تشكيل الحكومة العراقية يقف الآن امام مفترق طرق وفي أحسن الأحوال فأنه ذاهب الى خيار التوافقية او الأغلبية الوطنية كما يسميها زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، وكلا الطريقتين يبثان السموم في جسد المنظومة السياسية في البلد الذي سرت فيه العادة على اتباع النهج الملتوي للوصول الى حكومة قائمة على ركام التوافقات وتمتاز بالضعف الكبير.

السيد الصدر وفي تغريدته الأخيرة بين ان خيار حكومة الأغلبية الوطنية هي المنفذ الوحيد الذي يمكن ان نخرج فيه من المأزق الحالي، وعينه مصوبة نحو الكرد والسنة الذين ينتظرون ان تنضج طبخة البيت الشيعي ويدخلون بشروطهم القاسية كما في كل مرة، ويحصلون على موافقات مبدئية ومن ثم يحدث النقض وعدم الالتزام بالوعود بين زعماء الكتل.

في الوقت الحالي قد يكون الحديث عن التحالفات الخارجية بين الكتل الشيعية والشركاء الآخرين من السابق لأوانه، فلا تزال الضبابية تحجب رؤية نقطة الاتفاق الشيعي الشيعي، فتارة يعرب زعيم كتلة دولة القانون نوري المالكي عن عدم وجود إشكالية الانفتاح على السيد الصدر طالما يحقق ذلك البقاء ضمن دائرة التوافقية، ولا يستبعد ذلك أحد فالسياسة كثبان متحركة لا تستقر عند حد معين.

وتارة أخرى نلمس ان الصدر لديه الرغبة في تشكيل حكومة صدرية شاملة بالتشارك مع الطرفين الكردي والسني، بعيدا عن أبناء الجلدة الذين يصرون على انتزاع التوافق من زعيم التيار وضمان عدم الوقوف بوجهم شاهرا سلاح الاعتراض على خروج الامر من تحت سيطرته، وتشكيل الحكومة على غرار السنوات الماضية التي يتشارك فيها الجميع.

في مثل هذه البيئة لا يجازف الاكراد وكذلك السنة في عقد تحالف مع محور من محاور الشيعة وهو لا يمثل وجهة النظر الشيعية تجاه الشركاء بصورة عامة، وقد لا توجد بينه وبين الأطراف الأخرى (الكردية والسنية)، مثلما تتمتع به الأطراف الشيعية المنضوية تحت تسمية الإطار التنسيقي بعلاقات تتسم بالمرونة مع شخصيات الكرد والسنة، وبالتالي يقود ذلك الى اقتراب أكثر من قبل هؤلاء بعيدا عن الصداقة الصدرية غير الموثوقة.

تشكيل الحكومة في العراق يكون وفق مبدأ التوافقية ولا يمكن الخروج عن هذا الضابط الذي يتحكم بلون الحكومات السابقة، فالتوافقية تعني الوجه الآخر لعملية تقاسم السلطة والغنائم، لذلك شاب الفساد وغيره من الممارسات الخاطئة التي رافقت سير عمل الحكومات السالفة.

الحديث الدائر بين الكتل السياسية عن عدد المقاعد والاستحقاقات الانتخابية وغيرها ولم يتم التطرق الى اهم القضايا التي تحتاج الى إعادة النظر وضبط ايقاعها والسيطرة عليها، وهي القضاء على الفساد وحصر السلاح بيد السلطة، والتخلص من التبعية التي ضيعت الهوية الوطنية وقضت على الولاء للوطن.

حكومة الأغلبية أصبحت من الوصفات المجربة في العراق ولم تداوي الجروح الكثيرة، فالتوافق بين الأطراف يعتبر هو بيت الداء والاناء الذي يفيض بالأخطاء، ولم تتمكن الكتل السياسية استيعاب الوضع الجديد وتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها، والمشاركة الفعلية في بناء بلد المؤسسات الرصينة المتمكنة من توفير الخدمات والراحة للمواطنين.

من الإشكاليات التي وقعت بها النخب السياسية هي عدم امتلاكها ثقافة المعارضة السياسية تحت قبة البرلمان، وهذا عدم الامتلاك جعل جميع الكتل تريد ان تشترك بالعمل الحكومي والحصول على المغانم، عبر حصولها على وزارات ومناصب أخرى في الهيئات التابعة لرئاسة الوزراء.

من المخلفات السلبية نتيجة تشكيل الحكومة على معيار التوافقية هو ان اغلب الكتل السياسية تشترك في الحكومة وإدارة المؤسسات وفي حالة الفشل كل يرمي بالمسؤولية على شريكه، ولا نجد من يتحلى بقدرا من الشجاعة ويُحمل نفسه المسؤولية امام الشعب الذي يراقب الأداء الحكومي بعين الريبة والحذر من تواصل الإخفاق.

نحتاج في المرحلة الحالية الى حكومة قوية بغض النظر عما يشترك بها، حكومة تتجرد عن جميع الانتماءات والمحاصصة المقيتة التي ارجعتنا الى الوراء كثيرا، وتحظى هذه الحكومة القوية بمراقبة او معارضة اقوى منها او بنفس المقدار، لتصويب عملها وتحسينه تجنبا لفشل آخر قد يقودنا في السنوات القادمة الى تشرين أخرى وأوضاع مرتبكة.

اضف تعليق