واجهت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها تحديات عديدة كانت ترتبط بنشؤها وتكوينها ثم استمرت هذه التحديات على مستويات اقليمية كبيرة مما دفعها الى تبني افكار ومعتقدات داخل المجال الاقليمي لها ورأت بعض الدول بضرورة محاربتها عسكرياً ونجحت بعض الحروب ضدها ومن ضمنها حرب 1948 والتي شارك فيها العراق بقوة.

فأدى ذلك الى تبني الحركة الصهيونية افكارا وطرقا تخلصها من تحدياتها الامنية بعد ان كان الأمن يشهد حالته البدائية اي الأمن الضيق الذي ينحصر في الاستخدام العسكري فقط، جعل القيادات الصهيونية تفكر في متغيرات عديدة ومن بينها المتغير الجغرافي والمتغير الديمغرافي حيث المساحة الصغيرة وعدد السكان المنخفض يجعلها عرضة للخطر اذا اتفقت الدول العربية على شن هجوم معين بكل بساطة فعددها السكاني القليل يجعلها امام تحدي القوات العسكرية، ناهيك عن المتغير الجغرافي الذي يتميز بقصر العمق الاستراتيجي لأي هجوم عسكري فمن السهولة استهداف مواقع مهمة داخل المناطق التي احتلتها الحركة.

ادى ذلك الى قلق الدول التي تريد ان تصنع دولة في المنطقة العربية وخشيتهم من التهامها من قبل العرب فعززت القوة الصهيونية بالسلاح النووي الذي جعلها متفوقة من حيث القوة على حساب العدد السكاني والمساحة الا ان هذه الطريقة جعلت من مشروع الدولة مشروع منعزل عن محيطة الجغرافي الذي لايمكن ان تعيش الحركة بمعزل عنه فعملت الحركة على اثر ذلك لمشروع تحسين العلاقات مع المحيط الاقليمي وتطور علاقاتها مع جيرانها العرب هذا بعدما تم الاعتراف بها من قبل 163 دولة من اصل 193 دولة في منظمة الامم المتحدة، اما علاقاتها مع التطبيع العربي فكانت:-

1- الجمهورية العربية المصرية قامت بالتطبيع في عام 1979.

2- المملكة الهاشمية الاردنية قامت بالتطبيع في عام 1994.

3- موريتانيا طبعت في عام 1999

4- السلطة الفلسطينية : تحت ضغوط دولية كبيرة رضخ الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات إلى التوقيع على عدة معاهدات بداية من الثمانينيات وحتى بداية الألفية الثالثة والتي انتهت باتفاقية أوسلو التي أسست دولتين إحداهما عربية في الضفة وغزة، والثانية إسرائيلية تقوم على أكثر من 77% من الأراضي الفلسطينية، وبموجب ذلك تم الاتفاق على التطبيع السياسي والاقتصادي بشروط لم تنفذها إسرائيل على مرأى ومسمع من العالم بل وحاصرت رئيس السلطة الفلسطينية السيد ياسر عرفات في منزله الذي فرضت عليه فيه إقامة جبرية حتى وفاته.

5- الامارات العربية المتحدة طبعت في عام 2020

6- المملكة البحرينية تم التطبيع في عام 2020

يضاف الى ذلك ان هناك مجموعة من الدول تدرس خيار التطبيع مع الكيان الصهيوني الا انها تخشى بعض ردات الفعل الداخلية عليها مما يجعلها تقوم بتأجيل التطبيع الى وقت آخر، وبعضها الآخر رافض لخيار التطبيع بشكل قطعي وسن تشريعات داخلية تدين التعامل مع الكيان الصهيوني وعقوبته الاعدام وخصوصاً مثل الدولة العراقية.

الا ان الكيان الصهيوني عمل بشكل مستمر على جعل العراق من البلدان المطبعة لأنه يعد من اصعب دول المنطقة رفضا للتطبيع فضلا عن الجمهورية الاسلامية الايرانية، مما دفع بعض السياسيين الذي لا يتمتعون بشعبية كبيرة الى تبني مؤتمر للتطبيع في اربيل مما خلق ردات فعل عارمة على المستوى الحكومي والاجتماعي، كما تجدر الاشارة الى ان هناك معايير تحتم على العراق ان يبقى بعيداً عن التطبيع في مختلف الاوقات وهي :-

1- ان طبيعة العقائدية للمجتمع العراقي ترفض التطبيع بشكل ازلي وهذا ينعكس كذلك على الكيان الصهيوني لانهم يعدون الولائات العقائدية العراقية من اشد اعدائهم ويكنون لها الكره الشديد.

2- عملت اسرائيل على ربط التطبيع بالتطور في المنطقة وهذا ماخلق اجواء من التودد في بعض الدول وكذلك في فئات قليلة مع العراق وخصوصاً مع اقليم كردستان العراق وهذا الامر لا يتماشى مع الواقع فموريتانيا مضى على تطبيعها اكثر من 20 سنة لكنها مازالت تعاني الكثير من الفساد والتخلف في مختلف المستويات.

3- وجود فصائل مسلحة عقائدية تمنع اي جهة حكومية او شبة حكومية التطبيع مهما كانت النتائج المراد التطبيع من اجلها.

4- ضرورة مراعاة التوافقات في التشريعات التي من الممكن ان تسمح للتطبيع وهذا صعب تحقيقه في ظل حكومة توافقية بنسبة كبيرة في العراق تعتمد على اساليب الصفقات والمحاصصة في تشريع اغلب القرارات والقوانين وهذا يجعل من فئة معينة قادرة على عرقلة عملية التشريع بكل سهولة.

5- بسبب الفساد والواقع المتردي في العراق ونقمة الشارع من هذا الامر يجعل الحكومة او الجهة التي ترغب بالتطبيع على المحك وكأنها الشرارة التي تقع في تل الحطب.

بالنتيجة يتبين لنا ان الدولة العراقية غير قادرة على التماشي مع التطبيع بشكل قطعي لفترة طويلة وهذا مايجعلها تتعرض للكثير من الضغوطات الدولية لكنها في حال قبولها التطبيع سوف تكون قد تلاعبت بالخطوط الحمراء للمجتمع العراقي لأنها تمس روحهم العقائدية وتخالف مبادئهم بشكل صريح وعلني.

اضف تعليق


التعليقات

علي الشكراوي
العراق
كل التقدير لهذه التحليلات الجيدة الواقعية ، إذ أن العراق يواجه هذه المشكلة ولكن ليس بدرجة واحدة من الجدية والاهتمام بسبب وجود مؤشرات على ان بعض المسؤولين العراقيين قد تم اكتشاف علاقاتهم مع الكيان الصهيوني أو أكدت ذلك أدلة وضحت في الاعلام ومنهم من زار الكيان الصهيوني سرا وعلنا . وفي الجهة المقابلة فإن غالبية الشعب العراقي وقواه الحقيقية ترفض رفضاً قاطعا أية مساعي للتطبيع مع هذا الكيان الغاصب المحتل . وتتوضح الان أهمية إيجاد الوسائل المناسبة لإضعاف مساعي وتوجهات دعاة التطبيع على الأقل لأنهم مخالفون للدستور وللمنظومة القانونية العراقية فضلا عن القيم الاسلامية والعربية الأصيلة.2021-10-28