الانسان في كل مجريات حياته يبحث عما يسعده ويبقيه في حالة من الارتياح والسكون والاطمئنان، وهو دائما ما يحاول ان يتناسى ما يقلل من رصيد راحته النفسية، هو لديه ميل فطري للتركيز على الايجابية وتجاهل السلبية كمبدأ عيش او طريق نجاح.

هذا المبدأ يسمى الانحياز الايجابي او لعبة السعادة او مبدأ بوليانا الذي اشتقت من رواية او قصة صغيرة لفتاة تعيش الجانب المشرق من حياتها وتركز عليه أكثر من السلبي حيث استطاعت بعفويتها ان تجعل ابناء قريتها يعملون به لا شعورياً وبذا نجحت هذه الفتاة الصغيرة من نشر عبق السعادة حين عجز الاكبر منها سناً وتجارباً من القيام بذلك.

ولكي يعيش الانسان بعيداً عن الحزن والاكتئاب والقلق لابد ان يتجه صوب الايجابية ونبذ السلبية في التعامل مع المحيط ومع نفسه، ويحصل هذا حين يكون لديه تحيز ايجابي لما يحب وابعاد ما يكره او يمقت وهو يجعل الكثير من الناس يعيشون براحة نسبية رغم كونهم محاطون بالكثير من المشاكل والآلام.

الطريق الى تحقيق السعادة هو المبالغة في تقدير حجم الأشياء القيمة في حياتهم والاستمتاع بها والشكر لها كنعم عظيمة مثيل تقدير تحصيلهم الدراسي العال وظيفتهم الجيدة والنجاح في طباعة كتاب او كتابة قصة او اقامة مشروع انساني يبقيك قريباً من انسانيتك، او أي انجاز يجعلك على مستوى جيد من الصحة النفسية والجسدية التي تعطيك فرص حياتية كبيرة، وهذا ما يجعلك تعيش قدراً عال من الارتياح النفسي الذي هو اساس كل نجاح وبوابة كل تقدم.

تم تشخيص المبدأ نفسياً لأول مرة من قبل الباحثين النفسيين (ماتلين وستانغ) في سبعينيات القرن الماضي حين لاحظو أن البشر الاصحاء يميلون إلى أن يكونوا متفائلين وإيجابيين بشكل ملحوظ أكثر من كونهم محبطين وعنيفين، كان ذلك في بحثاً لهم اجروه على عدد من الناس ومن طبقات اجتماعية وعلمية وثقافية مختلفة اذا خلص البحث الى ان اغلب الناس الاصحاء نفسياً يولون اهمية كبيرة للإيجابية في حياتهم، ويفترضون غالبًا الأفضل عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات دون كل المعلومات ذات الصلة والتي من الممكن ان تؤثر في القرارات.

وقد اوضح ماتلين وستانغ في نتائج بحثهما ان العمليات العقلية المعرفية تتحيز بشكل انتقائي معالجة المعلومات الممتعة على المعلومات غير السارة، ولكن ماهي البيئة الصحية التي تساعدنا على العمل في حياتنا اليومية بإيجابية وتفاؤل وتدفعنا بأتجاه تفكير مستقبلياً واعياً، كما تحمينا من التأثر بسلبية المحيط؟، وهل يمكن لنا كبشر ان نحد من علاقتنا مع المجتمع السلبي بداعي الحفاظ على إيجابيتنا التي ستتآكل فيما لو بقينا بجانب السلبين؟

جميعنا نحن البشر نمر بأيام سيئة ولحظات صعبة ومجهدة نفسياً وليس لاحد منا ان يدعي ان يستطيع ان يكون سعيداً طوال الوقت وهذه حقيقة الحياة التي ربما هي من تعطيها جمال لان العزف على لون واحد في الة البيانو لا تعطي مقطوعة جميلة مالم يكون هناك تنوع بين الابيض والاسود.

الجمال في الحياة يكمن في الموازنة الصحية بين الإيجابية والتفاؤل جنبًا إلى جنب مع الواقعية والشعور بالسياق والفهم العملي لما هو مناسب ومتى يكون واين يكون، فالجميع لديهم قدرة على استشعار السعادة حتى أولئك الذين يعانون من الاكتئاب أو اضطرابات مزاجية أخرى لديهم قدرة متأصلة على التركيز على الإيجابيات دون غيرها من الخبرات والادراكات.

من الامثلة الكثيرة على الانحياز الايجابي حين تتذكر مع زوجتك الايام الاولى للخطوبة تتذكر الاشياء الجميلة على الرغم من كون العلاقة يشوبها شيء من السلبية وعدم التوافق والمشاكل، وحين تقوم بالتصفح على مواقع التواصل الاجتماعي لا ارادياً تجد نفسك فرحاً لخبر جميل او قصة قراءتها رغم انك قرأت ايضاً الكثير من الاخبار السلبية في الوقت ذاته، كما وانت تراجع ما قمت به خلال يوم عمل طويل ومتعب فأنك تبتسم لا شعورياً لمرور شيء لطيف حصل لك خلال هذا الايام المرهق الذي لا تود تكراره لصعوبته وثقل مهامه.

وحين يتم دعوتك للمشاركة في مخيم صيفي فستتذكر الذكريات الايجابية مثل السباحة وممارسة انواع الرياضة والمزح أكثر من استرجاع الذكريات السلبية مثل الشعور بالحنين إلى الوطن ولدغات الحشرات، كل هذه الامثلة وغيرها تدل على ان التحيز الايجابي هو الذي يبقي الانسان على قدر من الشعور بالراحة النفسية الكافية للاستمرار بأداء اعمالك ورسالتك في هذه الحياة، ولعل اثمن ما يمكن ان يخسره الانسان هو صحته النفسية وتوازنه وبالتالي ضياع بوصلته وضبابية طريقه وذلك هو الخسران العظيم.

اضف تعليق