إن ازمة نتائج الانتخابات العراقية الاخيرة ربما لم تبح بكامل أسرارها لحد الآن، وأن اعتراض القوى السياسية الخاسرة في الانتخابات، ربما تعتبر أزمة طبيعية في مسار العملية الانتخابية العراقية على مدى الدورات الانتخابية السابقة، إذا ما قورنت بأزمة تشكيل الحكومة أو ازمة الرئاسات الثلاث، ولعل الاخيرة قد تكون الأزمة الرئيسة التي ستشل حركة الدولة العراقية وستواجه العملية السياسية في المرحلة المقبلة بعد مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات.

إن أزمة الرئاسات الثلاث هذه المرة، ربما تختلف عن سابقتها، وان توازنات العملية السياسية لم تعد ذات توازنات عمودية فقط، محصور بين المكونات الرئيسة للبلد (الشيعية والسنية والكردية)، وان التنافس السياسي وتوزيع المناصب لم يعد عمودياً كما كان قبل دورة أو دورتين انتخابيتين، بل أن التوازنات السياسية تمددت افقياً بين المكونات السياسية الثلاثة، وان التنافس السياسي أصبح تنافسا افقيا ايضا، ربما يدور داخل كل مكون اكثر مما موجود بين المكونات الرئيسة نفسها، وهذا ربما نعزوه إلى سببين:

أولهما يعود إلى ترسخ العرف السياسي المبني على تقاسم الرئاسات الثلاثة، أي بمعنى ان كل مكون صار يدرك جيداً ما هي حصته من هذه الرئاسات، فالشيعة على سبيل المثال، أصبح منصب رئيس الوزراء من حصتهم السياسية والمكوناتية، بدرجة لا يمكن أن تخضع لأي نقاش، وكذلك الحال بالنسبة لمنصب رئاسة البرلمان ورئاسة الجمهورية. اما السبب الثاني، ربما يعود إلى الانقسامات والاختلافات السياسية والحزبية التي تعرضت لها تلك المكونات (سياسياً وحزبياً)، ولاسيما داخل المكونين (الكردي والسني)، التي بدورها زادت من حالة التنافس السياسي بين احزاب المكون حول المنصب او المناصب السيادية الممنوحة له.

وطبقاً للدستور العراقي الحالي، فإن منصب رئيس الجمهورية محدد بدورتين فقط، مدة كل دورة أربع سنوات. أما المنصبان السياديان الآخران، وهما رئاستا الوزراء والبرلمان، فهما غير محددين بفترة زمنية معينة، والأمر نفسه ينطبق على المنصب السيادي الرابع، وهو رئيس مجلس القضاء الأعلى. ففي الوقت الذي تولى رئيس الوزراء الاسبق السيد نوري المالكي منصب رئاسة الوزراء لولايتين والراحل امام جلال رئاسة الجمهورية لدورتين، فإن منصب رئاسة البرلمان المنصب الوحيد الذي لم يتم التجديد فيه لأي شخصية أكثر من دورة انتخابية، وبما أن المنصب الوحيد غير القابل للتداول هو منصب رئيس الوزراء المحسوم للمكون الشيعي، فإنه كثيراً ما يجري الحديث عن إمكانية تبادل الأدوار بين الكرد والسنّة على صعيدي رئاستي الجمهورية والبرلمان. رئيس البرلمان المنتهية ولايته السيد محمد الحلبوسي أبدى قبل أشهر رغبته في أن يتولى هو منصب رئاسة الجمهورية منطلقاً في ذلك كون أغلبية الشعب العراقي من العرب أكثر من 80%. كما أن امتدادات العراق عربية سنية وهو مؤسس للجامعة العربية، وبالتالي ووفقاً لهذا التصور؛ فإن الأفضل أن يكون رئيس الجمهورية عربياً سنياً.

هذا التصريح من قبل الحلبوسي يحمل مؤشرات سياسية على رغبته في تولي رئاسة الجمهورية، وان توكل له شخصياً؛ لأنه يعلم جيداً بأن الحفاظ على منصبه السابق كرئيس للسلطة التشريعية، مسألة غاية في الصعوبة في ظل التنافس السياسي المحتدم بين الاحزاب والشخصيات السياسية السنية، وهذا التنافس الافقي داخل المكون السني، ربما سيفجر الازمات داخل المكون، الامر الذي سينعكس سلباً على عملية تشكيل الرئاسات الثلاث، فضلاً عن ذلك، فإن دعوة السيد الحلبوسي عن رئاسة الجمهورية، اثارت حفيظة الكرد، الذين أعلنوا تمسكهم بهذا المنصب.

ففي الوقت الذي بدأوا فيه متوافقين بشأن حصتهم برئاسة الجمهورية، إلا ان الصراع على ذات المنصب يبدو هذه المرة أكثر احتداماً بين الحزبين الرئيسيين في كردستان (الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الذي ينتمي إليه الرئيس الحالي للجمهورية برهم صالح). فطبقاً للتقسيم بين الحزبين الرئيسيين في كردستان، فإن حزب بارزاني يتولى رئاسة الإقليم بينما يكون منصب رئاسة الجمهورية من حصة الاتحاد الوطني. فضلاً عن ذلك، ففي الوقت الذي تحتدم فيه الخلافات بين الحزبين الكرديين، فإن أمر الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية غير محسوم حتى داخل أوساط الاتحاد الوطني وهو حزب رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح.

لذلك تعد أزمة اختيار الرئاسات الثلاث أبرز الأزمات التي ستواجه العملية السياسية في العراق بعد التصديق على نتائج الانتخابات، التي تتكرر في كل مرة على مستوى المكونات بشكل عمودي، إلا أن هذه المرة ستلعب التوافقات الافقية داخل كل مكون، دور كبير في زيادة أمد الأزمة السياسية العراقية، إذ نجد هذا الشيء يحصل داخل المكون الواحد، وبعده يدخل في دوامة التوافقات بين المكونات الثلاثة الكبرى (الشيعة والسنّة والكرد)، إذ يجب أن يحظى الرئيس بإجماع شبه مطلق من قبل مكونه وإجماع بقية المكونات عليه.

فضلاً عن ذلك، سيكون منصب رئاسة الوزراء، الأزمة الأكبر في تشكيل الحكومة الجديدة، ولاسيما في ظل فوز قائمة السيد مقتدى الصدر وإصراره على حكومة الاغلبية الوطنية وتمسكه برئاسة الوزراء، وتمسك باقي القوى السياسية الشيعية بذات المنصب، والرغبة الإيرانية التي تدفع بمرشح الإطار التنسيقي السيد نوري المالكي لرئاسة الوزراء، الأمر الذي سيزيد من تعقيد مسألة حل إشكالية تولي المنصب شخصية مقبولة لكلا الطرفين، فضلاً عن مقبوليته من قبل المكونين (السني والكردي). لذلك ستتصدر أزمة اختيار الرئاسات الثلاثة المشهد السياسي العراقي بعد المصادقة على نتائج الانتخابات، وأن الاختلاف الافقي هذه المرة سيعقد من أزمة التوافق السياسي؛ الأمر الذي سينعكس على عملية تشكيل الحكومة المقبلة.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2021
www.fcdrs.com

اضف تعليق