عقد مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث حلقته النقاشية في ملتقى النبأ الأسبوعي موضوعا تحت عنوان (حركة النهضة الحسينية في مواجهة الاستعباد)، شارك في الملتقى عدد من الكتاب والباحثين ذوي التوجهات المختلفة.

نص الورقة التي نوقشت قدمها واعدها الشيخ مرتضى معاش، والتي طرحت السؤالين التاليين:

السؤال الأول/ لماذا يستحكم الاستعباد في حياة كثير من البشر والمجتمعات؟

السؤال الثاني/ كيف نستفيد من نهضة الامام الحسين (ع) للتحرر من الاستعباد والعمل على استنقاذ إرادة الانسان، بما ينعكس على واقعنا العربي والاسلامي؟

نص الورقة:

قال الله تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)

حركة التاريخ كانت منذ البدء صراعا مستمرا بين الاستعباد والتحرر، استلاب الإرادة وقتل الكرامة من اجل الاخضاع والهيمنة، وكانت حركة الأنبياء والمصلحين في سبيل تحرير الانسان من الذل والاستكانة والخضوع.

هذا الخضوع للعيش تحت سياط الاذلال كان يتجه في نحوين، النحو الأول هيمنة الاستبداد والاستكبار والطغيان لسلب اختيار الانسان وتحطيم ارادته، النحو الثاني قابلية البشر للاستعباد وقبولهم بالأمر الواقع نتيجة للإرث التراكمي الثقافي في قبول العيش بلا كرامة.

قال تعالى: (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ).

نهضة الامام الحسين (ع) في جوهر رسالته قامت في سبيل تحرير الانسان من الاستعباد ومواجهة الطغيان والطاغية الذي يستخدم قمعه وعنفه لإخضاع الاحرار وتحويلهم لعبيد، وقد قال (ع): لا والله لا أُعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد.

في هذه الورقة سنحاول طرح مفهوم الاستعباد وأسباب قبول البشر به، وكيف كانت نهضة الامام الحسين (ع) حركة عميقة في مواجهة الاستعباد وتحرير الانسان حدوثا وبقاء. ونقدم مقترحات لحاضرنا ومستقبلنا في مواجهة مختلف أنواع الاستبداد والاستعباد.

في مفهوم العبودية

العبودية هي خضوع الإنسان لإنسانٍ آخر بحيث يُصبح مملوكًا له بشكل مباشر او خفي.

ولكن العبودية الحقيقية هي العبودية لله تعالى وحده فقط، والانسان مالك لنفسه حرا في ارادته مستقلا في اختياراته.

يقول الامام علي بن الحسين (ع): (وأما حق المنعم عليك بالولاء: فأن تعلم أنه أنفق فيك ماله، وأخرجك من ذل الرق ووحشته إلى عز الحرية وانسها، وأطلقك من أسر الملكة، وفك عنك حلق العبودية، وأوجدك رائحة العز، وأخرجك من سجن القهر، ودفع عنك العسر).

يقول الإمام الصادق (عليه السلام): العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد في العبودية وجد في الربوبية، وما خفي عن الربوبية أصيب في العبودية.

فالعبودية هي تحوله بشكل قاهر او طوعي الى ملكية متسلط عليه والثاني هو الأخطر والأكثر بشاعة، وهو سبب كل المآسي التي يمر بها البشر.

أنواع العبودية

القابلية للاستعباد: هي القبول للعبودية كشكل من اشكال الحياة الحقيقية مع رفض أي تحرر او تفكير في التحرر.

العبودية الاستبدادية: هي ممارسة يتناقلها البشر فيما بينهم ويحاول كل مستبد صغيرا كان ام كبيرا ان يتسلط على الآخر.

العبودية المادية: عبادة المادة يجعله عبدا لكل ماتنتجه المادة ولأجلها يتخلى عن روحه واخلاقه الإنسانية.

العبودية بالذل: القبول بالأمر الواقع وعدم وجود أي استعداد لتحرر شعوره بعدم الجدوائية.

العبودية كحالة امنية: حيث يتخلى عن حريته في مقابل امنه حيث يختلق المستبدون الازمات لاستمرار الهيمنة.

العبودية الخائفة: الخوف يجعل الانسان مستعبدا لكل ما يخاف منه.

العبودية الانانية: فالأناني هو عبد لمزاجه ونرجسيته بل يعتقد بكونه اهم من الاخرين.

العبودية الاقتصادية: وهذا نراه في الاقطاعيات والدولة الريعية المستبدة.

العبودية الاجتماعية: الخضوع للأعراف الاجتماعية وان كانت خاطئة ومحرمة شرعا وقانونا.

العبودية السياسية: القبول بالنظام الحاكم مهما كان منحرفا عن هدفه.

العبودية الثقافية: ان يكون خاضعا لأنواع التجهيل والتضليل وغسل الدماغ، وعدم وجود حركة للتحرر من ربقة الجهل.

أسباب العبودية

1- التراكم الاجتماعي السيء الذي يؤدي تطبيع الى الاستعباد وتحوله الى طبع دائم.

2- ترسخ النظام الاستبدادي بشكل ساحق تاريخيا بحيث يصبح مقدسا لايمس. واذا تحرر المجتمع بفعل عامل خارجي فانهم يحنون للاستعباد بل يخلقونه من جديد.

3- مسخ هوية الانسان وكرامته وارادته بحيث يفقد كل إحساس وشعور باستقلال وجوده وعدم تبعيته.

4- التربية على الخضوع منذ الصغر بحيث يفقد الانسان أي معنى للحرية والكرامة.

5- التعلق الكبير بالدنيا فان حب الدنيا رأس كل خطيئة، والطمع يجعله عبدا لأسوء نزواته.

6- الخوف الدائم من تحمل أعباء فعل الإرادة وبالتالي مسؤولية العمل.

7- الركود الاجتماعي والسكون عن تحمل المسؤولية يخلق كل أسباب الهيمنة وتسلط الفاسدين، فالحياد واللامبالاة والانزواء والاشتغال بالمصالح الذاتية يؤسس لاستعباد خفي تمارسه مختلف القوى المستعبدة.

8- القبول بالباطل هو عمل به وبالتالي فتح الطريق امام الانحراف وتكريس الاستعباد الذاتي.

9- القبول بالعنف كسلوك ثابت للتعبير عن العنفوان والاحساس بالتجبر، بالتالي لم تكن الحروب والصراعات الا ممارسة تكرس العبودية والذل.

الامام الحسين (ع) في مواجهة الاستعباد

الحياة مع الظالمين

كانت حركة الامام الحسين (ع) قائمة على منهجية واضحة تؤكد على رفض الظلم مطلقا، فالقبول بالظلم يعني القبول بالاستعباد، حيث قال (ع) لمحمد بن الحنفية: يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية.

فالبيعة تعني الخضوع وإعطاء الشرعية للظالم. وقال (ع): فإنّي ﻻ أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً.

الحياة في ذل

كما ان معنى الحياة هو العيش بكرامة ورفض أي نوع من أنواع الذل مهما كانت الضغوط، حيث يقول (ع): ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنين وحجور طابت وطهرت وأنوف حمية ونفوس أبية من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام.

رفض الباطل

التعايش مع الباطل يفتح الطريق لكل الرذائل التي تنشر الاستعباد وبالتالي يصبح المجتمع رهينة للفاسدين، فالمجتمعات المستعبدة فضلت الركون للباطل وتركت الاصلاح فأصبحت مجتمعات هشة متحطمة، وقد قال الامام الحسين (ع): وأنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في امّة جدّي (صلى الله عليه وآله) اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. وقال (ع): ألا ترون إلى الحق ﻻ يعمل به، وإلى الباطل ﻻ يتناهى، عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً فإنّي ﻻ أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً.

العبودية للدنيا

وقد اعتبر الامام (ع) ان السبب الرئيسي لهذا الخضوع والاذعان للأمر الواقع هو الخوف من فقدان المكاسب في الدنيا، لذا تتأصل العبودية الدنيوية ويصبح الدين مجرد اطار لهذه العبودية، حيث يقول (ع): الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون.

بصيرة الانتصار

عبودية المادة تجعل الانسان عبدا لحواسه القائمة على النفعية واللذة الآنية، فيفتقد الرؤية للواقع ومابعد عالم الحواس، وقد كانت عاشوراء رؤية عميقة ممتدة للمستقبل تحقق اليقين الإنساني والاطمئنان الروحي والاستقرار النفسي، الامام الصادق (ع): (كان عمنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وابلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً). وفقدان البصيرة يزعزع الايمان ويتسرب الشك، والشك هو الطريق للاستكانة للأمر الواقع، وهذا ما رأيناه في الذين تركوا الامام الحسين (ع) في عاشوراء.

التضحية عطاء بلا حدود

التضحية تعبير عن أعظم معاني الانسان، فهو السمو عن الذات وارتقاء الانسان عن عبودية المادة، وقد كانت عاشوراء معركة التضحيات، يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارة جده الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم الأربعين: «وبذل مهجته فيك ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة». وقد رأينا تضحية الامام الحسين (ع) بنفسه وأولاده وعائلته في سبيل استنقاذ الناس من عبودية الجهل والانحراف.

صبر الأقوياء

الصبر في مواجهة الشدائد هو أعظم مستويات التحرر، يقول الإمام علي (ع) في صفة المتقين: صبروا أياما قصيرة، أعقبتهم راحة طويلة. ويقول رسول الله (ص): إن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسرا.

وكثير من الناس يخضعون للأمر الواقع عندما يفتقدون القدرة على التحمل. وقد رأينا ملحمة الصبر في عاشوراء وكيف تجسد صبر الامام الحسين (ع) في قضية مقتل الرضيع، عندما قال: هوّن عليّ ما نزل بي أنّه بعين الله.

وروى ولده علي بن الحسين زين العابدين (ع) الصور المذهلة عن صبر أبيه وصموده قال: كان كلما يشتد الأمر يشرق لونه، وتطمئن جوارحه، فقال بعضهم: انظروا كيف لا يبالي بالموت.. ويقول عبد اللّه بن عمار:... فو اللّه ما رأيت مكثورا قد قتل أولاده وأصحابه اربط جأشا منه، ولا أمضى جنانا منه، وو اللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله..

وكذلك عندما وقفت حفيدة الرسول (ص) وابنة أمير المؤمنين (ع) العقيلة زينب عليها السلام على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة قائلة: «اللهم تقبل هذا القربان».

شجاعة الصامدين

الشجاعة ليست فيما تملكه من سلاح بل بما تملكه من قدرة على التحرر من الطمع والغنائم والثبات على المبادئ، فالانتصار هو بالتحرر من العبودية والذل، والجبن القبول والاذعان للعبودية، واحد أسباب الهزيمة هو الخوف الامام الصادق (ع) يقول: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء. وقال (ع): من عرف الله خاف الله ومن خاف الله سخت نفسه عن الدنيا. يقول الامام علي (ع): لو تميزت الأشياء لكان الصدق مع الشجاعة، وكان الجبن مع الكذب.

عن رسول الله أن (الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم)، ويقول الامام علي (ع) (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة..).

وكانت عاشوراء انتصار الشجاعة وان أدت الى الموت، وهزيمة العبودية وان كانت تعني حياة قصيرة خوف في ذل.

المداخلات:

نبراس ملهم للمجتمعات المتحررة

الدكتور اسعد كاظم شبيب:

الاستعباد آفة خطيرة ظلت ملازمة لكل الشعوب، وتمثلت بأشكال مختلفة ابرزها الاستبداد والتسلط على رقاب العباد، أو اخضاع الناس تحت الاكراه مجتمعيا او سياسيا وهناك دوافع عديدة تجعل الناس ترزخ تحت الاستعباد منها ما يعود إلى نوع السلطة وأشكال تعاملها مع مواطنيها ومنها ما يرجع إلى عوامل نفسية تجعل الحاكم ذا نزعة سادية استبدادية بفعل عوامل معينة راجعة إلى التنشئة الاجتماعية لشخص الحاكم، وقد يفرض المجتمع سلوكا معينا في التعامل، وفي كل الاحوال ان الاستعباد هو نزعة لا انسانية تجعل الإنسان خاضعا مكرها لرغبات الآخرين أو سلطة أعلى منه.

ولقد حفل التاريخ البشري بصراع مستمر ما بين التحرر والاستبداد وكانت هناك ثورات عالمية ضد الاستعباد ومثلت ثورة الإمام الحسين عليه السلام ثورة متقدمة وازلية ضد الاستعباد والطبقية والظلم المتمثل بال اميه وآل ابي سفيان، وقد استطاعت الثورة رغم قلة ناصريها آنذاك ان تحرر المجتمع من الاستعباد وتكون نبراسا ملهما لكل المجتمعات المتحررة في كيفية النضال ضد الاستعباد والاستبداد والظلم.

الاستعباد الديني

الباحث حسن كاظم السباعي:

رغم أنَّ أساس حركة الإمام الحسين عليه السلام قائمة على نبذ الظلم والاستعباد والاستبداد بكل ألوانه وأشكاله، إلّا أن هنالك نوع من الاستعباد الذي قَلَّما يُشار إليه، ألا وهو "الاستعباد الديني".

هذا الاستعباد نبذه الإمام الحسين حينما ثار على الرواسب التي تحوَّلت إلى ثوابت مقدَّسة لا يمكن تجاوزها خلال نصف قرن بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجُوبه سلام الله عليه بمختلف الذرائع حينما أراد الخروج للإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

جابهه الخانعون والمتكيفون على ذلك الوضع المظلم بعناوين مختلفة؛ كالنصح والتهديد والترغيب، إضافة إلى ما واجهه من إعلام ودعايات مغرضة إذ كان كل شيء ضده، لكن أمره ونهجه سرعان ما تحول إلى منارة تعطي قدرة التشخيص والتمييز لكلِّ من فقد البوصلة في تلك الأجواء المكفهرة.

وربما يمكن القول؛ إن الإمام قد أشار إلى هكذا عبودية بحديثه الشهير: "الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معائشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديَّانون"، فكأنَّ الإمام عليه السلام أراد أن يقول: إن الاستعباد الديني يعادل "اللادينية والإلحاد"، ذلك لأنَّ الغرض منه هو الوصول إلى أهداف مغايرة للدين ولو جاءت بغطاء الدين أو جعلت من الدين وسيلة للوصول إلى مآربها.

وبناءً على هذا الأساس؛ لو نظرنا مثلا: إلى مفردة من مفردات الخطاب الحسيني لجيش العدو: "يا شيعة آل أبي سفيان.."، فإنَّه سلام الله عليه من خلال هذا النداء أراد أن يذكِّر القوم بأنَّهم لمّا يتحرروا من الرواسب والقيود الجاهلية المتمثلة بالبيت الأموي الملحد بل وسرعان ما انجذبوا إليها من جديد.

وفي خطاب آخر لفت الإمام الحسين عليه السلام الجيش المقابل لمعنى التحرر من العبودية الدينية وهو تخليص الدين من أيادي من لا يؤمن به ولكنه يمارس سلطته باسمه ومن خلاله وهم ليسوا إلا مجموعة من الملحدين لكنهم تصبَّغوا بصبغة الدين. مثلًا: حينما سمع عمرو بن الحجاج يقول: "يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين". فقال له الإمام الحسين عليه السلام: "يا عمرو بن الحجاج! أ عليّ تحرض الناس؟

أنحن مرقنا وأنتم ثبتم عليه؟ أما والله لتعلمن لو قد قبضت أرواحكم ومتّم على أعمالكم أينّا مرق من الدين..".

فأشار الإمام إلى انَّ القيود والأغلال اللادينية قد حالت دون رؤيتهم الحق والحقيقة، وأشار لوجود هذا الستار الديني المزيَّف وأخبرهم أنهم سرعان ما سيطَّلعوا على الحقيقة حينما يتحرروا من جهلهم بحقيقة الأمر عند خروج أرواحهم من أبدانهم وذلك بعد فوات الأوان مالم يتوبوا وماتوا على أعمالهم.

من هنا وبناءً على هذا المنطلق؛ لو أردنا أن نتحرر من الاستعباد الديني السائد اليوم في مجتمعاتنا، فليس لنا إلا أن نتبع المنهج الحق المتمثل بمحمد وآل محمد والذي ثار لحفظه سيد الشهداء عليه السلام، وذلك من خلال التدبّر في مفردات الخطاب الحسيني والشعائر الحسينية التي حفظت روح منهجه فتحوَّلت إلى رمز لنبذ كل القيود الطاغوتية وتصدّت لمختلف التيارات الفكرية والسياسية الضالة في الساحة رغم انَّها قوبلت وتُقابل بالعدوان والتكميم لكنها تنتصر لا محالة كانتصار من تشرَّفت تلك الشعائر باسمه ويبقى الحسين عليه السلام مصباح هدى وسفينة نجاة. ولنا في الحر بن يزيد الرياحي نعم المثل في اختيار طريق الحرية ونبذ الاستعباد الديني رغم ان كل الظروف الدنيوية كانت مواتية له لكنه رفع شعاره الصارخ في اختيار الجنة، ولا يزال صداه يتردد في آذان الدهر حرية وكرامة وشرفًا ومزيدا.

ثورة أخلاقية كبرى

الكاتب علي حسين عبيد:

الجواب الاول: عندما يصبح الإنسان عبدا للمادة ولاهثا وراءها.. فهذا يدل على فراغ فكري وإيماني يعصف به.. ويحدث هذا بسبب جهل الإنسان واستسلامه لرغباته وانحداره خلف ما تسوقه إليه نفسه الضعيفة.. لذلك يحدث تكون نفس الإنسان مستعدة للاستعباد، بل وتجد فيه راحتها.. لاسيما انها تميل إلى النزعة الاستهلاكية والاستحواذ بسبب سيطرة التفكير المادي عليها، فعصر العولمة الذي نعيشه لم يترك أمام الضعفاء سوى الاستعباد الذي لا يمكن الافلات منه إلا بالعمق الفكري والايماني الكبير.

الجواب الثاني: تحرير الإنسان من الاستعباد وانقاذ ارادته يستوجب النهوض بالقيم العظيمة ونشرها بين الناس، وهذا الهدف يحتاج إلى تحفيز وتشجيع ومساندة مبدئية لا يمكن الحصول عليها الا بوساطة ثورة أخلاقية كبرى كالثورة الحسينية التي جعلت من النهوض بقيمة الإنسان هدفا مركزيا لها.. فتشذيب الحكم من الانحدار الأخلاقي على يد يزيد، واعادة الإسلام إلى جادة الصواب كان الهدف الاول لخروج الإمام الحسين (ع) ضد الطاغية الطائش، وكان تركيز الإمام على استنهاض القيم والتزام المبدئية هو السبيل إلى تحقيق النتائج المأمولة.. لذا لو اننا أردنا تحرير ارادة الإنسان اليوم وانقاذه من قبضة العبودية المادية وسواها، علينا التمسك بمبادئ وسياقات النهضة الحسينية.. وهذا الهدف العظيم بحاجة إلى جهود فكرية مبدئية وعملية جبارة على صعيد التخطيط والتنفيذ وفق خطوات كبرى نظرية وتطبيقية يجب النهوض بها والتصدي لها كل من موقعه وقدراته وحجم مسؤوليته.

الثورة الحسينية قلق لكل حاكم جائر

الباحث جواد العطار:

اذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وسيلة التغيير وآلياتها الشرعية الناجحة التي قوامها الحوار ومقارعة الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق، فإن هدف الإصلاح هو اعادة كرامة الامة وحريتها، لتساهم في بناء حياتها الآمنة المستقرة.

ومن هذه المقدمة نجيب على التساؤل التالي: ما اسباب خوف الطغاة من الثورات الإصلاحية عامة والحسينية خاصة عبر العصور؟، والإجابة تأتي من مبادئ الثورة الحسينية والحسينيون من خلال:

١. ان مبادئ الثورة الحسينية اصبحت نبراسا لكل الاحرار في العالم ودافعا لهم لتحقيق الاصلاح ومجابهة الطغاة.

٢. ان الثورة الحسينية نجحت في تحقيق أهدافها والدليل استمرار مؤيديها وشيعتها وانتشارهم في أصقاع مختلفة من العالم بعيدا عن مهد الثورة الاصلي في الكوفة ومرور عشرات القرون على انطلاقتها، مما يهز عروش الطغاة الذين يخشون التغيير الايجابي والإصلاح المضاد للديكتاتورية والفساد والظلم.

٣. ان عدم الاستقرار مقلق للطغاة وشعار الثوار الحسينيين مجابهة الظلم باستمرار دون كلل او ملل رغم التضحيات وطول فترة المواجهة... مما يدفع كل الطغاة الى التعتيم على مبادئ الثورة الحسينية ومجابهة الحسينيين بأشد انواع التنكيل والتعذيب خوفا من سيادة مبادئهم لذلك كانت الثورة الحسينية وما زالت مقلقة لكل حاكم جائر في اي زمان وفي كل مكان.

ان نهضة الامام الحسين عليه السلام منذ انطلاقتها وفي كل خطاباتها ومحطاتها عبرت عن قيم الوفاء والشجاعة والعمل على التحرر من كل انواع الاستعباد، وهذا ما نحتاج الى غرسه باستمرار في دفعات الأجيال الجديدة حتى نضمن لهم مستقبلا أفضل.

التسليم لأمر الله وكسب الرضا منه

عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية:

أصحاب الحسين عليه السلام تيقنوا بالحياة الأبدية من خلال موقفهم مع يوم عاشوراء وهذا اليقين لا يصله الا من كان عنده البصيرة، فهم يعلمون ان الحياة مع العبودية والاذلال لا معنى لها مقابل الحياة الأبدية واتخاذ موقف الاحرار.

التسليم لأمر الله وكسب الرضا منه يبعد الخوف في النفوس من كل شيء وعنده لا يكون للظالم والاستعباد مكان في القلوب.

قضية الامام الحسين (ع) قضية إنسانية وثورة عالمية، وتحتاج ان تجسد على ارض الواقع وتحقق امتداداتها، كونوا دعاة لنا صامتين كما يقول امامنا الصادق (ع)، لو كنا مصاديق لمفاهيم العدل والصدق والدفاع عن المظلومين وتغليب المصلحة العامة على المصالح الخاصة هو تجسيد لثورة وفكر الامام الحسين(ع).

أينما يوجد الجهل يوجد الاستعباد

الباحث حيدر الأجودي:

الإسلام هو مؤسسة أحد اركانه القائم عليها هو حرية الاختيار بعد ان يبين طريق الحق وطريق الباطل، وهذا ما مثله الامام الحسين (ع) ليلة العاشر من محرم الحرام عندما خيَّر أصحابه بحرية الموقف "هذا الليل فاتخذوه جملا"، فاختار اغلبهم الموقف الابدي والحياة الأبدية مثل موقف الحر الرياحي.

أينما يوجد الجهل يوجد الاستعباد، وهناك فرق كبير بين الاستعباد والطاعة كم يقول الله سبحانه "واطيعوا الله ورسوله واولي الامر منكم"، والشخص هو من يحدد الموقف حسب قابليته العقلية.

منار لكل مجتمع يبغي الخلاص

الدكتور قحطان حسين طاهر:

العبودية هي مرض مرتبط بالمجتمعات الإنسانية منذ نشوئها، والأسباب عديدة التي تؤسس للاستعباد واهم هذه الأسباب ( سلوك اجتماعي ينتقل بين الافراد بالتوارث عبر الأجيال، واحيانا ينشأ الاستبداد نتيجة الأنظمة الشمولية المستبدة يجبر المجتمع والرعية مجتمع القطيع الذي لا يصلح سوى للانقياد، هناك شعوب تؤثر قضايا الشعوذة والجهل فيها بشكل كبير فهناك من يستغل الشعوذة والدجل لتأسيس الاستعباد، واخطر أنواع الاستعباد هو العبودية الدينية، وهناك من يستغل الناس من الجانب العقائدي والديني مثل ابن تيمية وغيرهم اسسوا لمبدأ عدم الخروج على الظالم والمستبد وربط كل ذلك بمشروع الفوضى وهو ذو ابعاد سياسية).

الجهل – الخوف – والفقر يؤسس للعبودية وهي ثلاثية مشؤومة.

ثورة الامام الحسين أسست لثورات لاحقة زعزعت اركان الحكم الاستبدادي كثورة التوابين والمختار والشهيد زيد بن علي وغيرهم الكثير وكانت مناراً لكل مجتمع يبغي الخلاص من الظلم والاستبداد.

الباحث حامد الجبوري:

"تركتُ الخلقَ طرَّاً في هواك، وايتمتُ العيال لكي اراك، فلو قطَّعتني في الحبِّ إرباً، لما مال الفؤاد إلى سواك". هذه الابيات تلخص حال الامام الحسين (ع) في ثورته ضد الظلم والعبودية وايمانه التام بأمر الله سبحانه ومعرفته حق معرفته.

لا يؤمنون بالإنسان

احمد جويد مدير مركز ادم للدفاع عن الحقوق والحريات:

الكلام عن الامام الحسين(ع) لا يفي حقه لذا نتكلم عن المجتمع الذي قبل العبودية والذل وخذل الامام وخاطبهم " حقد فيكم قديم وشجت عليه اصولكم وتأصلت عليه فروعكم"، ونعكسه على مجتمعاتنا الإسلامية ليومنا هذا ونجد استمرار الذل والعبودية لأعداء الامام واهل بيته.

الفترة التي استشهد فيها الامام هي بداية العصور الإسلامية ورغم ذلك نجد ان الأحقاد بقيت لتنال من اهل بيت النبوة ودخلوا للاسلام طلقاء وتعززت بالجهل والاوثان من الجاهلية وقدموها على الحرية والعدالة والمساواة بين الناس، فهم لا يؤمنون بالإنسان والمرأة والطفل وغيرها ليومنا هذا.

مقترحات وتوصيات

وفي الختام قدم الشيخ مرتضى معاش مجموعة من المقترحات والتوصيات:

1- التركيز في التربية والتنشئة على القيم الحسينية وفضائل التحرر مثل التضحية والشجاعة والبصيرة، ونبذ رذائل الاستعباد مثل الجبن والجزع والشك والكذب والانتهازية.

2- التربية على عدم الخوف الا من الله تعالى فالتربية على الخوف التي نراها في مجتمعاتنا تربي على الاستكانة والخضوع. ورفض الباطل وعدم القبول به.

3- تشجيع شبابنا واطفالنا على المشاركة في الشعائر والمواكب والمجالس الحسينة فإنها طريق لتعلم العطاء والتضحية والتعاون والتكافل والتفاعل الوجداني.

4- ضرورة بناء المسؤولية فإنها طريق لبناء إرادة الانسان وتفكره وعقلانيته، ونبذ حالات الإحباط واللامبالاة واليأس التي ترسخ الانكفاء.

5- التأكيد على نبذ الغلو الاستهلاكي وانماط الاسراف والتبذير من خلال نشر ثقافة الترشيد والاعتدال، والتربية على ان العيش المادي مجرد وسيلة وليست هدفا.

6- مكافحة الاستبداد بكل انواعه ومستوياته لأنه يجعل من العبودية امرا طبيعيا.

7- ان يكون الإصلاح منهجا ثابتا في كل أنواع التربية والتعليم بحيث يصبح سلوكا دائما في حياتنا.

8- من المهم دراسة القضية الحسينة باعتباره حدثا مؤثرا بعمق في حياتنا، عبر كتابة البحوث والدراسات الإبداعية وإقامة المؤتمرات والندوات، واستنباط العبر والدروس التي تحقق التحرر في حياتنا وتحجم الاستعباد والذل.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2021
http://shrsc.com

اضف تعليق