كثيرة هي الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى الصدام والعنف والصراع في التاريخ الإنساني. إذ أن المشهد الإنساني بكل حقبه ومراحله عاش حالة من الصدام بين أممه وشعوبه أو في داخل هذه الأمم والشعوب. ولقد لخص أحد المفكرين الوجود الإنساني بقوله: أنه بالإمكان ومن خلال الاستقراء الموضوعي لهذا الواقع المتأصل انتزاع المعادلة الصعبة والموغلة في الحقيقة في آن، وهي أن الوجود يعادل دائماً نفي الآخر أياً كان هذا الآخر بشر أو حجر أو حياة.

ولعل السبب الحقيقي الذي يقود إلى سيادة هذه المعادلة البشرية عبر التاريخ، يعود إلى طبيعة المصالح وتناقضاتها التي تراها المجموعات البشرية حافزاً لتدمير الآخر وإلغاء خصوصيته وإلغائه من الوجود. ويتغذى هذا السبب باستمرار من منظومة فكرية تغرس الاعتقاد لدى المؤمنين بها بأنها تحتكر الحقيقة الوجودية وحدها وتنكر على الآخرين ما عندهم من فكر ومصالح وقناعات.

لذلك نجد أن التاريخ الإنساني مليء بمشهد الحروب والنزاعات والصدامات المفتوحة على كل الاحتمالات، والتي تتغذى من خلال ذهنية العدوان وثقافة إلغاء الآخر كوسيلة لضمان مصالح الذات. بمعنى أن الإنسان الفرد والمجتمع ومن خلال تلك الذهنية والثقافية، يرى أن السبيل الوحيد لضمان مصالح الذات والحفاظ على مكتسبات الأنا، هو النبذ والإقصاء والإلغاء. فذهنية العدوان تؤسس إلى خيار اجتماعي-ثقافي، لا يرى وسيلة للحفاظ على مصالح الذات إلا لإلغاء الآخرين وسفك دمائهم.

ولكن ومن خلال هذه السبيل، فإن التاريخ الإنساني يعلمنا أن إلغاء الآخر ونبذه، لا يحافظ على مصالح الذات ومكتسباتها، وإنما يدخل الجميع في دورة متواصلة من العنف لا تنتهي أو تتوقف إلا بتدمير الذات والآخر. وعليه نستطيع القول، ومن خلال تجارب الإنسان في هذا الوجود أن إلغاء الآخر لا يحافظ على مصالح الذات، وأن ممارسة العنف والقوة العارية تجاه المختلفين والمغايرين لا ينهي الاختلاف والمغايرة، وإنما يمدها بكل أسباب وشروط التمسك بالذات وقناعاتها وخصوصياتها. لهذا كله نشعر بأهمية أن نؤسس ونبلور رؤية حضارية في طبيعة التعامل مع الآخر، حتى لا ننكر أخطاء التاريخ، أو نؤسس لواقع حروب وصدامات مدمرة لواقعنا الاجتماعي والإنساني.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن الآية القرآنية التي تقول {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}.. (الحجرات، الآية 13). هي التي تبلور نمط العلاقة الحضارية مع الآخر.

فالآية تقرر في بداية الأمر، أن الاختلاف شأن طبيعي وجبلة إنسانية وناموس كوني، وهو موجود وراسخ في حياة الإنسان وفي عصوره المديدة. وبالتالي فإن هذه الآية الكريمة، لا تطلق حكماً قيمياً وسلبياً على هذا الاختلاف اللصيق بحياة الإنسان والأمم الشعوب، وإنما تعتبره حافزاً رئيسياً لأن ينطلق الناس منه لبناء علاقاتهم وتواصلهم على قاعدة التعارف.. وقد قال الشيخ (محمد الطاهر بن عاشور) في تفسيره (التحرير والتنوير): وجملة {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإنما أخرت في النظم عن جملة إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، لتكون تلك الجملة السابقة كالتوطئة لهذه وتنزل منها منزلة المقدمة لأنهم لما تساووا في أصل الخلقة من أب واحد وأم واحدة كان الشأن أن لا يفضل بعضهم بعضاً إلا بالكمال النفساني وهو الكمال الذي يرضاه الله لهم والذي جعل التقوى وسيلته. ولذلك ناط التفاضل في الكرم بـ(عند الله) إذ لا اعتداد بكرم لا يعبأ الله به.

ومقولة التعارف هنا تؤسس للحقائق والمنهجيات التالية:

1- الاعتراف بالآخر، حيث أنه لا يمكن أن تنطلق في مشروع التعارف مع الآخرين بدون الاعتراف بوجودهم وآرائهم وأفكارهم. فالتعارف يقتضي الاعتراف أن في الوجود أو المجتمع أو الوطن آخرين.

وهذا الاعتراف هو الذي يقود إلى مشروع التعارف على أسس واضحة ومثمرة.

2- توفر الاستعداد النفسي والاجتماعي والأخلاقي لبناء علاقة تعارف متواصلة مع الآخرين. فالنص القرآني الذي يحث إلى نسج معارف وعلاقات بين القبائل والشعوب يوفر لنا إمكانية القول، أن التعارف مع الآخرين هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتي تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف والمكونات.

والتفاضل الذي تؤسس له الآية الكريمة، يتجسد فقط في القيمة التي يحملها كل نوع أو طرف إنساني.

فالأفضلية عند الباري عز وجل هي للأتقى {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وهذه الأفضلية ليست ذاتية وإنما كسبية. بمعنى أن عمل الإنسان وجهده وسعيه وكسبه في الحياة هو الذي يحدد معيار الأفضلية.

والتعارف هنا ليس محصوراً بين الأتقياء، وإنما هو مع كل الشعوب والقبائل. والآية تضع التعارف بكل شروطه ومستلزماته، هو الصيغة الأفعل لتلاقي المجموعات الإنسانية.

3- إن التعارف في مضمونه وآفاقه، ينطوي على دعوة عميقة وجوهرية لمعرفة الآخر من خلال استكشافه وولوج منظوماته وقراءته كما هو، بعيداً عن الذاتية التي تسقط على هذا الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية. وهذا يقتضي الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف والمكونات، حتى يتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيداً عن المسبقات والقناعات الجاهزة. فالحوار هو الإطار الأمثل لتتلاقى فيه الأفكار والقناعات وتتقابل وتتواجه، إنما تحت سقف المحبة الذي لا يجعل من تغايرها وافتراقها سبباً في تأسيس تنازعات، بعدد تنوعها.

فالحوار الواعي والصادق يؤسس للاحترام الإنساني بمعزل عن الفكر والقناعات الذاتية. وإن الفهم الإنساني للآخر القائم على الحوار والتواصل، هو الذي يحول دون الصدام والتضارب. وإن وعينا (على حد تعبير أحد المفكرين) لقيمة الآخر ولمغايرته، لا يجب أن تكون أبداً دافعاً لنبذه واستبعاده أو احتقاره ومعاداته، لأن التغاير والتمايز هو سنّة الله في الخلق. والتعارف يجب أن يكون الركيزة الأساسية في التعاطي الإنساني المختلف، وهو الرابط في ما بينهم من ضمن منظومة الوشائج الإنسانية، المرتكزة على مبدأ التعايش على قاعدة احترام أفضل تكوين الخليقة الإلهية أي الإنسان. فالتعارف يوفر علينا جميعاً الكثير من النزاعات والصدامات التي لا طائل منها. وبدل أن تصارع من تجهل، تعارف معه لأنك ستجد عنده الكثير من مواطن اللقاء التي تحيل التنوع إلى غنى والتغاير إلى حوافز إضافية لاستكشاف سبل التواصل الجديدة.

والتعارف المتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات، هو الذي يؤكد خيار الاحترام المتبادل، ويجذِّر ويعمق حالة الشفافية في العلاقة بين مكونات المجتمع والأمة. فالعلاقة مع الآخر لا تتشكل من جراء نبذه وتهميشه، وإنما من جراء التعامل الحضاري معه على قاعدة التعارف والتواصل والحوار.

لذلك فإن العلاقة مع الآخر المختلف والمغاير في المنظور الإسلامي، هي علاقة التعارف والاعتراف والاحترام والحوار.

وإن التوجيهات الإسلامية تحثنا على احترام الآخرين في إنسانيتهم وأفكارهم وخياراتهم. وإن التباين في وجهات النظر والأفكار، ينبغي أن لا يقود إلى الاقتتال والنبذ المتبادل، وإنما إلى التعارف والحوار والاحترام. فقد جاء في الحديث الشريف: "المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يحقره بحسب امرىء من الشر أن يحقر أخاه المسلم".. وحث النص القرآني على نبذ سوء الظن والتطاول والسخرية واللمز والنبز والغيبة إذ قال عز من قائل: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون}.. (الحجرات، الاية 11).

وإن المجال الإسلامي اليوم، أحوج ما يكون إلى سيادة ثقافة التعارف والحوار بين كل تعبيراته ومكوناته، وذلك لأن أمن الأوطان واستقرار المجتمعات اليوم مرهون إلى حد بعيد على قدرة هذه المجتمعات على إزالة عناصر التوتر الداخلية وتنظيم العلاقات الداخلية بين مختلف المكونات وسيادة ثقافة التسامح والحوار. بدون ذلك سيبقى المجال الإسلامي بأسره عرضة للكثير من الأزمات والتوترات.

وعليه فإن العلاقة الإيجابية والحضارية مع الآخر المختلف في الدائرة الفكرية أو الوطنية أو السياسية، هي أحد مداخل الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المجالين الوطني والقومي.

فالتحديات الكبرى التي تواجهنا جميعاً، بحاجة إلى فكر جديد يحترم الآخر ويؤسس الظروف والمناخات المناسبة للتعارف والتواصل بين مختلف التعبيرات والمكونات.. فالآخر ليس شيطاناً، والذات ليست منزهة من الأخطار والثغرات. لذلك فإن المطلوب هو تطوير علاقتنا بالآخر المختلف وذلك لأنه مرآة ذواتنا. حيث أننا لا يمكن أن نستكشف جوهر ذواتنا إلا من خلال معرفة الآخر. فهو بوابة اكتشاف جوهر ذاتنا. فالآخر وفق هذا المنظور هو ضرورة مجتمعية ومستقبلية لذواتنا. وإن المطلوب هو الانعتاق من نرجسيتنا والتحرر من هواجسنا ومخاوفنا، وننطلق في مشروع علاقة إيجابية وحضارية مع الآخر المختلف سواء في الدائرة الوطنية أو القومية أو الإنسانية.

فلتتسع صدورنا للآخر، وفكرنا للمغاير، وثقافتنا للمختلف، وذلك من أجل بناء علاقة سليمة وسوية بين الذات والآخر على قاعدة العدالة والمساواة والاحترام المتبادل. وإن الوفاء للقيم الإسلامية والإنسانية - بصرف النظر عن مزاجنا وأهوائنا وعاداتنا - يقتضي صياغة علاقتنا مع المختلف على قاعدة العدالة والحوار والتواصل. إذ قال تعالى {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (سورة المائدة، الآية 8).

فالعلاقة مع الآخر ينبغي أن تنطلق من مفهوم العدل وتستهدفه في آن واحد. فمقتضيات العدل هي التي تدفعنا إلى صياغة علاقة إيجابية وحسنة وحضارية مع الآخرين. كما أن هذه العلاقة تتحرك في مفرداتها وآفاقها باتجاه تجسيد قيم العدل في الواقع الاجتماعي والإنساني. ولا بد أن ندرك أن المفهوم الذي أرسى دعائمه الدين الإسلامي ليس خاصاً بفئة أو شريحة دون أخرى، وإنما هو للإنسان بصرف النظر عن أفكاره وآرائه. لذلك من الضروري أن لا نحمل في نفوسنا أو عقولنا عقدة من الآخرين أو تجاههم، ونعمل على أن تكون علاقتنا مع الآخرين وفق مقتضيات ومتطلبات القيم الإسلامية الخالدة، وبعيداً عن الأحن والانحلال والتراكمات التاريخية السيئة. فالإسلام بكل تشريعاته ونظمه دعوة لكي يعيش الإنسان إنسانيته مع نفسه ومع الآخرين.

والعلاقة مع الآخر المختلف، ينبغي أن تكون تعبيراً أميناً عن عدل الإسلام وإنسانيته.

اضف تعليق