لم يُعرف عن العراقيين بخل، بل هم أكرم الناس، ولم يتوقف كرمهم عند المال والطعام وحسن الكلام، بل والتضحية بالنفس دفاعا عن وطن يُنتهك او انسان يُظلم او كرامة تُهدر، وهذا غاية الجود، ولا كرم أبلغ من أن ينذر الانسان نفسه، قلبّوا صفحات التاريخ، فهي خير شاهد على غيرتهم وكرمهم وشرفهم وبطولاتهم ونسبهم وأدبهم وذوقهم، ولم يأت هذا اعتباطا او صدفة، أليسوا الأعمق غورا في التاريخ من غيرهم؟

وللأشقاء والأصدقاء حصة من سجاياهم، وحصة الأسد في غالب الأحيان، فالعطاء بلا منة عندهم قيمة، فيعطون ما هم بحاجة اليه، ذلك ان العطاء ليس الاكرام من كثير عندك، بل أن تتقاسم رغيف خبزك مع جائع، وان طرق بابهم من ضنكته الأيام، فلا يردونه خائبا حتى وان استدانوا، هكذا عرفناهم، ولا أظنهم عن ذلك يحيدون، ففيه تميزوا عن شعوب الدنيا كلها، وليس في ذلك تقليل من شأن الآخرين، ولا نرجسية للذات عالية.

واذا كانوا هكذا مع الغير، فكيف عندما يمس الضيم وطنهم، وتصل الفاقة به الى حافة الهاوية، أجزم انهم سيشدون البطون ويلتهمون التراب على أن يمدوا يدا لغريب، فماء وجه الوطن لديهم عزيز، وبالأوردة ربطوا أنفسهم به، وهذا ما يجب أن يعرفه من اختاروه قائدا، او من جاءت به صروف الدهر صدفة، بأنهم الكرماء بلا منازع، صمتهم أبلغ من كلامهم، وكرائحة القرنفل رقة قلوبهم، لكنهم أحد من السيف عندما تُخدش أوطانهم، وتُستلب حقوقهم.

لست مبالغا بما يتحلى به قومي، ولكن هذه حقيقة لم يدركها بعد الذين كُلفوا بإدارة سفينتهم، وما زالوا يتخبطون بها، وأنتهى تخبطهم بالفشل في توفير أرزاقهم، بعد أن سرقوا ثرواتهم التي يحسدنا الآخرون عليها، وقد صدق ذاك المواطن الهندي عندما قال: خيركم لا ينضب الا في حالتين، قلت وما هما، فقال: عندما يتسيدكم الفاسدون، وهؤلاء لا يشبعون أبدا، ولن يتوبوا، فمخافة الله أبعد ما تكون عن قلوبهم قلت: وما الثانية يا صديقي فقال: الحروب، فقلت: صدقت، فقد وُضعنا مذ أبصرنا الدنيا بين الفاسدين وأمراء الحروب، ولذا شحت نعمتنا، وصرنا نقارع الفقر والتخلف والمرض، بينما كنا منارة لطالما حلم الآخرون برؤيتها والعيش في كنفها وهضم درسها والاستمتاع بتحضرها.

واليوم بعد أن سرقوا خزائن البلاد، وأشعلوا ما أشعلوا من حرائق، صاروا يدعّون الحرص، ويفكرون بانتشالها مما هي فيه من أنفاق مظلمة، وكأن غيرهم من وضعها فيها، ولسنا بخلاء على الصادقين الذين يريدون الاصلاح، وتوزيع الثروات بالاستحقاق على الناس، والذين يرومون تحرير البائسين من المزابل، وتخليص الشباب من الضياع، ولكن قبل هذا وذاك، من يعيد ثقة تزعزعت؟

فما اعتراضنا على استقطاع الرواتب بخلا، ولا نستخسر على بلادنا شيئا، ألم نعطي أبناءنا للوطن من دون تردد عندما تجحفلت جيوش الظلام عند الأبواب، اعتراضنا منبعه عدم الثقة بأمانتكم اطلاقا، فلو كنا واثقين ان ما نعطيه يذهب لإعمار البلاد حقا، لرأيتمونا قبل النداء متدافعين أمامكم، نجود بكل ما نملك بصدور رحبة، لكن ما عاد للثقة محل، ونحن بهذا لا نطلق الأحكام جزافا.

فسنوات الفساد التي مرت خير برهان، اختبارنا لمن يدعي الأمانة والحرص على الاصلاح أن يبدأ قبل استقطاع الرواتب بمحاكمة الفاسدين، والكبار منهم على وجه التحديد، فهؤلاء الذين يُغض الطرف عنهم تحسبا لا جهلا، سترون بأم أعينكم بعض ما سرقوه يتحول الى عبوات ناسفة وثيران مفخخة ولافتات عريضة وصور براقة قبيل انتخابات تشرين، عند ذاك ليس بوسعك سوى لعن الشيطان والقول مع نفسك: ما أضخم الأموال وأكلح الوجوه.

..........................................................................................................
* الآراء الواردة في المقال قد لا تعبر بالضرورة عن رأي شبكة النبأ المعلوماتية.

اضف تعليق