الطريق إلى الوسطية

على المستوى الفعلي والواقعي كل الآحاد والمجموعات، تدَّعي أنها وسطية ومعتدلة، وأن غيرها هو المغالي والمتطرف. وكل هذه الأطراف تحاول تظهير بعض مقولاتها التي تثبت من وجهة نظرها أنها وسطية ومعتدلة. ولو أخذنا جميع هذه المقولات على محمل الصدق والجدية، لا يوجد طرف في العالم الإسلامي متطرفًا أو مغاليًا أو خارجًا عن جادة الاعتدال والوسطية.

وهذا الادِّعاء المتبادل هو الذي يقودنا للوقوف قليلًا لتحرير مقولة الوسطية من جميع هذه الادعاءات، والعمل على بيان المعايير الحقيقية والجوهرية التي تجعل هذا الطرف أو ذاك وسطيًا أو متطرفًا.

والوسطية التي نقصدها في هذا السياق، ليست الفضيلة بين رذيلتين أو اللون الرمادي الذي لا يحدد موقعه وموقفه من جراء تحولات وتطورات واقعه، وإنما هو ذلك الإنسان الفرد أو المجموع الذي لا يمارس الغلو والتعصب النظري والعملي. وحتى تتضح هذه الرؤية بشكل تفصيلي فإن معايير الوسطية هي النقاط التالية:

1- احترام الإنسان وجودًا ورأيًا وحقوقًا؛ فالله سبحانه وتعالى خلقنا مختلفين ومتنوعين، وكل محاولة بشرية لقسر الناس على رأي واحد أو قناعة واحدة، هو سلوك متطرف، حتى لو ادَّعى هذا الإنسان أنه وسطيًّا. والوسطية في جوهرها هي احترام حقيقي وعميق للإنسان -مطلق الإنسان- في وجوده وآرائه وقناعاته وأفكاره والتزاماته وحقوقه المادية والمعنوية.

وكل تعدٍّ على هذا الإنسان في أي دائرة من الدوائر المذكورة أعلاه، هي ممارسة عدوانية، تطرّفية، تخرج ممارسها من ربقة الاعتدال والوسطية.

وهذا لا يعني تذويب عناصر التباين والاختلاف بين الناس، وإنما يعني ضبط نزعات الفرد لكيلا يتحول هذا الاختلاف لمبرر للتعدي على الإنسان المختلف. فلا يصح أن يعلن بعض الناس -صبح مساء- أنهم وسطيون، ولكنهم على مستوى قناعاتهم وأفكارهم ومقولاتهم هم يمارسون النبذ والإقصاء والتعدي المعنوي على حقوق المختلف. فثمة مسافة قيمية وأخلاقية ينبغي أن تبقى قائمة بين حق الاختلاف المكفول للجميع، وبين انتهاك حرمة المختلف ماديًّا ومعنويًّا. وكل إنسان أو مجموعة بصرف النظر عن مذهبها ودينها وأيديولوجيتها تجعل من حق الاختلاف قاعدة لتبرير انتهاك حق المختلف، هي مجموعة متطرفة وليست ملتزمة بضوابط ومقتضيات الوسطية. فالوسطية لا تساوي أن يتحدث الإنسان كثيرًا عن فضائل الوسطية والاعتدال، ولا تساوي أن يدَّعي هذا الادعاء في مقولاته وخطبه، وإن المعيار الحقيقي للوسطية هو مدى احترام هذا الإنسان أو تلك المجموعة للإنسان -كل الإنسان- في وجوده وأفكاره وحقوقه المادية والمعنوية. وعليه كل النزعات النبذية والإقصائية والقدحية للآخرين، هي مستوى من مستويات التطرف والغلو.

من هنا فإن كل من يريد أن يقبض على قيمة الوسطية، فعليه أن ينقّي ثقافته من كل عناصر الكره والبغض للآخر المختلف، ويتعامل مع الموافق له والمخالف له على حدٍّ سواء فيما يتعلّق بحقوقه وعناصر الاحترام المختلفة.

فالله سبحانه وتعالى جعل من قتل النفس الواحدة قتلًا لجميع الناس. لذلك ثمة إصرار قيمي-إسلامي على ضرورة احترام الإنسان بصرف النظر عن أصوله وأفكاره. إذ يقول تبارك وتعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}[1].

فالأفراد والجماعات الذين يحولون الاختلاف الديني أو المذهبي أو القومي، إلى مبرر للإهانة أو للقتل أو الاغتيال المعنوي، هم جماعات متطرفة وبعيدة كل البعد عن الاعتدال والوسطية؛ لأن معيار الوسطية هو احترام وصيانة الإنسان بصرف النظر عن دينه ومذهبه وقوميته في وجوده وقناعاته وحقوقه.

2- تبني خيار اللاعنف، والابتعاد -على المستويات الثقافية والاجتماعية- عن كل أشكال ممارسة القوة ضد المختلف. فحقيقة الوسطية مضادة -في وجودها وآفاقها- لحقيقة العنف وممارسة القسر والقهر ضد المختلف.

وكل جماعة بشرية تتبنى خيار العنف وتبرر أو تشجع على قتل المختلف، هي جماعة غير وسطية. وبمقدار ما تبتعد الجماعات عن العنف المادي والمعنوي، بالقدر ذاته تقترب هذا الجماعات من قيمة الوسطية. فلا وسطية مع تبني خيار العنف، ولا اعتدال لدى أي جماعة تمارس الإكراه والقهر والقسر لتبني مقولاتها أو خياراتها.

فجماعات العنف مهما كانت أيديولوجيتها، هي جماعات غير وسطية. ومن يتحدث عن الوسطية وهو يمارس القتل والتفجير أو يؤسس لثقافة ممارسة العنف، هي أيضًا جماعات غير وسطية، حتى لو تحدثت في كل بياناتها عن فضائل الوسطية والاعتدال. فالوسطية رؤية وموقف ولا تخالف بينهما.

3- رفض إطلاق أحكام التكفير والزندقة والتضليل والانحراف العقدي على المختلف. لأن إطلاق أحكام التكفير على المختلفين، تقود إلى نبذ المختلف وطرده اجتماعيًّا، وانتهاك حقوقه، والتعدي على خصوصياته، وقد تصل في بعض الأحيان إلى قتله.

فالاختلاف يكون بين متساويين، وليس بين من هو قابض على الحق والحقيقة، وبين الكافر بهما والمنشق عنهما.. والمجموعات البشرية التي تتساهل في إطلاق أحكام التكفير والزندقة على الآخرين، هي جماعات مغالية ومتطرفة؛ لأنه لا يحق لأي إنسان أن يطلق أحكام التكفير على الآخرين لكونهم مختلفين معه في القناعات والأفكار والتصورات.

وكلنا يعلم أنه على المستوى التاريخي وبالذات في زمن الفتن والصراعات المذهبية، تم استخدام مقولة الكفر والتكفير وسيلةً من وسائل الصراع ورفع الغطاء الديني عن الآخر، وتحريض المختلفين معه إلى قتله والتعدي على حقوقه. وعليه فإن كل من يستخدم مقولات الدين وأحكامه الجزائية في صراعه الفكري أو السياسي مع الآخرين هو متطرف وبعيد عن خيار الاعتدال والوسطية.

والجدير في اللحظة الراهنة على هذا الصعيد، هو شيوع الجماعات والأفراد الذين يطلقون أحكام التكفير والتبديع والزندقة على المختلفين معهم، مما أسس إلى مناخ سياسي واجتماعي لممارسة العنف الديني بكل صوره وأشكاله. ولا ريب أن شيوع هذا التوجه الخطير على أمن واستقرار المجتمعات العربية والإسلامية سيساهم في مضاعفة الخطر على جميع الأطراف والأطياف الموجودة في الأمتين العربية والإسلامية.

لأن هذه الجماعات التكفيرية تتوسل في حسم كل خلافاتها -سواء كانت حقيرة أو عظيمة- بالعنف والقتل والتفجير؛ لأنها تطلق أحكامًا كاسحة على الآخرين ضمن رؤية نمطية ضيقة، مما يسوغ لها استخدام المفخخات وقتل الأبرياء وذبح الناس. وكأن هذه الجماعات هي وحدها العارفة بأحكام الدين وتشريعاته، والمخولة بتنفيذ أحكامه. والذي يثير الاستهجان والخوف في آن هو أن الذي يطلق فتاوى التكفير والذبح والقتل أناس -وفق المعايير الشرعية الإسلامية- لا حظوظ علمية لهم، تؤهلهم ممارسة الإفتاء وإعطاء وبيان الأحكام الشرعية.

فتجد بعض المفتين قبل شهور قليلة كان يمارس الانحراف والرذيلة بكل صوره، إلَّا إنه -وفي برهة زمنية وجيزة بفعل تدينه- ينتقل إلى ممارسة الإفتاء واستباحه الدماء والأعراض؛ لذلك آن الأوان للأمة الإسلامية جمعاء لرفع الصوت عاليًا ضد كل عمليات القتل والتفجير وسفك الدماء التي تجري باسم الإسلام والشريعة الإسلامية.

لأن استشراء جرثومة العنف والإرهاب باسم الدين في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، سيدخل جميع هذه المجتمعات في أتون العنف الذي يقود مجتمعاتنا إلى الانهيار من الداخل، ويورطها في حروب عبثية لا تبقي ولا تذر.

كيف نعزز خطاب الاعتدال في الوطن

ثمة ضرورات ومؤشرات عديدة، تدفعنا إلى الاعتقاد بأن المنطقة والظروف الحساسة التي تمر بها، وطبيعة التحديات والمشاكل التي تواجهنا، كل هذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذه المنطقة بحاجة إلى مبادرات نوعية من أهلها، تستهدف فضح الإرهابيين ورفع الغطاء الديني عنهم، وبناء حقائق وخطاب إسلامي جديد قوامه الاعتدال والوسطية واحترام المكاسب الإنسانية والحضارية. وخطاب الاعتدال، لا يمكن تعزيزه، وتعميق موجباته في الفضاء الاجتماعي، دون الحرية. فطريق الاعتدال الحقيقي، هو في توسيع دائرة الحرية والحريات. فهي الوسيلة الحضارية الكبرى لتجذير مفهوم الاعتدال في الوسط الاجتماعي والوطني.

وكل الممارسات الخاصة والعامة، المناقضة لمفهوم الحرية، هي ممارسات مناقضة لمفهوم تعزيز الاعتدال في الفضاء الاجتماعي. فالعلاقة عميقة بين مفهومي الاعتدال والحرية.

فالحريات بطبعها إذا توفرت في البيئة الاجتماعية، فإنها تدفع الناس إلى المزيد من الوسطية والاعتدال. كما أن الاعتدال سيكرس الممارسة السليمة لقيم ومتطلبات الحرية.

والمجتمع الذي يبحث عن الحرية، لا يمكن تحقيقها، بتبني خطاب الغلو والتطرف والتعصب؛ لأن هذا الخطاب يباعد على المستوى النفسي والعملي بين المجتمع والحرية.

والمؤسسة السياسية التي تبحث عن الاعتدال، بوسائل القهر والعنف، فإنها لن تحقّق إلَّا المزيد من الغلظة والشدة والعنف.

لهذا فإننا نستطيع القول: إن الطريق الحيوي لتعزيز خطاب الاعتدال في الوطن، هو توسيع دائرة الحرية والحريات، والمزيد من الإجراءات والمبادرات التي تصون حقوق الإنسان وتحول دون امتهان كرامته.

ومشكلات الحرية بكل مستوياتها لا تعالج بإفنائها أو تقليص مساحتها، وإنما بحمايتها، وتعزيز مقتضياتها بالقانون. وبهذا نصل إلى معادلة واضحة لعملية تفكيك جذور خطاب وحقائق التطرف والتعصب، وبناء حقائق التسامح والاعتدال. وهي (الحرية – الاعتدال – سيادة القانون).

فهذه هي العناصر الجوهرية لصياغة الفضاء الاجتماعي، بعيدًا عن كل أشكال الغلو والتعصب ونزعات الفوضى والخروج على النظام.

فالحرية هي طريق الاعتدال، ولا حماية لهما إلَّا بسيادة القانون الذي يمارس دور الحماية والردع في آن.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن المنطقة تعيش اليوم مرحلة النتائج والتداعيات الخطيرة لخطاب ديني متطرف، وإلغائي، ويعمل على طمس معالم الاعتدال والتعايش السلمي في المنطقة.

لذلك فإن الحاجة ماسة اليوم، لبلورة استراتيجية وطنية وإسلامية جديدة، تتبنى قيم الاعتدال والتسامح وحقوق الإنسان، وتتكيف مع مقتضيات العصر، بحيث تتحول القيم الدينية إلى قيم دافعة إلى البناء والتنمية والتعايش.

ويعاني المجال الإسلامي في هذه اللحظة التاريخية الحساسة الكثير من عناصر التوتر المذهبي والتطرف الديني. بحيث أصبحنا نعاني في الكثير من البلدان والمناطق من ظاهرة التوتر المذهبي أو القومي أو العرقي أو السياسي المفتوح على احتمالات خطيرة تهدد الجميع في حاضره ومستقبله. لهذا ومن أجل وقف الانحدار إلى الصراعات والتوترات المذهبية والداخلية، نحن بحاجة إلى مبادرات وطنية وقومية وإسلامية تحول دون المزيد من الانحدار على هذا الصعيد وتعمل عبر وسائل ومنهجيات مختلفة من أجل إشاعة وتعميم ثقافة الاعتدال ومنهج العمل والفكر الوسطي بدون غلو أو تنطع. ونحن نعتقد أن المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، تتحمل مسؤولية عظيمة في هذا السياق، وتمتلك القدرة الفعلية للمساهمة في توجيه الرأي العام باتجاه هذه القضايا والمتطلبات، التي تضبط نزعات التطرف والتوتر الداخلي في العديد من البلدان العربية والإسلامية.

وفي هذا السياق نقدم مجموعة من التصورات والمقترحات التي تساهم -في تقديرنا- في تعزيز خطاب وواقع الاعتدال في الوطن والأمة في مختلف المجالات والحقول:

1- نشعر بأهمية أن تقود المؤسسات الثقافية والإعلامية حملة إعلامية لتعزيز خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة، لتعريف أبناء الوطن بأسس وآفاق الاعتدال والوسطية. وكلنا ثقة أن تبنّي حملة ثقافية وإعلامية مدروسة وموضوعية من قبل المؤسسات الوطنية والإسلامية لتعزيز خيار الاعتدال ونبذ ثقافة الكراهية والتطرف سيؤتي ثماره، وسينعكس بشكل إيجابي على حاضر ومستقبل الوطن والأمة في العديد من الميادين والحقول.

2- تأسيس منتدى وطني للاعتدال والوسطية، ومهمة هذا المنتدى عقد الندوات والمحاضرات، والتعريف بالكتب والإصدارات التي تنسجم وخطاب الاعتدال، والعمل الثقافي الذي يتجه إلى معالجة الإشكاليات الفكرية والاجتماعية والسياسية التي تحول دون بروز خيار الاعتدال والوسطية بشكل مؤسسي في الوطن والأمة.

3- الدعوة إلى تأسيس ميثاق إعلامي ينبذ العنف، ويمنع بثّ كل المواد الإعلامية التي تحضّ وتحثّ على الكراهية بكل أشكالها، وتدعو إلى التسامح واحترام حقوق الإنسان والاعتدال والوسطية. وإننا اليوم نعتقد -وبشكل عميق أهمية- أن يسعى الإعلام الحر لإنتاج صيغ احتضان ورعاية لكل المناشط والمبادرات والتوجهات التي تعتبر معتدلة، وتدعو إلى التعايش ونبذ الكراهية والعنف.

وإن حاجة أمتنا اليوم إلى خطاب الاعتدال، ليس حاجة ترفية، بل من الحاجات الضرورية التي تساهم في حفظ وصيانة المكتسبات الحضارية، وتوفير البيئة الملائمة لمواجهة الكثير من التحديات والصعوبات التي تستهدف أمتنا في حاضرها ومستقبلها.

ويحدونا الأمل باتجاه أن تتبنى المؤسسات الثقافية والإعلامية الوطنية هذه المسألة، وتقود الحملة الإعلامية والتثقيفية لتأكيد خيار الاعتدال والوسطية في الوطن والأمة.

والاعتدال الذي نقصده، لا يعني بأي حال من الأحوال التخلي عن ثوابت الدين والوطن، وإنما يعني قراءة هذه الثوابت بعيدًا عن الغلو والتطرف.

وبالتالي فالمطلوب على هذا الصعيد، هو تظهير قيم الاعتدال والوسطية، ونسج العلاقات الإيجابية بين مختلف الأمم والشعوب والثقافات والحضارات. وهذا التظهير ليس خاصًّا بحقل دون آخر، وإنما جميع حقول المجتمع ودوائره المتعددة، معنية بشكل أساسي بتظهير قيم الاعتدال والوسطية في المجتمع السعودي.

ولا يكفي في هذا السياق أن نعلن الخطاب المتطرف والمغالي والمتشدد، وإنما ينبغي أن يسند مشروع تفكيك وفضح الخطاب المتطرف، بصياغة خطاب معتدل، وسطي، متوازن، ويبني حقائقه ووقائعه في الساحتين الثقافية والاجتماعية.

فالمطلوب اليوم على الصعيد الوطني، وفي ظل هذه الظروف الحساسة والتحديات الصعبة، العمل على صياغة خطاب وطني وسطي يفكك نزعات التطرف والغلو، كما يبني حقائق الاعتدال والتسامح في الفضاء الاجتماعي.

كيف نعزز حقائق الاعتدال في الوسط الاجتماعي؟

تنبهنا تجارب الشعوب والمجتمعات الإنسانية، أن العنف والتشدد الديني والإنساني من أخطر العيوب والآفات التي تصيب بعض المجتمعات، فتحول هذه العيوب هذه المجتمعات إلى الإصابة بأزمات متلاحقة، تزيد من إخراج هذه المجتمعات من حيّز التأثير الإيجابي في الحياة والحضارة الحديثة. فالتشدد يراكم السلبيات القيمية والسلوكية، وإن التشدد ليس من علامات القوة الذاتية والاجتماعية؛ لذلك ثمة حقيقة راسخة تطلقها كل التجارب الإنسانية التي مرت بطور التشدد والغُلو الديني والاجتماعي، حيث إن هذا الغلو يدخل عموم المجتمع في مواجهة داخلية مع نفسه. فالمتشدد يحول معركته الأيديولوجية والسلوكية إلى معاداة أبناء مجتمعه، ويحارب كل الصور الإيجابية في بيئته الاجتماعية والإنسانية؛ لذلك فإن محاربة التشدد والتطرف من الأولويات، حتى يتخلص المجتمع المصاب بداء التشدد والتطرف من هذا الاعوجاج القيمي والسلوكي.. لهذا فإن تجارب الحياة السياسية والسلوكية، تثبت أن الغلو والتشدد من أهم العيوب التي تصاحب بعض المجتمعات التي تتمسك برؤيتها الأيديولوجية وعقيدتها الذاتية. وعليه فإن تمسك أي مجتمع بعقيدته يزيده قوة وقدرة على تذليل كل عقبات حياته، ولكن حينما يصاب هذا المجتمع بالتشدد والغُلو الديني فإن هذا التشدد يصبح من أهم العيوب التي تهدد استقرار المجتمع.

لهذا ثمة ضرورة وطنية واجتماعية لتعزيز خطاب وحقائق الاعتدال، بوصفه هو الذي يخرج هذا المجتمع من أتون التدهور الأخلاقي والسلوكي.

والسؤال الجوهري الذي يتبادر في هذا السياق: كيف نعزز حقائق وخطاب الاعتدال للخروج من مأزق التطرّف والتشدد الديني والسلوكي؟

نجيب عن هذا السؤال من خلال النقاط التالية:

1- حماية حق الاختلاف: لا ريب أن بداية الاعوجاج تتبلور حينما لا يتعامل الإنسان مع الاختلاف الإنساني بطريقة صحيحة وسوية؛ لأن الاختلاف الإنساني حالة طبيعية وقد يكون من لوازم الحياة الإنسانية، ورفض هذا الاختلاف هو الذي يقود هذا الإنسان المصاب بالغلو والتشدد إلى العمل على كسر الاختلاف والضغط بكل الوسائل التي لديه لتذويب دائرة الاختلاف الإنساني، والعمل على أن يكون كل المجتمع على رأي واحد وقناعة فكرية وثقافية واحدة؛ لهذا فإن ترذيل الاختلاف الإنساني، هو الذي يقود إلى التعامل معه بوصفه من العيوب التي ينبغي أن تعالج.. لهذا فإن التعامل القاسي مع الاختلافات الإنسانية من الظواهر السيئة، التي تؤسس عبر متوالياتها المتنوعة إلى حالة التشدد الديني والاجتماعي. وهذا السلوك لن يتم التخلي عنه إلَّا بحماية حق الاختلاف، وهو من الحقوق الأصيلة في حياة الإنسان.

2- التعامل الإيجابي مع حقيقة التعددية الاجتماعية: من الطبيعي القول: إن كل المجتمعات متنوعة ومتعددة، والوقوف ضد هذه الحقيقة يؤدي إلى مشاكل وأزمات عديدة في المجتمع، ودائماً الوقوف ضد حقائق التعددية يؤدي إلى شيوع ظاهرة الغلو والتشدد؛ لذلك فإن محاربة الغلو والتشدد الديني، وتعزيز حقائق الاعتدال، لن يكون إلَّا باحترام كل التعدديات الموجودة في المجتمع، فلا اعتدال إلَّا بالقبول بالتعددية، ومن يبحث عن الاعتدال مع محاربة التعددية فإنه سيصاب بالمزيد من الغلو والتشدد؛ لذلك من الضروري تربية أبناء المجتمع عبر التعليم ووسائط الثقافة المتنوعة على القبول بحقيقة التعددية والتعامل معه بدون خصومة أو عداوة، حتى يتعزز خطاب الاعتدال في المجتمع.

فالاعتدال هو نتاج طبيعي لظاهرة القبول بالتعددية الموجودة في المجتمع؛ لذلك فإنه لا يمكن تعزيز حقائق الاعتدال في ظل محاربة حقائق التعددية، فلا اعتدال دون القبول بالتعددية، وإنما المجتمعات المعتدلة هي تلك المجتمعات التي تزخر بالتنوع والتعددية وتحميها بكل الوسائل القانونية. أما محاربة التعددية فإنها تفضي إلى شيوع فكر التطرّف والغُلو؛ لذلك فإن التعامل الإيجابي مع حقائق التعددية في المجتمع هو الذي يؤدي إلى تعزيز خطاب وحقائق الاعتدال في المجتمع والوطن.

3- صيانة الانفتاح والتواصل في الدائرة الاجتماعية: على المستوى العملي والتطبيقي هناك تلازم بين ظاهرة الانغلاق والتشدد الديني والاجتماعي. بمعنى أن من يعيش حالة الانغلاق فإن انغلاقه هو في أحد أسبابه وليد حالة التشدد والغُلو، والتشدد وبيئته الاجتماعية هما اللذان يصنعان المناخ الداعم لخيار الانطواء والانغلاق.

وعليه فإن الانفتاح والتواصل مع الآخرين من الصفات الأساسية التي تؤدي إلى الاعتدال، فلا اعتدال إلَّا بالتواصل والانفتاح؛ لهذا فإن تشجيع خيار الانفتاح هو الوجه الآخر للاعتدال.. لأن الانطواء كقيمة وسلوك على الضد من خيار الاعتدال. لذلك فإن المطلوب دائماً هو كسر حالة الانطواء ودفع الأمور باتجاه الانفتاح من أجل تعزيز حقائق الاعتدال في الوسط الاجتماعي.

مفهوم الاعتدال السياسي

في زمن الفتن والاصطفافات الطائفية والهوياتية، تتضاءل فرص الاعتدال السياسي، وتزداد أشكال التشدد الديني والسياسي. ولعل بنظرة واحدة للعالم العربي اليوم نكتشف أن من ضحايا الظروف الراهنة في المنطقة، هو تراجع الاعتدال السياسي، وبروز كل أشكال التطرّف والتشدد، بحيث أصبح المعتدل في موقع الضعف والاهتراء، وأصبح التشدد هو عنوان اللحظة الراهنة على كل المستويات. وهذا بطبيعة الحال يزيد من الاحتقانات والتوترات، ويعلي من شأن كل العصبيات. وكل هذا ينعكس مزيداً من غياب الاعتدال وبروز كل أشكال التشدد والتطرف، بحيث يصبح الخطاب المعتدل غير مقنع لأحد، وكل طرف -بصرف النظر عن طبيعته وجوهره- يبرز جوانب التشدد لديه. وبنظرة واحدة وعميقة في المشهد السياسي العراقي، نشعر أن الجميع يزداد اشتعالاً وتشدداً. ولعل من مآزق المشهد السياسي العراقي اليوم، هو بروز كل نزعات التشدد واضمحلال كل أشكال وعقليات الاعتدال السياسي لدى الجميع. ومن يبحث عن الشعبية والتأييد الاجتماعي لأفكاره ومشروعاته يجد أن لا طريق أمامه للحصول على كل هذا، إلَّا التشدد والبعد عن الاعتدال السياسي.

فالجميع بدأ يشعر أن الاعتدال يضيع مشروعه، ويفقده الحضور الاجتماعي المؤيد له. وهذا الكلام ينطبق على كل المساحات العربية دون فرق جوهري كبير بين كل الساحات العربية. ولا ريب أن ضعف الاعتدال وبروز التشدد الديني والسياسي، ليس هو الطريق الذي يحافظ على المكاسب العربية، بل إننا نعتقد وبعمق أن التخلي عن نهج الاعتدال السياسي والتمسك بمعالمه وضروراته، يساهم في انسداد الأفق السياسي على المستوى البعيد. صحيح أن التشدد يزيد من فرص الالتفاف الاجتماعي، ولكنه لا يغير معادلات الواقع، ولا يوفر فرص ومناخ التحول التاريخي الذي تنشده ظروف الواقع السياسي في أكثر من موقع ومساحة سياسية واجتماعية. وتعلّمنا تجارب العديد من الشعوب والحياة السياسية لهذه الشعوب، أن الاعتدال السياسي الذي لا يحظى بشعبية وازنة اليوم، إلَّا أنه أفضل الخيارات على كل الصعد والمستويات؛ فالتشدد الديني والسياسي يضيع الكثير من الفرص والمكاسب، ويزيد من الاختناقات التي تبقى بلا محاولة واقعية لمعالجة الأمور.

ومن يعتقد أن التشدد هو الخيار المناسب للعرب لعودة هيبتهم وعنفوانهم، هو يرتكب خطيئة سياسية وتاريخية بحق العرب ومصالحهم الحيوية؛ فالتشدد لا يبني واقعاً للقوة النوعية، وإنما يضيع القوة القائمة، دون أن يتمكن من خلق قوة بديلة. ومن يعتقد بأن التشدد سيحافظ على مصالحه ومكاسبه، هو يرتكب بحق نفسه وأمته خطيئة تاريخية كبرى. فالتشدد يضيع المصالح ولا يحافظ عليها، ويفاقم من المشكلات ولا يعالجها، ويزيد من فرص التوترات على كل صعيد ومستوى. وسيبقى الخيار التاريخي لكل الدول العربية والإسلامية، هو الاعتدال السياسي، الذي يراكم القوة على المستويين الاجتماعي والسياسي، ويعالج كل المشكلات بوسائل سلمية وقادرة على اجتثاثها من الجذور.

ويبدو -على هذا الصعيد- أن الممارسة السياسية والاجتماعية حينما تستند إلى الرغبة دون المعطيات والحقائق، هي التي تؤسس لخيارات التشدد على كل المستويات، بينما الاعتدال يستند إلى الممارسة التي تستند إلى المعطيات والحقائق؛ فالإنسان يتحرك وفق معطياته وحقائق واقعه، لذلك هو يتحرك وفق إمكاناته وقراءته الدقيقة لواقعه وواقع مجتمعه. أما الذي يتحرك برغباته، فهو يتحرك دون النظر إلى إمكاناته ومدى الاستعداد لدى هذه الإمكانات لهذا الخيار أو ذاك. ومن يتحرك برغباته سيصدم بحقائق واقعه. هذا الاصطدام الذي يزيد من ضعفه النوعي. وعليه فإن ركيزة الاعتدال السياسي الواقعي، هو أن الإنسان يتحرك بإمكاناته وليس برغباته. وتعلمنا الحياة أن الحركة بالرغبة تزيد من فرص الأزمات بدل علاجها، وتؤدي إلى الإرباكات على كل الصعد والمستويات؛ لذلك يبقى المطلوب لدى الدول أو الجماعات أو الأفراد هو الاعتدال السياسي، الذي ينطلق من إمكاناته، ويعمل حينما ينطلق أن يراكم عناصر القوة لديه دون تبديدها.

وفِي تقديرنا أن العودة إلى الاعتدال السياسي، هو الخطوة الضرورية لمعالجة الكثير من المشاكل في العالم العربي المعاصر. وكل هذا يدفعنا إلى القول: إن الالتزام بالاعتدال السياسي، هو الخيار الأنسب، لمعالجة مشاكل الراهن، وبناء القوة النوعية للذات. ومن يبحث عن خيار دون ذلك، فإنه سيفاقم من أزمات الذات دون وجود القدرة الفعلية لمعالجة المشاكل والأزمات.

وجماع القول: إننا في العالم العربي دولًا وشعوبًا، بحاجة إلى التمسك بالاعتدال السياسي دون التهور وتبني خيار التشدد الذي يفاقم من أزمات العالم العربي. وإنه مهما كانت الصعوبات، سيبقى الخيار الذي لا بديل عنه، هو خيار الاعتدال السياسي والديني.

محددات الاعتدال

يبدو لي أن المشهد الثقافي في أي مجتمع، لا يمكن أن يتطور، ويراكم من خبراته، ويزيد من فعالياته ومناشطه المتعددة، بدون تحديد دقيق للمصطلحات المستخدمة؛ وذلك لأن الكثير من المفردات والمصطلحات المتداولة، لا يتم التعامل معها بوصفها ذات مضمون موحد ومشترك، مما يؤدي إلى الكثير من الالتباس والتعمية المعرفية والاجتماعية.

فحينما نتحدث عن الديمقراطية مثلًا، فإننا نتحدث عن هذا المفهوم دون أن نحدد مضمونه. وكل الأطراف والأطياف تستخدم هذا المفهوم وغيره، وكل طرف يحمل معنى ومضمونًا مختلفًا ومغايرًا عن هذا المصطلح أو المفهوم؛ لذلك فإننا نعتقد أن حجر الزاوية في تنشيط وتفعيل الحياة الثقافية والمعرفية في أي مجتمع، هو في العمل وبذل الجهد العلمي والمعرفي لتحديد المعنى الدقيق لكل المفاهيم المتداولة والمصطلحات السائدة.

ولعل من أهم هذه المفاهيم، التي يتم تداولها بكثرة هذه الأيام، هو مفهوم الاعتدال.. وكل طرف أو كاتب ينادي بالاعتدال، ويعتبره طوق النجاة من العديد من الفتن والمشاكل، ولكن ما معنى الاعتدال وما هي محدداته، فإن القليل من الجهود التي تبذل لبلورة مضمون هذا المفهوم.

فالاعتدال ليس مفهومًا شكلانيًّا، حتى نعتبره النقطة الوسطى بين رذيلتين، وإنما هو من المفاهيم الفكرية والسياسية العميقة، التي تتجاوز المعنى المتداول للوسطية.

وذلك لأن جميع المجتمعات الإنسانية قاطبة، تعتقد وبشكل عميق، أن القيم والمبادئ التي تحملها، هي القيم والمبادئ الإنسانية – الطبيعية، والتي تقف بشكل دقيق بين رذيلتين.. فكل المجتمعات ترفض الغلو والتنطع في الدين والتطرف في الالتزام بمقتضيات القيم.

كما أنه في المقابل، كل المجتمعات على الصعيد النظري، ترفض الانسلاخ من الثوابت والتفلُّت من القيم الذاتية العليا.

فكل المجتمعات بصرف النظر عن دينها وأيديولوجيتها، تنظر إلى ذاتها، بوصفها هي التجسيد العملي لمفهوم الاعتدال والوسطية.

وكل هذه المجتمعات على الصعيد العملي، تختلف مع بعضها على مستوى التزام هذه المجتمعات بمقتضيات الاعتدال ومتطلبات الوسطية. وبهذا يتحول هذا المفهوم إلى مفهوم سائل غير محدد المعالم. فالإنسان ينظر إلى ذاته بوصفه معتدلًا، والآخر ينظر إليه بوصفه متنطِّعًا وبعيدًا عن مقتضيات ومحددات هذا المفهوم والعكس.

لهذا فإننا من الضروري أن نعمل على بيان وتوضيح محددات الاعتدال؛ وذلك لأن هذا المفهوم ليس أيديولوجيًّا أو عقيدةً متكاملة، وإنما هو رؤية معرفية وثقافية وسياسية، تحدد معنى ومضمون هذا المفهوم؛ لذلك فإن السؤال الملح في هذا السياق هو: ما هي محددات مفهوم الاعتدال؟ بصرف النظر عن الأيديولوجية التي تقف خلف هذا المفهوم. لأن كل أيديولوجية تدَّعي لنفسها أنها الوحيدة القابضة على حقيقة الاعتدال ومعناه الحقيقي والعميق؛ لهذا كله فإننا نعتبر أن محددات الاعتدال هي النقاط التالية:

1- القبول بحقيقة التعددية والتنوع في الاجتماع الإنساني: لعل من أهم المحددات التي تحدد بدقه معنى الاعتدال، وحدوده المعرفية والاجتماعية والسياسية، هو مدى القبول والانسجام مع حقيقة التعددية الموجودة في المجتمعات الإنسانية بكل مستوياتها ودوائرها.

لا يمكن أن يكون الإنسان معتدلًا، وهو يرفض هذه الحقيقة، أو لا يلتزم بمقتضياتها ولوازمها، فكل الناس يدَّعون لأنفسهم أنهم هم الوحيدون الذين على الجادة، وهم الوحيدون المتمسكون بأهداب الفضائل كلها، ولكن ما الدليل العملي على هذا الادِّعاء؟ لا شيء.

إننا نعتقد أن المعنى الدقيق والمعرفي للاعتدال، ليس هو الذي يفسّر هذه القيمة بوصفها القيمة الخيِّرة التي تقف في الوسط بين رذيلتين وهما الغلو والتشدد من جهة، ومن جهة أخرى الانسلاخ والاستلاب القيمي والمعرفي. فالاعتدال يعني: الموقف المعرفي الأخلاقي، الذي يعترف بحقيقة التعدد، ويتعامل مع قيمة التنوع بوصفها من القيم الخالدة، التي لا يمكن محاربتها أو العمل على استئصالها.

وكل إنسان يحارب هذه القيمة والحقيقة هو إنسان غير معتدل، حتى وإن ادَّعى ذلك. المعتدل حقًّا هو الذي يتعامل بعقلية حضارية ورؤية متسامحة مع حقيقة التعدد بكل مستوياتها.

وإننا نعتقد بأن القبول بهذه الحقيقة الإنسانية الخالدة، هو من أهم محددات مفهوم الاعتدال.

وعليه فإن كل فرد أو مجتمع يحترم هذه الحقيقة، ويتعامل معها بعقلية حضارية، هو إنسان ومجتمع معتدل بصرف النظر عن دينه أو أيديولوجيته. وعلى هذا المقياس قد يكون المعتدل مسلمًا وقد لا يكون. فالعبرة -في تقديرنا- هو في مدى التزام الإنسان فردًا وجماعة بالقبول بحقيقة التعددية والالتزام بكل لوازمها ومقتضياتها.

2- احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية: هل يمكن أن يكون الإنسان معتدلًا، وهو ينتهك حقوق الإنسان، ويتعدَّى على مقدساتهم وخصوصياتهم ولوازمهم الإنسانية.

إننا نعتقد أنه لا يمكن للإنسان أن يصبح معتدلًا، دون احترام الإنسان بصرف النظر عن دينه وعقيدته وصيانة حقوقه الأساسية. فالاختلاف في الدين والعقيدة لا يشرع للإنسان مهما علا شأنه، أن ينتهك حقوق المختلف معه أو يتعدى على خصوصياته.

بل إن هذا الاختلاف يلزم الإنسان أخلاقيًّا ودينيًّا، إلى المبالغة في احترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية.

«فالناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق»، ولا يجوز بأي نحو من الأنحاء التعدي على حقوقه أو عدم احترام آدميته وإنسانيته.

وعليه فإن كل المشروعات الأيديولوجية والفكرية، التي تسوغ لنفسها التعدي على حقوق المختلفين معها، هي مشروعات متطرفة حتى وإن ادَّعت الاعتدال. فالعبرة دائمًا بالسلوك العملي ومستوى الالتزام الفعلي باحترام الإنسان وصيانة حقوقه الأساسية.

ولا يمكن صيانة حقوق الإنسان دون وجود رؤية متكاملة لهذه الحقوق، وكيفية حمايتها وصيانتها، وتوفر إرادة مجتمعية متكاملة، لتحويل تلك الرؤية إلى واقع حي على صعد الحياة المختلفة. فالمجتمع المعتدل والوسطي هو الذي يحترم ويصون حقوق الإنسان، ويعمل عبر مؤسساته المختلفة الرسمية والأهلية، لتوفير كل الأسباب والشروط المفضية للإعلاء من شأن الإنسان وجودًا وحقوقًا.

3- الانفتاح والتواصل مع الثقافات الإنسانية: لعل الجذر الثقافي والمعرفي لمفهوم الاعتدال، هو نسبية الثقافة والحقيقة. وأنه لا يوجد إنسان على وجه هذه البسيطة، يمتلك كل الحقيقة، وإنما هو يمتلك بعضها، والبقية موزَّعة على بقية الخلق. ونسبية الحقيقة والثقافة ينبغي أَلَّا تقود إلى الانكفاء والتقوقع، والشعور الوهمي بالامتلاء، وإنما من الضروري أن تقود إلى الانفتاح والتواصل مع الآخرين. فلكون الحقيقة موزعة بين البشر فلا مناص من الانفتاح والتواصل مع الآخرين؛ لأن هذا التواصل والانفتاح هو التعبير الطبيعي للاستفادة من معارف الآخرين وثقافاتهم.

وعليه فإن الاعتدال الثقافي والسياسي والاجتماعي لا يساوي الانعزال والانكفاء والاستغناء عن الآخرين، وإنما هو يعني التفاعل مع الآخرين، والانفتاح على ثقافاتهم والتواصل مع معارفهم.

فالانكفاء على الذات ليس من مقتضيات الاعتدال والوسطية. كما أن تضخيم الذات والنظر إليها بفوقية ونرجسية ليس من لوازم الوسطية. إن الاعتدال -كمفهوم معرفي وثقافي- يفتح الباب واسعًا للانفتاح والتفاعل الخلاق مع كل الثقافات الإنسانية.

ولا سيادة حقيقية لمفهوم الاعتدال في أي مجتمع من المجتمعات دون هذه المحددات، فهي جوهر هذا المفهوم ومضمونه الحقيقي، ومن دونها تكون كل الوقائع انحباس على الذات لا مبرر له، أو هروب من تحديات الحاضر إلى كهف الماضي والأمجاد التاريخية.

فجوهر الاعتدال في المجتمع والثقافة والسياسة هو القبول بحقيقة التعددية، والتفاعل الإيجابي مع مقتضياتها ومتطلباتها، واحترام الإنسان بوصفه إنسانًا، بصرف النظر عن منبته الديني أو عرقه أو قوميته.

فالإنسان محترم لذاته؛ إذ يقول تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ}[2] ومقتضى التكريم الرباني، هو صيانة وحماية حقوقه الخاصة والعامة.

وهكذا يتحول مفهوم الاعتدال من مفهوم شكلي – تبريري إلى مفهوم حضاري، لا يلغي التدافع بين الناس، ولا التنافس بين المجتمعات، وإنما يوفر الأرضية الضرورية والمناخ المؤاتي لانطلاق المجتمع بكل أطيافه وتعبيراته، لاجتراح فرادته، وبناء تجربته المفتوحة والمتفاعلة مع المنجز الحضاري والثقافي الإنساني.

التعددية والاحترام المتبادل

ليس سرًّا من الأسرار حين القول: إن مجتمعنا -كبقية المجتمعات الإنسانية- يحتوي تعدديات وتنوعات عديدة، وإن هذه التعدديات -إذا أحسن التعامل معها- تتحول إلى مصدر إثراء وحيوية لمجتمعنا ووطننا، وإن وجود هذه الحقيقة في أي مجتمع إنساني ليس عيبًا يجب إخفاؤه، أو خطأً ينبغي تصحيحه، وإنما هو جزء طبيعي من حياة المجتمعات الإنسانية، بل هو أحد نواميس الوجود الإنساني. فالأصل في المجتمعات الإنسانية أنها مجتمعات متعددة ومتنوعة. وإن شقاء المجتمعات لا ينبع من وجود هذه الحقيقة، وإنما من العجز عن صياغة أنظمة اجتماعية وثقافية وسياسية وقانونية، قادرة على إدارة هذه الحقيقة دون افتئات وتعسُّف. وعليه، فإن أي محاولة لطمس هذه الحقيقة، أو التعدي عليها، هو إضرار باستقرار المجتمع، وإدخال الجميع في أتون المماحكات والسجالات التي تضر بالأمن الاجتماعي والسياسي.

وقبولنا بحقيقة التعددية لا يعني أن المطلوب هو أن تتطابق وجهات النظر والرؤية في كل شيء. فمن حق أي طرف ديني أو مذهبي أو قومي أن يختلف في رؤيته عن الطرف الآخر، ولكنه الاختلاف الذي لا يقود إلى الإساءة أو التعدي على الخصوصيات والرموز. من هنا فإننا ندعو جميع تعبيرات المجتمع وأطيافه المختلفة للعمل على صياغة ميثاق وطني متكامل، يقر بحقيقة التنوع والتعددية، ويثبت مبدأ الاحترام المتبادل على مستوى الوجود والرأي والرموز. فليس مطلوبًا منا جميعًا، من مختلف مواقعنا الدينية أو المذهبية أو الفكرية، أن تتحد نظرتنا إلى كل القضايا والأمور، أو تتطابق وجهات نظرنا في كل أحداث التاريخ أو شخوصه. ولكن المطلوب منا جميعًا هو أن نحترم قناعات بعضنا بعضًا، وأَلَّا نسمح لأنفسنا بأن نمارس الإساءة لقناعات أو أفكار الأطراف الأخرى.

إننا نرفض نهج السبّ والشتيمة وإطلاق الأحكام القيمية الجاهزة. وإننا نعترف باختلافنا الفكري أو تعددنا الديني أو المذهبي، ولكن هذا الاعتراف يلزمنا صيانة حق الإنسان الآخر في الاعتقاد والانتماء. فالتعددية -بكل مستوياتها- لا يمكن أن تدار على نحو إيجابي، إلَّا بمبدأ الاحترام المتبادل. بمعنى أن من حق أي إنسان أن يعتز بقناعاته الذاتية، ولكن ينبغي أَلَّا يقوده هذا الاعتزاز إلى الإساءة إلى الآخرين. فبمقدار اعتزازه بذاته وقناعاتها ينبغي -بالقدر ذاته- أن يحترم قناعات المختلف واعتزازاته.

وبهذه الكيفية نخرج طبيعية العلاقة بين المختلفين من دائرة السجال والاتهام وسوء الظن والبحث عن المثالب والقراءات النمطية، إلى دائرة العلاقة الإنسانية والموضوعية، القائمة على الاعتراف بحق الجميع بالاختلاف وضرورات الاحترام المتبادل بكل صوره وأشكاله.

وفي سياق العمل على ضبط حقيقة التعددية بكل مستوياتها بمبدأ الاحترام المتبادل، أود التطرق إلى النقاط التالية:

1- إن كل الناس على وجه هذه البسيطة يعيشون انتماءات متعددة، وإن العنصر الحيوي الذي يؤدي إلى تكامل هذه الانتماءات بدل تناقضها أو تضادها، هو الاحترام المتبادل.

فكل الناس ينتمون إلى عوائل وعشائر وقوميات وأديان ومذاهب، وبإمكان كل هذه الدوائر -في حياة الأفراد والجماعات- أن تكون متكاملة ولا تناقض بينها. والبوابة الحقيقية لهذا هو الالتزام بمقتضيات الاحترام المتبادل، بحيث يحترم كل واحد منا دين الآخر أو مذهبة، كما يحترم عائلته أو عشيرته أو قبيلته. واعتزاز الناس بدوائر انتمائهم لا يعني الإساءة إلى انتماءات الآخرين بكل دوائرها ومستوياتها. فالتناقض بين هذه الانتماءات ليس تناقضًا ذاتيًّا وإنما عرضيًّا. بمعنى حين تغيب قيمة الاحترام المتبادل تنمو الوقائع والمناخات المضادة لتكامل دوائر الانتماء. أما إذا ساد الاحترام المتبادل فإن تكامل هذه الدوائر يضحى طبيعيًّا ومثمرًا.

فالاعتزاز بالدين أو العائلة أو أية دائرة من دوائر الانتماء الطبيعية في حياة الإنسان، ليس جريمة، ما دام لا يؤدي إلى رفض المشترك أو تجاوز مقتضيات الاحترام المتبادل.

فالعرب جميعًا اليوم ينتمون إلى أوطان متعددة، وبيئات اجتماعية مختلفة، وتجمعات إقليمية متنوعة، إلَّا أنهم جميعًا يعتّزون بعروبتهم وبكل عناصرهم المشتركة.

ولا يرى المواطن العربي سواء في المشرق أو المغرب، أي تناقض بين اعتزازه بوطنه ومنطقته، وبين اعتزازه بعروبته وقوميته.

وما يصح على المواطن العربي على الصعيد القومي، يصح عليه في مختلف دوائر الانتماء...

2- نعيش جميعًا -ولاعتبارات عديدة- لحظة تاريخية حساسة، يمكن أن نطلق عليها لحظة انفجار الهويات الفرعية في حياة الناس والمجتمعات. وهذه اللحظة إذا لم يتم التعامل معها بحكمة وعقلية تسووية فإنها تنذر بالكثير من المخاطر والتحديات.

لذلك فإن تعزيز خيار الاحترام المتبادل، بين مختلف الانتماءات والتعدديات، سيساهم في ضبط تداعيات ومتواليات انفجار الهويات الفرعية. بمعنى أن غياب الاحترام المتبادل، أو التعامل مع هويات الناس والمجتمعات الفرعية بعقلية الإقصاء والاستفزاز والتحقير، سيؤدي إلى المزيد من التشظي والتوترات الاجتماعية والسياسية والأمنية، ولا يمكن وقف هذا الانحدار إلَّا بتعزيز خيار الاحترام المتبادل بكل حقائقه ومقتضياته ومتطلباته.

فليس مطلوبًا على الصعيد الاجتماعي والوطني، أن ينحبس الناس في هوياتهم الفرعية؛ لأن هذه الانحباس والتوتر المترتب عليه يقود إلى المزيد من الأزمات. لذلك فإن المطلوب هو التعامل بوعي وحضارية مع هويات الناس الفرعية، بحيث تتوفر لجميع المواطنين الأقنية المناسبة والأطر القادرة لاستيعابهم وإزالة الالتباسات والهواجس، حتى لا يتم التعامل مع هذه الهويات بوصفها أطر نهائية لا يمكن التحرر منها.

3- إن مقولة الاحترام المتبادل تتضمن الموقف الإيجابي من الآخر المختلف والمغاير والكلمة الطيبة وعدم الاكتفاء بأدنى الفهم، فيما يتعلق والرؤية ومعرفة الآخر وسن القوانين الناظمة للعلاقة بين مختلف التعدديات. فنحن حينما نتحدث عن الاحترام المتبادل لا نتحدث فقط عن الجوانب الأخلاقية، وإنما نحن نتحدث عن كل مقتضيات الاحترام المتبادل سواء على صعيد السلوك الشخصي أو الرؤية الثقافية والاجتماعية والالتزام السياسي والحماية القانونية. إننا نتحدث عن ضرورة حماية حقيقة التعددية بكل مستوياتها في مجتمعنا من خلال بوابة الاحترام المتبادل.

وجماع القول: إننا نعتقد أنه لكيلا تتحول هذه الحقيقة المجتمعية إلى مصدر للتوتر والأزمات، نحن بحاجة إلى تعزيز خيار الاحترام المتبادل، حتى نتمكن من صيانة تنوعنا والمحافظة على استقرارنا الاجتماعي والسياسي.

......................................
[1] سورة المائدة، آية 32.
[2] سورة الإسراء، آية 70.

اضف تعليق