إنسانيات - علم نفس

متعة العطاء

جانبا طريق العمر الذي نمشي هما الاخذ والعطاء، وهما من يمنحانا لحظات تضفي معانٍ لحياتنا، وهذان الجانبان هما من يوازنان الانسان ويجعلناه سعيداً بسعادة من يعاشر وتعيس بتعاستهم بمعنى انه ينصهر في مجتمعه، وهذا الانصهار هو الذي يجعل من يومه خطاً مستقيماً دون أي تعرجات ولا لوعة وهذا هو رونق الحياة.

وقد تعمم في الخطأ اننا حين نحصل على شيء ما كأن تكون هدية او مكافئة او حتى دعوة عشاء مثلاً نقول كسبنا في حين لو حصل العكس سنقول خسرنا كذا مبلغ او كذا شيء، اليس هذا القطبان مكملان للحياة؟، ومن لم يود العطاء لماذا يتقبل الاخذ؟، الم يعلم ان ما يأخذه اليوم مدان به ولابد من اعطاءه غداً؟، لماذا يشرعن بعض البشر لأنفسهم ان يكونوا احادي القطب؟

المتعة التي يتركها الاخذ قصيرة الامد بالمقارنة مع متعة العطاء، كما ان متعة الاخذ تتأطر بإطار شخصية او ذو منفعة فردية في اغلب حالاتها، بينما متعة العطاء قد تتعدى الفردية لتشمل مجتمعات بأجمعها، وهذا هو المسوغ والدافع لبذل العطاء لمن يستحق لان البذل لمن لا يستحق يجعله متمردا.

سلوكية العطاء من السلوكيات الانسانية العظيمة التي تتقلص من خلالها (الانا) المتفردة وتحل بدلاً عنها الـ(نحن) لان العطاء يعم الجميع ويبعد الانسان عن سعيه لخدمة ذاته، فتتسمى فيها الاخلاق الانسانية وتتجلى فيها الطيبة والادمية في ابهى صورها.

العطاء لا يقل اثر في نفوس الناس عن الاخذ فلكلاهما يريحان النفس وينعشانها، ويمكن ان يحمي الانسان من انانيته التي تقتل فيه استشعار هموم الناس وحاجاتهم، فحين ينشأ الطفل في بيئة تدعم هذه الصفة وتنشطها سيكبر وهو يتفوق عن اقرانه في بيئات اخرى بامتلاكه قدرة على القبول والتفاعل مع مجتمعه ومحيطه بشكل أفضل.

حلاوة العطاء لايستشعرها الا من يسخر نفسه وما يملك، قد يكون علماً او صنعةً او اي شيء اخر وليس كل العطاء مال او طعام او قطعة قماش، فحين يسخر الانسان مقدراته لخدمة من حوله سيشعر بمذاق ذلك البذل، فلماذا لا نعطي الناس ونحن مغادرون؟

لا يتساوى الناس في عطاءهم فأكثر الناس تمتعاً بالفكر الراقي والصفاء الروحي اكثرهم استعداداً ليدخل البهجة في النفوس، ليس هذا فحسب بل يعلم من يشمله عطاءه ان يكون معطاء لأنهم هم الاخرين عرفوا قيمة هذا السلوك الذي يشعر الانسان السوي بالرضا الذاتي وبذا يحافظ الانسان على أبرز سماته التي منحها اياها خالقه.

العطاء حين يكتسي رداء الطوعية والانسانية تكون قيمته عالية وهدفه نبيل، وهنا يبرز نوعان من العطاء الاول العطاء من اجل العطاء فقط والثاني عطاء من اجل الاخذ كمصلحة او فائدة مادية ومعنوية او روحية ترد على المعطي.

ومن الافضل ان يكون العطاء حسب الاوجب والاهمية وليس بانتقائية ففي هذا المعنى يقول (كارل مور) في كتابه (١٨ قاعدة للسعادة): اعط بلا مقابل ولا تركز فقط على من تعرفه أو بينك وبينه قرابة أو صداقة.

كما من الاهمية بمكان ان لا تحمل من تعطيه فضلا او خجلا او احراجا ولايتم ذكر اسم المتلقي او نوع العطاء عندما تعطي إياك أن ترى الذل والانكسار على وجه من تعطي، كما من اخلاقيات العطاء لا ينتظر من المعطى رد الجميل او الشكر والثناء.

من المسوغات التي من اجلها يجب ان يكون العطاء وسيلة لشكر نعم الله كما تقديم العرفان والحب لمعطي النعم، ولعل الطرق الاكثر فاعلية في الشكر هي ان نقدم ما نملك من عطايا وصدقات في كل النواحي فالعطاء والكرم عبادة اضافة الى كونها سمة اخلاقية عالية.

نود ان نشير الى قصة تحكي واقع البخيل الذي لا يقدم العطاء لاحد، القصة تقول ان احد الحكماء اراد ان يبين المعنى العظيم للعطاء فدعى مجموعة من الناس يؤمنون بثقافة الاخذ فقط وحضر اوعية للحساء وملاعق طويلة بطول اكثر من متر ودعاهم لتناوله فحاولوا ان يحتسوا الحساء ولكن لم يتمكنوا وعادوا جائعين بعدها دعى مجموعة من الناس التي ذوي عطاء وقدم لهم نفس الملاعق والحساء تفحصوا الملاعق وقرروا ان يقابل احدهم الاخر ويستخدم ملعقته لكي يأكل زميله وشبع الجميع بفرح، ومفاد القصة ان في العطاء تزال العوائق التي تقف بوجه تحقيق الاهداف وهذه ايضاً غاية عظيمة.

الخلاصة، كل اخذ زائل بزوال لذته لكن العطاء لا ينضب اثره ولايزول بعد عهود وعهود سيما عطاء الخير والفكر، فما يبقى للإنسان بعد موته سوى صدقة جارية او علم انتفع به الناس، فكلاهما عطاءان عابران للأجيال والازمنة، ويبقى حاملا أثره الطيب في حياة أناس قد لا يعرفهم صاحبه، وتلك هي غاية العطاء ورسالته الانسانية الحسناء.

اضف تعليق