يعد الحق في الحياة أحد أهم الحقوق وأعلاها شأناً كونه يمثل الأساس المنطقي لبقية الحقوق والحريات فلو حرم الإنسان منه فلا معنى للإقرار له ببقية الحقوق التي لن تصادف بذلك محلاً، ويعد المجتمع المسلم اليوم بأمس الحاجة لهذا الحق وللوقوف على معناه لابد من تقصي أصوله وضوابطه ووسائل حمايته.

ووجدنا إن من المناسب تقصى ذلك في فكر الإمام علي عليه السلام كونه الحاكم المسلم الذي تفرد بالتطبيق العملي والعلمي للمعنى الحقيقي للحقوق والحريات عامة والحق في الحياة خاصة، ففي خضم ما كانت تعيشه الأمة المسلمة بعد النبي صلى الله عليه واله وسلم من تشتت في الرأي وتغليب البعض للهوى على الحق والعدل عاشت فئات كبيرة من المسلمين واقعاً مريراً بسبب تفشي ظواهر غريبة عن واقع الإسلام كدين سماوي، جاء لينقذ الإنسان من الردى لذا تعامل الإمام علي مع النص الإسلامي تعاملاً فريداً ينم عن معرفة وعلم غزير، فلم يجعل النصوص العقابية مثلاً سيفاً مسلطاً على رقاب الناس ولم يترك الأمر سائباً بيد أصحاب الهوى، ولا عجب فيما تقدم لتميز هذه الشخصية بالعديد من السمات ومنها:

1- شخصية الإمام علي: الفريدة من نوعها حيث كان قدوة حسنة لكونه تربى في حجر النبوة ووعى القرآن والسنة الشريفة فكان أعلم أهل زمانه وأشدهم تقوى وورعاً.

2- الخبرة والمران عند أمير المؤمنين: في تدبير الأمور لقربه من رسول الله منذ اليوم الأول للبعثة الشريفة والى يوم وفاة النبي الخاتم فكان يلازم النبي ويرى ويسمع كيف تعامل الأخير مع الأحداث الإيجابية أو السلبية.

3- التجربة السياسية والإدارية عند الإمام: إذ مارس الإمام علي دور الشريك في التدبير زمن النبي الأكرم وانتقل لجانب المعارضة عندما انتقل الحكم إلى من سبقوه في الخلافة بيد انه كان معارضاً إيجابياً هادفاً لتصويب الأمور وعدل الاعوجاج وتجاوز السلبيات ولم يكن غايته التسقيط أو إحصاء الزلات كما نرى في عالمنا المعاصر من ممارسات للمعارضين للسلطة بل كان ناصحاً وقريباً من مركز القرار لتصويب ما يمكن تصويبه من أعمال تعود على الإسلام والمسلمين بالخير.

4- توافر كل مقومات الحاكم العادل في شخص الإمام علي: وهذا ما لا يحتاج إلى دليل، يشار إلى أنه حدد في إحدى خطبه المحاذير التي يجب اجتنابها عند تنصيب الحاكم المسلم حيث يقول "وقد علمتم أنه لا ينبغي أن يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين البخيل فتكون في أموالهم نهمته، ولا الجاهل فيضلهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدّول فيتخذ قوماً دون قوم، ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسنة فيهلك الأمة".

لقد سلك الإمام علي عليه السلام طريقاً فريداً من نوعه في ترسيخ فكرة حماية الحق في الحياة ارتكز بشكل أساسي على عدة منطلقات فكرية واعية تتمثل بالآتي:

أولاً: التركيز على الفرد ذاته: ليكون محور إيجابي في الحفاظ على حقه في الحياة، حيث يقول عليه السلام "أتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر" والعبارة المتقدمة تكشف عن إيمان حقيقي بمضمون الآية الكريمة "وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ".

ثانياً: التأكيد على الحقيقة الكونية بالمساواة: بين بني البشر كون الجميع ينحدر من أصل واحد وهو آدم عليه السلام وحواء لهذا يكون الجميع متساوي في التنعم بحق الحياة عملا بقوله تعالى "فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ"

ثالثاً: إنسانية الخطاب: الذي تبناه الإمام علي عليه السلام حيث يؤكد في خطبه ورسائله للعامة والخاصة أهمية الشعور بإنسانية الرعية وحفظ كرامتهم الفطرية امتثالا لقوله تعالى "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"، وتأكيدا على وشائج الأخوة الإنسانية بين جميع البشر بغض النظر عن انتماءاتهم الفرعية يقول تعالى "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"، ولذا يقول عليه السلام في عهده لمالك الاشتر "وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه وصفحه".

رابعاً: بين الإمام علي الغاية من تشريع عقوبة القصاص: وهي من الحدود في الإسلام حيث قال "شرع الله سبحانه القصاص حقناً للدماء" وما تقدم تبيان للفلسفة التشريعية وصيانة لمصلحة عامة تمس المجتمع وأمنه واستقراره، ومن جانب آخر حتى تترسخ أسس حماية الحق في الحياة فقد روي عن الإمام أنه أشار على الخليفة الثاني بقتل أكثر من شخص بشخص واحد ثبتت جنايتهم بقتله عمداً، وانه أمر بقتل حر قتل عبداً متعمداً وقتل الرجل بالمرأة بل يروى أنه قال من قتل يهودياً أو نصرانياً قتل به، وما تقدم ليس إلا تطبيقاً عملياً لأمر السماء بقوله عز من قال "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا".

خامساً: أمر أمير المؤمنين عماله في الأمصار بصيانة الحق بالحياة: حيث يقول في عهده لمالك الأشتر "إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شيء أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة، وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها، والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام، فان ذلك مما يضعفه ويوهنه، بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لان فيه قود البدن"

سادساً: أرسى أمير المؤمنين قاعدة عدم تقادم جريمة القتل والاعتداء على الحق في الحياة: حيث يقول "لا يبطل دم أمرئ مسلم" "وان الدم لا يبطل في الإسلام"

سابعاً: أكد الإمام علي على تقديم الغاية على الوسيلة: فأماكن العبادة ليست غاية بحد ذاتها بل وسيلة للتقرب إلى الله والنقاء النفسي بالابتعاد عن الموبقات ولو تزاحم المهم والأهم كان الأولى حماية الحق بالحياة ولو ترتب على ذلك هدم الكعبة المشرفة حيث يقول عليه السلام "ان الله حرم حرّماً غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق..." وما تقدم من قول ليس إلا امتثالاً لقول رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حين قال مخاطباً الكعبة المشرفة "ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حُرْمَتك! والّذي نفس محمَّد بيده، لحُرْمَة المؤمن أعظم عند الله حرْمَةً منكِ؛ ماله ودمه، وأن نظنَّ به إلَّا خيراً".

وبالوقت عينه نجد التميز في السيرة العطرة للإمام علي للحفاظ على الحق في الحياة حيث اقتفى أثار النبي محمد في الفهم الدقيق للنص الشرعي ومحاولة تطبيقه على أرض الواقع بمراعاة ما يأتي:

1- الغاية من تشريع القتل والقصاص.

2- الظروف المحيطة بالجاني زمانياً ومكانياً وأسرياً.

3- الغاية أو الركن المعنوي للجناية لتحديد العقوبة في ضوء الظروف أو الوقائع المصاحبة والتي تنم عن خطورة الجاني أو العكس فلو توضح انه لم يقصد الجريمة إنما انزلق إليها بفعل فاعل كالمحرض أو ما شاكل لهذا أبدع الإمام علي في الركون لبدائل العقوبة الإسلامية أو جب العقوبة رعاية لمصلحة أسمى من القصاص وهذا ما سنبين بعض مصاديقه وفق الآتي:

أولاً: أكد الإمام علي ان الحق في الحياة أولى من تطبيق نصوص شرعية أو دينة معينة تتصل بالعقيدة فقد روي عنه انه قال "التقية ديني ودين أهل بيتي" ومبدأ التقية يعني تجنب ضرر فعل الظالم بإظهار موافقته في فعل أو قول مخالف لباطن العقيدة الحقة"، ما يعني إن الإمام يجيز لأتباعه وصيانة لحقهم في الحياة ان يظهروا خلاف عقيدتهم صيانة لحياتهم، وما تقدم ليس إلا تطبيقاً لقوله تعالى "لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً".

ثانيا:ً أكد الإمام عليه السلام وحفظاً للحق في الحياة إمكانية تعطيل النص الجنائي "الشرعي" في ظروف معينة فعلى سبيل المثال يقول الله تعالى "وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ" ومع صراحة النص إلا ان الإمام عليه السلام قال "لا قطع في عام المجاعة" أي لا تقطع يد السارق حفاظاً على حياته فهو لم يسرق إلا لغاية محددة هي صيانة حياته وحياة أسرته من الهلاك، ومن مأثور الإمام عليه السلام ان "امرأة جاءته فقالت إني زنيت فطهّرني، وكانت المرأة حاملاً، فقال لها أمير المؤمنين، انطلقي فضعي ما في بطنك ثمّ آتني أُطهرك، ثمّ ذهبت وعادت بعد حولين فتجاهل عليها أمير المؤمنين فأصرَّت مرّة ثالثة على إقامة الحدّ فقال لها عليه السلام انطلقي فأكفليه حتى يعقل أن يأكُل ويشرب، ولا يتردّى من سطح، ولا يتهوّر في بئر".

ثالثاً: أرسى الإمام علي مبدأ مسؤولية الدولة على أساس المخاطر وتحمل التبعة حتى لو لم يرتكب خطأ معين فقد قال عليه السلام "من مات في زحام جمعة أو عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته على بيت المال"

وفي حالة مماثلة أقر الإمام علي مسؤولية الدولة عن أخطاء موظفيها حيث قال "لو أقام الحاكم الحد بالقتل فبان فسوق الشاهدين كانت الدية في بيت المال.."

رابعاً: شرع الإمام علي التعويض عن الضرر المعنوي علاوة على الضرر المادي فقد عوض الناس عن الخوف الذي أصابهم نتيجة الأعمال العسكرية التي تقع بالخطأ أو من غير ضرورة، فقد أرسله النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم إلى "بني جذيمة لدفع الدية لمن قتل من رجالهم بغير حق من قبل سرية من جيش المسلمين ولما فرغ من مهمته قال لهم "هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يؤد لكم؟ قالوا لا، فقال إني معطيكم مالاً بروعة الخيل هذه لكم بروعة نساءكم وصبيانكم"، وقال الإمام علي لمالك الأشتر "وإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقهم. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين".

.......................................
** مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات هو أحد منظمات المجتمع المدني المستقلة غير الربحية مهمته الدفاع عن الحقوق والحريات في مختلف دول العالم، تحت شعار (ولقد كرمنا بني آدم) بغض النظر عن اللون أو الجنس أو الدين أو المذهب. ويسعى من أجل تحقيق هدفه الى نشر الوعي والثقافة الحقوقية في المجتمع وتقديم المشورة والدعم القانوني، والتشجيع على استعمال الحقوق والحريات بواسطة الطرق السلمية، كما يقوم برصد الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الأشخاص والجماعات، ويدعو الحكومات ذات العلاقة إلى تطبيق معايير حقوق الإنسان في مختلف الاتجاهات...
http://ademrights.org
ademrights@gmail.com
https://twitter.com/ademrights

اضف تعليق