لقسوة التدريب في مدرسة ضباط صف المشاة الأولى في الموصل ابان الثمانينات من القرن الماضي، وشدة الالتزام بالسياقات العسكرية، والحدة التي يتعامل بها الضباط مع الجنود، يتندر بعض المتدربين في وصفها، بأنهم سيتخرجون منها برتبة نائب عريف ركن، مع ابتسامة متعبة، فيها من التذمر أكثر مما فيها من الفكاهة .

وفي أحد أيام الموصل الباردة طلب العريف من زميلنا صادق أن يحل محله في متابعة الفصيل لمدة نصف ساعة لقضاء حاجة طارئة، فدب السرور في نفوسنا، ذلك انها فرصة وان كانت وجيزة للاسترخاء من الشد العسكري المتواصل على مدار اليوم، لكن صادق مارس تسلطا غريبا وأذاقنا من العنف اللفظي والجسدي ما يهون معه تعامل عريفنا.

ولم يكن بمقدورنا التمرد على صادق فهو يمثل العريف، ويا ويل من يخالف أوامر العريف بخطئها وصوابها، فالعقوبة بانتظاره، وأقساها تلك التي تحرمك من اجازتك الدورية التي تنتظرها على أحر من الجمر، لتستنشق خلالها هواء الحياة المدنية بعد حرمان منه لمدة تقرب من الشهر، المفارقة ان أغلب الجنود كانوا يستميلون العريف بشتى الأساليب لمتابعة الفصيل بدلا عنه في حالات عدم وجوده، ولم يكن سلوكهم مغايرا لسلوك صادق، الكل يرغب بهذه السلطة البسيطة وغير المجدية لجندي مغلوب على أمره.

ما ذكرني بهذه الحادثة سؤال طالما راودني: هل السلطة لدينا قيادة للمجتمع نحو الأهداف التي يتطلع لها، أم تسلط عليه؟ ما رأيناه طوال حياتنا ان السلطة بوصفها قيادة لازالت من بين أمنيات العراقيين التي طال انتظارها، وظلت في أعلى مواقعها تسلط على رقاب الناس، وما دونها اهدار للكرامة والحط من قيمة الانسان في غالبها، وما تبقى مرتبط بتربية الممارس للسلطة وما يتحلى به من أخلاق.

ويبدو لي ان الصراع على السلطة في العراق على اختلاف المراحل التي مر بها لم تأت بدافع قيادة المجتمع، بل للهيمنة عليه واجباره على الخنوع والخضوع.

ثمة رغبة واضحة للتسلط في نفوسنا، ما يعطي مصداقا للمثل البصري (يا حبذا الامارة ولو على حجارة)، فالسلوكيات التي نواجهها في حياتنا من الشاغلين لمواقع المسؤولية تكشف عن نزعة تسلطية بدءا من الموظف البسيط في مؤسساتنا مرورا بالشرطي في الشارع وانتهاء بالممسكين بزمام السلطة العليا في الدولة، والكل يتصرف بأنه الكل بالكل، ويحق له فعل ما يشاء، ولا يشكل الناس بنظره شيئا.

أما ما يوصف بالقانون فقد وضع خلف الظهور على الدوام، وأولهم المسؤولون عن تطبيقه، ولا يفعّل الا مع الذين لا سلطة عندهم، ولكي يردع الناس هذا التسلط صاروا يسعون لأي سلطة يرونها أقوى من تلك التي تنتهك حقوقهم، او يحتمون حتى بغير المشروع من السلطات الفاعلة في الواقع.

فما الذي يجعل هذا الموظف او ذاك العسكري متسلطا، ولا يلقي بالا الى انه وضع في هذا الموقع لخدمة الناس؟ هل ثمة روح عدوانية متجذرة في النفوس، ام ان العراق غابة، وليس أمامك للعيش فيها بسلام وكرامة سوى التسلح بسلطة ما، ام ان عُقدا عميقة تعانيها الشخصية ولم تفلح المؤسسات المعنية في معالجتها بالرغم مما انفق من أموال طائلة في التعليم والثقافة طوال عمر دولتنا الحديثة؟

واليوم يستعد سياسيونا لجولة جديدة من الصراع المعلن والخفي لبلوغ السلطة، وبحسب تجربتنا الماضية فان الغالبية يريدون الوصول للسلطة حتى وان كانوا متيقنين من فشلهم في اخراج البلاد من الأنفاق المظلمة التي تمر بها، ما يعني ان رغبة التسلط هي التي تحركهم وليس غيرها، نأمل الا تجعلنا نتائج الانتخابات القادمة بمواجهة موجة من التسلط أكثر شراسة مما سبقها.

ما زلنا نحلم بسلطة تقود المجتمع، وتحررنا من تسلط متشظ داخل البلاد، تتساوى الأجواء التي يخلقها مع تلك التي اشاعتها الدكتاتورية، فمن يملك الشجاعة لقمع هذا التسلط واعادة الهيبة للقانون والكرامة للناس؟

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق