ملفات - عاشوراء

يوم الأربعين

بقلم: السيد محمد كاظم القزويني، مقتبس من كتاب زينب الكبرى (ع) من المهد الى اللحد

يوم الأربعين: هو اليوم العشرون من شهر صفر، وفيه وصلت عائلة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء، قادمين من الشام، وهم في طريقهم إلى المدينة المنورة.

وسُمّيَ بـ «يوم الأربعين» لأنّه يصادف إنقضاء أربعين يوماً على استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).

ويُعتبر تحديد ـ أو تعيين ـ السنة التي وصلت فيها قافلة آل الرسول إلى أرض كربلاء بعد رجوعهم من الشام.. من غوامض المسائل التاريخية.

فهل كان الوصول في نفس السنة التي حدثت فيها فاجعة كربلاء الدامية، أي سنة 61 للهجرة، أم كان ذلك في السنة التي بعدها؟

فهنا تساؤل يقول: كيف يُمكن ذهاب العائلة من كربلاء إلى الكوفة، ثم إلى دمشق، ثم الرجوع والوصول إلى كربلاء، كل ذلك في أربعين يوماً، مع الانتباه الى نوعية الوسائل النقليّة المتوفّرة يومذاك؟!

وهذه معركة علميّة تاريخية لا تزال قائمة على قدم وساق بين حملة الأقلام من المحدّثين والمؤرخين.

ونحن إذا أردنا دراسة هذا الموضوع فإنّ البحث يحتاج إلى شرح واف، وكلام مفصّل مطوّل، ونرجو الله تعالى أن يوفّقنا للبحث والتحقيق عن هذا الموضوع في مؤلّفاتنا القادمة، إن شاء الله تعالى.

ولعلّ رجوعهم كان من طريق الأردن إلى المدينة المنورة، فحينما وصلوا إلى مفترق الطرق طلبوا من الحَرَس ـ الذين رافقوهم من دمشق ـ أن يجعلوا طريقهم نحو العراق وليس إلى المدينة. ولم يستطع الحرس إلا الخضوع لهذا الطلب والتوجه نحو كربلاء.

وحينما وصلوا أرض كربلاء صادف وصولهم يوم العشرين من شهر صفر.

وكان الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري قد جاء إلى كربلاء يرافقه عطاء ـ أو عطيّة ـ العوفي (1).. وجماعة مِن بني هاشم، جاؤوا جميعاً لزيارة قبر الإمام الحسين (عليه السلام).

واجتمع جماعة من أهل السواد (2) وهم أهل القرى والأرياف التي كانت في ضواحي كربلاء يومذاك، فصار هناك اجتماع كبير ـ نِسبيّاً ـ من شتّى الطبقات، فالجميع حضروا عند قبر ريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، يزورون قبره ويسلّمون عليه، والكآبة تخيّم على وجوههم، والأسى والأحزان تَعصِر قلوبهم.

كانت القلوب تشتعل حزناً، والدموع مستعدّة لتجري على الخدود، ولكنّهم ينتظرون شرارة واحدة، حتى تضطرم النفوس بالبكاء، وترتفع أصوات النحيب والعويل.

في تلك اللحظات وصلت قافلة العائلة المكرمة إلى كربلاء، فكان وصولها في تلك الساعات هي الشرارة المترقّبة المتوقّعة، «فتلاقَوا ـ في وقت واحد ـ بالبكاء والعويل». (3)

كانت السيدة زينب (عليها السلام) ـ في هذا المقطع من الزمان، وفي هذه المنطقة بالذات، وهي أرض كربلاء، ـ لها الموقف العظيم، وكانت هي القلب النابض للنشاطات والأحاسيس المبذولة عند قبور آل رسول الله: في كربلاء.

نشاطات مشفوعة بكلّ حزن وندبة، مِن قلوب ملتهبة بالأسى!

وما تظنّ بسيدة فارقت هذه الأرض قبل أربعين يوماً، وتركت جُثَث ذويها معفّرة على التراب بلا دفن، واليوم رجعت إلى محلّ الفاجعة.. فما تراها تصنع وماذا تراها تقول؟؟!

أقبلت نحو قبر أخيها الحسين (عليه السلام) فلمّا قربت من القبر صرخت ونادت أكثر من مرّة ومرتين:

وا أخاه!! وا أخاه!! وا أخاه!!

كانت هذه الكلمات البسيطة، المنبعثة من ذلك القلب الملتهب، سبباً لتهييج الأحزان وإسالة الدموع، وارتفاع اصوات البكاء والنحيب!

والله العالم كم كانت كلمات الشكوى تمرّ بخاطر السيدة زينب الكبرى (عليها السلام) حين كانت تبثّ آلامها وأحزانها عند قبر أخيها الإمام الحسين؟ ممّا جرى عليها وعلى العائلة طيلة تلك الرحلة المُزعجة.

وما يُدرينا..؟ ولعلّها كانت سعيدة ومُرتاحة الضمير بما قامت به طيلة تلك الرحلة!

فقد ايقظت عشرات الآلاف من الضمائر الغافلة، وأحيَت آلاف القلوب الميّتة، وجعلت أفكار المنحرفين تتغيّر وتتبدّل مائة وثمانين درجة على خلاف ما كانت عليه قبل ذلك!

كلّ ذلك بسبب إلقاء تلك الخطَب المفصّلة، والمحاورات الموجزة التي دارت بينها وبين الجانب المُناوئ، أو الافراد المحايدين الذين كانوا يجهلون الحقائق ولا يعرفون شيئاً عن أهل البيت النبوي الطاهر.

وتُعتبر هذه المساعي من أهمّ إنجازات السيدة زينب الكبرى، فقد أخذوها أسيرة إلى عاصمة الأمويّين، وإلى البلاط الأموي الذي أُسّس على عداء أهل البيت النبوي من أول يوم، والذي كانت موادّه الإنشائية ـ يوم بناء صرحه ـ من النُصب والعداء لآل رسول الله، ومكافحة الدين الإسلامي الذي لا ينسجم مع أعمال الأمويين وهواياتهم.

أخذوها إلى مقرّ ومسكن طاغوت الأمويّين، وبمحضر منه ومشهد، ومسمع منه ومن أسرته. خطبت السيدة زينب تلك الخطبة الجريئة، وصبّت جام غضبها على يزيد، ووَصَمته بكلّ عارٍ وخِزي، وجعلت عليه سبّة الدهر، ولعنة التاريخ!!

نعم، قد يتجرّأ الإنسان أن يقوم بمغامرات، إعتماداً على القدرة التي يَملكها، أو على السلطة التي تُسانده، وأمثال ذلك.

ولكن ـ بالله عليك ـ على مَن كانت تعتمد السيدة زينب الكبرى في مواجهاتها مع أولئك الطواغيت وأبناء الفراعنة، وفاقدي الضمائر والوجدان، والسُكارى الذين أسكرتهم خمرة الحكم والإنتصار، مع الخمرة التي كانوا يشربونها ليلاً ونهاراً، وسرّاً وجهاراً؟؟!

هل كانت تعتمد على أحد غير الله تعالى؟!

ويُمكن أن نقول: إنّها قالت ما قالت، وصنعت ما صنعت ـ في إصطدامها مع الظالمين، أداءً للواجب، وهي غير مُبالية بالعواقب الوخيمة المحتملة، والأضرار المتوقّعة، والأخطار المتّجهة إلى حياتها.. فليكن كلّ هذا. فإنّ الجهاد في سبيل الله محفوف بالمخاطر، والمجاهد يتوقّع كل مكروه يُحيط به وبحياته.

ونقرأ في بعض كتب التاريخ: أنّ قافلة آل الرسول مكثت في كربلاء مدّة ثلاثة أيام، مشغولة بالعزاء والنياحة، ثم غادرت كربلاء نحو المدينة المنوّرة.

...................................
1 ـ وهو من مشاهير التابعين.. الذين لم يَرَوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولكنّهم رأوا صحابة الرسول.
2 ـ أهل السواد. كان يُعبّر عن أراضي العراق بـ «أرض السواد» لكثرة وكثافة الأشجار فيها.. مع الانتباه الى تُربتها الصالحة للزراعة لدرجة كبيرة، فالأراضي التي تُغطّيها الأشجار تتراءى من بعيد وكأنّها سوداء، ومِن هنا سمَّوا المزارع والبساتين بـ «أرض السواد» وسمَّوا الذين يسكنون هذه المناطق بـ «أهل السواد».
3 ـ ذكر السيد ابن طاووس ـ في كتاب (الملهوف) ص 225 ـ: ولمّا رجعت نساء الحسين (عليه السلام) وعياله من الشام وبلغوا العراق، قالوا للدليل: مُرّ بنا على طريق كربلاء. فوصلوا إلى موضع المصرع، فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم، ورجالاً من آل الرسول، قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فوافَوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللَطم، وأقاموا المآتم المُقرحة للأكباد، واجتمعت إليهم نساء ذلك السواد، وأقاموا على ذلك أيّاماً».

اضف تعليق