كنت وصفت مرة الذين يجهلون مكانة العراق بأولئك الذين لا يعرفون قيمة الصقر، ويحسبونه طائرا عاديا، فيقومون بشوائه حال اصطياده، مع انه يساوي الملايين من الدنانير في أسواق الطيور، ويُعامل بعناية حذرة عند الامساك به، تحسبا من تساقط بعض ريشه، ففقدان واحدة يعني خسارة بضع ملايين من ثمنه.

وينطبق هذا الوصف تماما على الذين دمروا بلادنا بما أشعلوه من حرائق، وما أثاروه من فتن صدّعت نسيج شعبه الجميل بألوانه المتعددة، وما أشاعوه من فكر ظلامي خرب شواخص حضارية محل فخر، وشواهد على عظمة هذا الانسان من بابل الى آشور. فهل رأيتم أكثر تخلفا ممن فجر منارة الحدباء ومرقد النبي يونس في الموصل؟

وأجهّل ممن ترك أور العظيمة في ظلام منذ تشييدها حتى أحرجتهم زيارة البابا، فنوّروها مؤقتا وبالبدائي من الأجهزة، مع ان الشعلة التي أنارت ظلمة البشرية انطلقت من هناك؟ وهل رأيتم أغبى ممن أهمل بابل التي مازال البحر الشامي الذي سمي بالأبيض المتوسط يردد صدى صهيل خيولها، مع انها أول من صان الحرمات واوقف الظلم عند حده بما سنه حمورابي من قوانين في مسلته التي أبهرت العالم.

بينما في زمن الأدعياء تتحول الشوارع الى مكب للنفايات، والأملاح تأكل جدران دواوينها، وجزى الله اليونسكو خيرا لاشتراطها وقف هذه المهازل لقبولها على لائحة التراث العالمي، وبانتهاء العمل في ملفها لم نر بابل بالصورة التي نريد لها أن تكون، والجميع صامتون.

لا أكثر حزنا من الذي يرى قيمة بلاده كبيرة بعيون الآخرين، بينما يجهلها من قُدر لهم امتلاك زمام قيادتها، ملتهين بالتافه من الامور، والساقط من الأفعال عما ورثناه من مجد، كل العالم يحلم بزيارة هذا البلد العظيم، وتحدوه رغبة لا توصف لرؤية المكان الذي شهد أولى الحضارات، وهذا قداسة البابا يحقق حلما طالما راوده ومن سبقه في منصب البابوية، ويحط رحاله في بغداد برغم كبر سنه، واحتمال تعرضه لمخاطر أمنية معروفة وجائحة كورونا اللعينة، وليس البابا بغافل عن كل هذا، لكنه يعرف ما هي بغداد، وكيف كانت قبلة لطلاب العلم من مختلف أرجاء الدنيا، ومنارة للحرية والتسامح، وقلبا يسع الجميع.

ويدرك ان للعراق عمقا لا يمكن معه أن يكون على الهامش، او بالمقدور زحزحته من ذاكرة البشرية، وانه يستحق الزيارة برغم جراحه، فعظمته كفيلة بتعافيه، قلبّوا صفحات التاريخ واقرأوا ما دونّه زوار العراق، وما سطره المؤرخون، الكل يفخر انه مر من هنا، لكن للأسف يتسابق من وصفوا أنفسهم بقادته على سرقة ثرواته وتركه نهبا للعاديات، وتهجير ناسه والاستحواذ على مساكنهم، ومنهم من سولت لهم أنفسهم أن يكونوا أدوات لخدمة الغرباء، لذا لا يستحق الكثير منهم قيادته، او تُكتب اسماؤهم في سفره.

فمن لا يعرف قيمة هذا الصقر ليس جديرا بتقدم الصفوف، مع ان أغلب المتقدمين لم يأتوا عبر اقناع الناس برؤية ناضجة او فكر نير او مشروع صادق او عمل مخلص، بل فرضوا أنفسهم بالترهيب والعنف وتضليل البسطاء من الناس، ومنهم من استغل ضائقة الشباب المادية، مغلقا جميع سبل العيش أمامهم، الا بالانضواء تحت جناحهم، وتذكر تجارب التاريخ أن لا دوام لهذه الأساليب، فبقاء الحال من المحال كما يُقال، وكلما اتسعت رقعة الدم قربت لحظة التغيير، وعليهم أن يتأملوا في سيرة الذين قبلهم.

فلا يقود هذا البلد غير المترفعين على صغائر الامور، والأمناء على مقدراته، والذين يضعون شعبه في حدقات العيون، وفي عظمته وإرثه العميق يذوبون، وواهم من يظن ان بالعنف قادرا على تطويعه واخضاعه، بل سيُلفظون طال الزمن ام قصر كما لُفظ غيرهم، وستظل رؤية العراق حسرة في قلوبهم، وسيذوقون مهانة العيش في بيوت الغرباء.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق