن الصراع يمكن أن ينبعث من قلب أوروبا، كما بدأت الحرب العالمية الأولى والثانية، أما دوافع الحروب التي تورطت فيها روسيا وأمريكا في المنطقة العربية فهي بالفعل وصمة عار تبقى مدونة في سياستها، ومسجلة في التاريخ الجماعي للشعوب العربية، من حرب العراق وسوريا... ندين الحروب الجائرة التي تمارس على المستضعفين، الحروب التي تقوض السلام والتعايش المشترك، حرب تمزيق النسيج الاجتماعي، حرب زرع الشقاق بين الشعب الواحد، والحرب التي ساهمت في زيادة العداء والحقد بين الشرق والغرب.

آثارها النفسية باقية في نفوس الناس من الذين عاشوا الحرب والغزو الأمريكي على المنطقة العربية، وعلى شعب أفغانستان وشعوب أخرى في آسيا. ضحايا الحروب بالآلاف وصور من الماسي لازالت عالقة في الأذهان. يصور الغازي أن الحروب هي وسيلة للتحرير أو محاربة ما يسمى الإرهاب أو الفكر القومي المتشدد وما يهدد مصالحه، مما لا يعكس ميولات الدول الغازية والمعتدية. فالأمر هنا لا يقبله العقل والفطرة السليمة، دوافع الحمقى من رجال السياسة والعسكريين، ونخبة من المنتفعين، وهوس القادة بالزعامة والسيطرة تعني أن السياسة في خطر والعالم يتجه نحو الهاوية.

نطالب الشعوب الحرة بإدانة الظلم في العالم، الشرق اكتوى بالحروب المختلفة، لازال يعاني من تداعيات الحروب ومخلفاتها النفسية والاقتصاديةـ، لا بد أن تنتهي الحروب ومسبباتها الواهية، إحلال صوت العقل والضمير الأخلاقي، ونداء الحقيقة للتعايش بين الشعوب، بحيث يكون التغيير من الداخل وبإرادة الشعوب في تنمية البلدان اقتصاديا واجتماعيا، لا بد من استنبات الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، وإذا كان الشرق الأوسط اكتوى بالحروب وأضرارها فلا مجال للتهليل للحرب العالمية الثالثة من منطلق الحرب المشتعلة بين روسيا وأوكرانيا، طرفا الصراع يجمعهم التاريخ والثقافة، ويفرقهم النظر للمستقبل البعيد، متباعدون في الرؤى والأهداف.

كل بلد مستقل بذاته ضمن حدوده وضمن احترام القوانين الدولية، فلا حق لدولة في احتلال بلد معين. الحرب هناك بدون مبررات منطقية، حرب غير عادلة وليست متكافئة، وبدون دوافع حقيقية سوى تلك الهواجس التي تنتاب الطرف الروسي من اندفاع الحكومة الأوكرانية نحو الغرب، والتفكير في انضمامها "للناتو" يشكل تهديدا مباشرا لأمن روسيا، أما الطرف الأوكراني، يعتبر الأمر اختيار نابع من إرادة الشعب وسيادته.

يعلم الرئيس "بوتين" أن العقل السياسي الأمريكي يخطط بعناية، ويشدد على تحقيق الأهداف والغايات، يراقب عن كثب، ويرصد ما هو موجود في الميدان، يعرف بالتمام من مدة أن الحرب وشيكة، والفخ الأوكراني ما هو إلا سياسية للتطويق والتقليل من قوة روسيا على المدى البعيد.

عين أمريكا على الصين وقوتها النامية. هناك دوافع وإستراتيجيات غير معلنة، خبيثة وماكرة في توسيع هامش الحرب لاستنزاف قدرات روسيا، وفرض عقوبات اقتصادية ومالية في محاولة منها لإرغام الشعب الروسي على التظاهر والخروج للشارع لإسقاط نظامه.

تقترب أمريكا من روسيا ومن بحر الصين الجنوبي، تتمركز في كل مكان، قواعدها ثابتة ومتحركة، تبث الرعب في نفوس الأوروبيين من الخطر الروسي وصعود التنين الصيني والخطر النووي الكوري، ما يمثله الرئيس بوتين من خطر على السلم العالمي. من المعلوم أن المفاوضات انتهت بدون تقديم ضمانات أمنية للروس، أمريكا ترتدي أقنعة، وتوهم الآخرين بمخاطر السيطرة على البلدان المنضوية في حلف الناتو. السكوت على روسيا عند اكتساح الشيشان وجورجيا وجزيرة القرم والتدخل في آسيا الوسطى، بالمقابل صمت روسيا عن غزو العراق وأفغانستان.

التاريخ يعيد ذاته في الحرب الباردة، حنين لأمجاد الاتحاد السوفياتي ورغبة واعية للحد من طموح حلف "الناتو". روسيا قوة إقليمية كما قال أوباما، لكنها تعتبر نفسها قوة عظمى، تملك قدرات اقتصادية وثروات طبيعية غنية، وفسيفساء من الأديان والقوميات، وسلاح الغاز الطبيعي، كذلك قدرتها النووية لا مثيل لها في التدمير والتوازن.

تعمل أمريكا على قطع العلاقات التجارية بين العالم وروسيا، تعلنها حرب مشتعلة في الميدان بالدعم العسكري، والعقوبات المالية، وحرب في شبكات التواصل الاجتماعي، لكن الحروب يربحها المخططون وأصحاب المنافع والراغبون في الزيادة من المبيعات والمنتجات، والقائمون على الشركات وتجار السلاح، أما الناقمون على الحروب والرافضون لها فهم المستضعفون من الناس الذين يجدون أنفسهم محاصرين وهاربين من أهوالها ودمارها، ولنا في الحرب العالمية الثانية والحروب الاستعمارية والحروب بالوكالة خير دليل على آفة الحرب ونتائجها الصعبة، عندما تترك كدمات وجروح نفسية غائرة في ثقافة الشعوب التواقة للتعايش والحرية.

لعل التاريخ كفيل بإظهار تهافت الزعماء والحاقدين والحمقى من السياسيين والمغامرين لإشعال الحروب دون الإنصات لصوت العدالة والضمير الإنساني. لا شك أن الشرق خبر الحروب، الغرب عاش ويلات الحروب كذلك، سياسة الزعيم الواحد أضحت من الماضي، حروب المصالح باقية، لا بد أن يكون التضامن مع المظلوم في كل بلاد العالم مهما كانت الديانات والثقافات لأن الإنسانية واحدة، ما يزعجنا بالفعل ماسي الأطفال والشيوخ ونتائج الحروب من مجاعة وفقر وانسداد الآفاق وتبعات الفرار من جحيمها.

أعتقد أن الحرب لن تكون نزهة أو حربا تقليدية، الحرب هنا شاملة بأدوات خبيثة ووسائل في غاية الإجرام والتدمير، من الحرب البيولوجية والحرب المالية والاقتصادية، والحرب الالكترونية. تنتهي الحروب وتبقى الجروح النفسية غائرة.

اضف تعليق