انطلق جدل جديد في اوساط النخب العراقية على خلفية الدخول المبكر للسباق الانتخابي، محور الجدل يدور حول الصورة التي سينتهي اليها المشهد السياسي، هل سنشهد تغييرا حقيقيا في المشهد؟، هل سيخرج العراقيون بحلول مبتكرة لمشكلات الدولة والمجتمع في ضوء تجارب السبعة عشر عاما المنصرمة، وبعد سلسلة اخفاقات مريرة واختبارات قاسية؟ هل قرأ السياسيون والزعامات والاحزاب الحراكات الجماهيرية قراءة موضوعية جادة، وخاصة حراك تشرين، الاطول والاعمق والاخطر في تاريخ النظام السياسي الجديد في العراق؟

هل سنشهد سلوكا سياسيا وانتخابيا جديدا يستجيب لتحديات ومشكلات العراق، لننتقل الى مرحلة عقلانية من الاداء والادارة تقنع الناس بالسلطة ولا تدفعهم الى الاحتجاج عليها مجددا؟ لقد قرأ الكثير من الاسلاميين في داخل العراق وخارجه (احتجاجات تشرين) قراءة (صراعية) تماما، واعتقدوا انها ضد نوعي، علماني ليبرالي، يتحرك ضمن مشروع التغيير الناعم الذي يستهدف قوة ونفوذ جماعات الاسلام السياسي الشيعية ليس في العراق، بل حتى خارجه، قليلون جدا من الاسلاميين من حاول الابتعاد عن هذه القراءة ذات المنظور الامني -الايديولوجي -الصراعي ،في مقابل ذلك لم تخرج القراءة المضادة عن المتبنيات الايديولوجية هي الاخر.،

فقد تبنى سياسيون ومثقفون وكتاب واعلاميون، قراءة متفائلة -رغبوية، اعتقدوا فيها ان ما حصل من احتجاج، هو انقلاب جماهيري على (الاسلاموية)، وان موجة وعي مضاد، ستطيح بالسلطوية الاسلامية بما يمهد لتغيير جدي في المسار السياسي، يعيد انتاج الدولة في العراق على اسس جديدة تخرجها من مشكلاتها المعقدة ومنها ارتهانها للصراع الامريكي -الايراني.

ربما يكون هذا الاستقطاب بين الرؤيتين استقطاب نخب وليس استقطابا للجمهور، المبتلى بهواجس ومخاوف بعيدة عن المشاريع الفكرية والايديولوجية، فالمجتمع المنقسم اساسا بين مكونات وطوائف واعراق، صار يقارب مشكلاته اليومية من زاوية (مظلوميته!) وتأخذ المظلومية ابعادا خطيرة، حين تكون نواتها الصلبة عقائدية- تاريخية، فتنشأ عنها النزعات الانفصالية والاستقلالية او الخطط الانقلابية الثأرية، كما يقول الباحث التونسي (علي الصالح مولى).

فالمشكلة المعقدة التي تعانيها الدولة في العراق، ليست الانقسام الهوياتي فحسب، وشعور كل مكون بمظلومية خاصة!

بل تلبيس الصراع السياسي اليومي -وهو صراع وتنافس ازلي في كل المجتمعات – لباس الايديولوجيا، فيغدو الاحتجاج على الفشل والفساد ونقص الحكمة، والاندفاعية الهوجاء، والشعاراتية الاعلامية، كأنه احتجاج على المذهب والطائفة والدين !!!!؟؟؟

ولكي يستمر الدفاع عن المواقع السلطوية مقبولا، يصبح شعار الدفاع عن المذهب والطائفة والمشروع السياسي، محور الحملات الانتخابية، والتعبئة اليومية، والايحاء النفسي، والخطاب الاعلامي، وتتحول الانتخابات الى صراع هويات وقتال محاور يعادي احدها الاخر عداءً وجوديا، لتدور معركة السياسة والسلطة بأسلحة زائفة ولاهداف غير صادقة.

لا تتناول القضايا الاساسية التي تهم الجمهور، وهي قضايا الاقتصاد والمعاش والخدمات والحريات والمستقبل، وكيف يمكن ولوج المستقبل بأطمئنان؟ اذا كان حاضر المجتمع يلهث وراء اوهام، ويطارد اشباح (المؤامرات) وهم ينسجون مشروعا يريدون به القضاء على الاخر ومسخ هويته وتغيير ثوابته !!.

لقد بدأ حراك جماعات الاسلام السياسي الشيعية باكرا باتجاه نسج التحالفات الانتخابية، ولم تفكر بمراجعة خطابها ومشروعها واهدافها، منتشية بالعيش على اوهام الخوف المرضي على الاسلام والمذهب والمشروع الاسلامي!

بدون اعتراف بالمشكلات الحقيقية التي دفعت الناس الى المطالبة بالتغيير، وليس الانشغال بأثبات مسؤولية السفارات والبعث والجوكرية عن تحريك الشارع مع الاعتراف بعدم براءة الاحتجاج من العيوب والمثالب الخطيرة!، وبدل ان يراجع ساسة السنة وزعاماتهم، المواقف والافكار والسياسات والخطابات، التي حملّت مناطقهم وجمهورهم الكوارث وجعلتهم فريسة افكار التطرف والنشوز السياسي، فانهم مازالوا يكررون خطاب (المظلومية!) لشد عصب الجمهور السني، بعيدا عن مشكلاته اليومية التي تتماثل مع مشكلات الشيعة في الوسط والجنوب، ويكثف الساسة الكرد خطاب تحميل بغداد والحكومة المركزية والعرب عموما بسياساتهم الشوفينية!

مشكلات الرواتب والفساد والمحسوبية وهجرة المواطنين والطبقية المتزايدة، دونما مراجعة للسياسات والاداء والخطاب. المؤكد ان هذا التفكير السائد، سيهيمن من جديد على الانتخابات القادمة، لتأتي النتائج بلا تغيير جدي ولا أمل في (نضج) سياسي يخرج الجمهور من دوامة مشكلات تستعصي على الحل، بلا تغيير سياسي ولا فكر دولة جديد، يعيد مقاربة مشكلات العراق دونما ارتهان للخطوط الفكرية السابقة.

الانسان العراقي يتوق الى التغيير والتغيير السلمي مرتبط هذه المرة بقوائم انتخابية وتحالفات عابرة للطوائف والقوميات، ذات برامج سياسية تتضمن حلولا جدية لقضايا الدولة الريعية المتهالكة، بما فيها المالية العامة والرواتب والخدمات والتعليم والصحة والقانون، والعلاقة مع الخارج، واذا لم ينهض تيار سياسي جديد وفق هذه الرؤية يخاطب الجمهور بموضوعية وليس بثوريات وانقلابات، فان الانتخابات ستشهد مقاطعة كبيرة، وسيعيد ارباب السلطة انتاج انفسهم بالاعتماد على جمهورهم الحزبي وعلاقاتهم الزبائنية ورشاهم الانتخابية، مع تغيير طفيف في الوجوه لا في السياسات، واذا ماتحقق هذا (السيناريو) فان مصير العراق سيكون اكثر قتامة من ذي قبل في لحظة عالمية سيئة!

.............................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق