ذات مرة اخبرني صديقي الذي يعمل مدرسا في احد الجامعات العراقية بأنه وللعام الثاني على التوالي لم يتمكن من التغلب على خوفه الذي يقوده الى الارتباك في كل مرة يدخل الصف ليلقي محاضرته على طلبته، الامر اثارة لي فضول البحث عن الموضوع وعقلي يزدحم بالأسئلة من قبيل، هل ان الامر يوجد بنسبة كبيرة لدى الكثير من الناس، وهل لنمط الشخصية اثر في ذلك؟، وماهي الاسباب التي تؤدي الى هذا الخوف؟، وكيف يمكن ان يتغلب الانسان على هذا النوع من الخوف الذي يعد منقصة سيما لدى المدرس والخطيب والاعلامي على اعتبار ان هذه المهن تحتاج الى اتصال مباشر مع الجمهور؟.

مثل هذه الحالة والحالات المماثلة تعرف بالرهاب الاجتماعي والذي يعرف من قبل علماء النفس على انه رهاب يشتمل على جملة من المخاوف الاجتماعية مثل التحدث أمام الناس أو تناول الطعام او طلب حاجة ما او حتى الظهور فقط امام الناس، وهذا ما يتسبب بقصور الانسان في الكثير من المواقف الاجتماعية عن اداء الدور المنتظر منه.

ولعل الانسان الذي يخشى الحضور امام الناس منشأ خوفه متأتي الموقف الاجتماعي حيث يتعرض الفرد للتدقيق المحتمل من قبل الآخرين، وللتنويه ان الانسان قد يصاب بنوع محدد من الرهاب الاجتماعي مثل الخوف من مواجهة الجمهور والتحدث اليهم وليس جميع الانواع المشتقة من الرهاب الاجتماعي في آن واحد.

وحيت يترك هذا الداء دونما معالجة فإنه غالباً ما يتفاقم بمرور الوقت فما يبدأ كخوف بسيط نسبياً من أن يحيط بك الغرباء يمكن أن يتصاعد ليشمل أي مجموعة من الأشخاص، حتى الأصدقاء المقربين، و في نهاية المطاف ليشمل اللقاءات الفردية وهنا تحدث الطامة الكبرى.

تظهر على من يعانون من الخوف من مواجهة الناس علامات تدل بالضرورة على اصاباتهم به ومن ابرز هذه العلامات: الارتجاف والتعرق سيما في الدقائق الاولى من الحضور، تسارع نبضات القلب، تغير لون الوجه، انقطاع النفس عند التحدث، صعوبة في التحدث بسلاسة وطرح افكار متسلسلة ومتماسكة، اصابة الفرد بالقلق من أن الآخرين لكونهم قد يطلقون أحكامهم بخصوص كل شيء يتعلق به ابتدءاً من أسلوبك في اللباس وصولاً إلى اختيارك للكلمات.

عدم قدر المتحدث على اجراء تواصل بصري بينه وبين الجمهور، قد يواجه مشكلة في النوم في الايام التي تسبق المناسبة او اللقاء، قد يميل المصاب إلى الإلغاء أو ببساطة عدم الحضور، وقد يقوم بعض الأشخاص الذين يعانون من رهاب البشر الشديد بترك العمل أو المدرسة ويتجنبون رؤية أي شخص، اذا توفرت اكثر من علامة لدى الانسان فأنه دليل ابلج على انه مصاب بهذا الداء.

اسباب نشوء هذا الخوف من مواجهة الجمهور والتحدث اليه كثيرة لعل ابرزها ما يلي: تنشئة الاطفال على عدم الاختلاط مع المحيط البشري وعدم منحهم فرصة للتحدث في المناسبات العامة والخاصة وفق مبدأ بدوي متهالك يرى ان ليس من حق صغار العمر التكلم في حضرة من اكبر منهم سناً وبذا لا يقن على التحدث حتى في ابسط المواضيع واعقدها، كما ان قصور المؤسسات التربوية والتعليمية عن تشجيع الطالب على تكوين شخصية قيادية غير خائفة ولا مترددة من خلال منحهم فرصة لأخذ مكان الاستاذ وشرح المادة العلمية لزملائه وبالتالي يبقى التعليم مفتقراً لاهم اركانه وهو الجانب العلمي الذي يحتاجه الانسان ربما اكثر من الجانب النظري، ومن هذين السببين ينشأ الخوف من هذا النوع.

اما المعالجات الممكنة التي تساعد الانسان الذي يعاني من الخوف من الجمهور فهي: اشراك الطفل ومن مراحل عمره الاولى في الاحاديث العائلية وغيرها في التعبير عن افكاره مما يقوي ثقته بنفسه ويجعله غير متأهب للحديث في اي موضوع كان واية مناسبة كانت في المستقبل، ومن المهم ان تأخذ المؤسسات التربوية والتعليمية دورها في اذكاء الجانب العملي الذي يجعل الطلبة غير مكترثين لمن امامهم وبالتالي يتعاملون معهم من دون ارتكاب او قيود وذا هو المطلب.

اضف تعليق