بدايات التحليلية

مارس برويقوس الفيلسوف السفسطائي تفسيره التحليلي على الكلام العادي المتداول حول بعض القضايا بين الناس وما هو المقصود منها منذ ماقبل سقراط الذي قام هو الاخر استخدام التحليل بدوره في تحليله التصورات الاخلاقية مثل التقوى والشجاعة والعدالة والنزاهة، تلاه افلاطون الذي قام بتحليل قيمتي العفة والاعتدال والشجاعة والفضيلة، ويعتبر منطق ارسطو محاولة جبّارة في التحليل الفلسفي.1، وقام سقراط بتحليل دلالة معاني كلام الناس وكان يسعى اكتشاف الماهيات الخلقية منطلقا من تحليل السلوك العملي وهو واقعة ملموسة...كما أتخذ الرواقيون من التحليل محورا قامت عليه فلسفتهم، فقسموا الموجودات الى جواهر وأعراض، وأهتموا بصفة خاصة بالتحليل الفلسفي وأصل اللغة والمشكلات التي أثيرت حولها، كما تحدثوا عن مقولات الجنس والعدد والزمن، وقال لا يونز عنهم: أن الفلسفة الرواقية على الاخص هي التي قامت بالتحليل المنطقي للغة وأستمرت نتائج هذا التحليل تحديد المقولات النحوية.

وفي الفلسفة الحديثة "يمكن القول أن البداية الحقيقية للتحليلية المعاصرة أو المنهج التحليلي جاءت على يد فريجة فيلسوف اللغة السويسري الذي أصدر كتابه أسس الحساب عام 1884 الذي مهد لانبثاق المنهج المنطقي الذي أعتمده أقطاب التحليلية الانجليزية مور، وراسل، ومعهم فينجشتين وكارناب "، ووصف راسل ريادة فريجة قوله " نحن ندين بالفضل في كل مسائل التحليل المنطقي لفريجة".

الفلسفة التحليلية الانجليزية موضعها ومحط تركيزها وتحليلاتها كان سعيا وراء اللغة، واستبعاد ما يشوب التعبيرات اللغوية من غموض وخلط أو زيف، وتتميز عن الفلسفة القارية السائدة في غرب اوربا للناطقين بالانجليزية. كما كشفت الدراسات المعاصرة حول التحليلية الانجليزية مسائل مهمة منها، أن كتابات راسل الفلسفية حول التحليلية بالتعاون مع وايتهيد في الرياضيات والمنطق كانت نتيجة تأثرها بكتابات فريجة. وتبني جورج مور الوضوح اللغوي ولم يكن هدفه السعي الى معالجة قضايا فلسفية هامة خارج دعوة تبسيط اللغة.

هذا الاستشهاد البسيط الذي اوردته هنا يؤكد بوضوح تام أن التحليلية الانجليزية لم تولد من اختراع فلسفة انجليزية لم يكن لها وجودا فلسفيا سابقا عليها، كما أراد تصويرها راسل أنها قمة عبقرية الفلسفة التحليلية الانجليزية وهو أدعاء في غير محله لا معنى له ومكابرة ليس لها رصيد في تاريخ الفلسفة كما نرى لاحقا. حيث لا يخلو عصر فلسفي من منهج التحليلية الذي هو بالاصل يتابع فائض المعنى اللغوي وليس مهمة تصحيح مسار الفلسفة الذي حرفته اللغة في مخاتلة التعبير الزائف.

التحليلية الانجليزية

يتهم النقاد والمهتمون بقضايا الفلسفة أن الفلسفة الانجليزية التحليلية بزعامة جورج مور وبيتراند راسل، وايتهيد أنهم ومعهم فلاسفة آخرين غيرهم بذلوا جهودا كبيرة طيلة عشرين عاما في محاولتهم تحقيق أحد الهدفين التاليين:

الاول ربط التحليلية المنطقية التي هي تيار أكثر ميلا نحو التكامل مع العلم بزعامة راسل في تبنيه المنطق التحليلي القائم على الرياضيات ساعده وايتهيد، والمنطق الذي ساعده فيه فينجشتين المنظم متأخرا الى المنطقية التحليلية الانجليزية بعد انفصاله عن حلقة فينّا معتبرا "قضايا المنطق والرياضيات تحصيل حاصل وصادقة بالضرورة، وهي خالية من المعنى لكنها مع ذلك صادقة كونها عبارات مفهومة، لكنها ليست صورا للواقع وهي تتعلق ببناء اللغة" 4 ، هنا تعبير فينجشتين المناصر لراسل في التحليلية يختلف تماما بينهما من حيث أن فينجشتين كان يرى بالتحليلية فلسفة لغوية مجردة قوامها ومجال اشتغالها نحو وقواعد اللغة، بينما وجد راسل التحليلية هي محاولة ربطه المنطق اللغوي بالرياضيات التي هي قريبة جدا من النزعة العلمية بغية تصحيح الخاطيء بالفلسفة... .

الهدف الثاني الذي حاولت التحليلية الانجليزية فيه أعتماد التحليل اللغوي بزعامة جورج مور الذي يعتبر رائد التحليلية المعاصرة " ربط التحليل الفلسفي بكل من الادراك العام والادراك الفطري وحكم بالكذب على كل قضايا تعارضها" 5 ورغم تاكيد مور أهمية أعتماد فلسفة اللغة الجارية التواصلية بين الناس لكنها التحليلية هي ايضا لم تتمكن من أخراج تحليل اللغة الى ميدان تحليل الواقع والحياة، وبقي هذا التيار يعبّرعن كيانات غير واقعية خالية من المعنى وفارغة المضمون حسب تعبير فينجشتين الذي تحوّل كثيرا في كتابه المتأخر بحوث فلسفية عما كان جاء به في (رسالة منطقية فلسفية) مخطوطته اللغوية الاولى.

كما أستنفدت التحليلية الكثير من طاقتها وقواها الفلسفية في بحثها عن الالفاظ التي تشكل معضلات سجالية نقاشية لا يمكنها الخلاص من فلك الدوران حول مركزية تحليل اللغة المجردة عن الواقع والحياة، ومقدار ما تثيره تلك الالفاظ من مشاكل لغوية أختلافية. ما دعى فينجشتين أعتبار هذا التحليل اللغوي يدور في مركزية قضايا ميتافيزيقية تحاول خلق كيانات غير واقعية خالية المضمون فارغة المعنى.

مستقبل الفلسفة التحليلية

تناول كولنجوود التحليل في كتابه "مقال في المنهج الفلسفي" نزعتين في التحليلية الفلسفية هما النزعة النقدية، والثانية النزعة التحليلية التي ترى أنه لم يبق للفلسفة شيئا من مباحث فلسفية بظهور طغيان فلسفة اللغة والعقل ونظرية المعنى الا مهمة تحليل المعرفة التي لدينا بالفعل، قضايا العلم وقضايا الحس المشترك.6

أن النزعتين النقدية والتحليلية وجدتا نفسيهما أمام جدارالاصطدام بحقيقة أن التحليلية لا يمكنها زج نفسها بقضايا العلم الطبيعي التي لا تجانسه لغة البحث اللغوي الفلسفي، ولا قضايا لا تهتم بالواقع والحياة، بل ينصب أهتمامها على تحليل ( الكلام والاقوال) على مستوى التحليل اللغوي الصرف. بمعنى رضخت التحليلية في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة شكلية عادية لا فلسفة لغة مضمونية ذات حمولة فلسفية تلازم العلم في نزعته التجريبية، وليس بمقدورها ما هو أكثر من تحليل اللغة بتجريد لا يقترب من مباحث العلوم الطبيعية الا فيما يدّعيه ولم يدركه..

بضوء هذا المآل التي رست عليه التحليلية" يكون الفيلسوف العلمي التحليلي – وليس العالم الذي يمارس أحد انواع وتخصصات العلم الطبيعي التجريبي - قد أفرغ العلم من محتواه ومضمونه ليصبح العلم مجرد معادلات صورية لا علاقة لها بالظواهر الخارجية " 7 ولم تسجل التحليلية الانجليزية على العلم الطبيعي مناطق فراغ يمكنها هي القيام سد تلك الفراغات بالاستعانة بفلسفة التحليل في ملئها.

التقدم العلمي في مساره المتوازي مع الفلسفة عموما، جعل النزعة العلمية بالفلسفة تسقط في فضاء الفلسفة اللغوية ذاتها وليس خارجها لا في العلم ولا في واقع الحياة. ولم يستطع العلم الطبيعي استيعاب تلك النزعة العلمية الفلسفية التحليلية ومجانستها معه دونما أمتلاكها الحد الادنى من المؤهلات بضوء تاكيدات تحليل الفلسفة اللغوية على المرتكزات التي فرضت عليها ولم تبتدعها وهي:

- تأكيد الفلسفة التحليلية أنه يتوجب على مباحث الفلسفة أن يكون مرتكزها تحليل اللغة بما هي لغة نحوية وقواعد أسوة بغيرها من الفلسفات التي تشتغل على فلسفة اللغة والمعنى واللسانيات والتحول اللغوي. بفارق أن التحليلية الانجليزية تناولت مواضيع لها وشيجة صلة بالعلم في ناحيتين هما المنطق والرياضيات.. وكلاهما ارادا الاعتياش على العلم الطبيعي وفشلا.

- مهمة التحليل اللغوي لبعض قضايا العلم لا يتوخى منها منافسة العلم التجريبي، بل توّخي الحد الادنى من التحليلية اللغوية الفلسفية أن تكون فلسفة علم بالمعنى الدال أنها فلسفة لغة علمية وليست فلسفة علم طبيعي تنافس الخصوصية العلمية التجريبية في وجوب الالتزام التام في عدم توريط فلسفة التحليل اللغوي في مطبات أختصاصات العلم الطبيعي.

- "لا يفهم فيلسوف العلم التحليلي الدلالة الواقعية المادية بل كل مايهمه الدلالة الصورية فحسب، وهذا يشير الى نزعة صورية تتجه نحو ابتلاع المنطق المادي الذي يجعل الظواهر والوقائع مدار حديثه، وتحويل المنطق الى صورة رمزية بحتة لا علاقة لها بالواقع " 8 وليس أدل على هذا التوجه من أستمساك راسل بالرياضيات دون جدوى وفينجشتين بالمنطق اللغوي الذي تركه في مؤلفه الثاني" تحقيقات فلسفية" لصعوبته التجريدية مثل الرياضيات ليعود المطالبة بوضوح لغوي وقد سانده بهذا المسعى المتأخر جورج مور الذي هو الآخر طالب وجوب الابتعاد عن لغة فلسفية معقدة تهويمية بعيدة عن الوضوح المجتمعي الذي يجعل من الفهم العام للفلسفة التحليلية متاحا للجميع وليس للنخبة فقط.

- تكريس مهمة الفلسفة التحليلية في محاربة وأسقاط جميع الفلسفات الزائفة التي شهدها تاريخ الفلسفة على مر العصور. كما أن من المسائل المهمة أن الفلسفة التحليلية ليست فلسفة قائمة على وضوح ركائزي موحد من حيث النسق اللغوي المفهومي بخصائص مميزة كما نجده مثلا في البنيوية والتاويلية وأخيرا بالتفكيكية.، بل التحليلية هي فلسفة توزعت على عدد كبير من الفلاسفة الذي يعبّر كلا منهم عن فهمه الفلسفي الخاص للتحليل.

لذا تشتت التحليلية الى ما يقرب أكثر من خمسين تيارا فلسفيا عالميا كل فيلسوف فيهم ينظر لفلسفة التحليل بما يراه يمّثل فلسفة مميزة عن غيره، وضاعت جهود هذا الجمع الكبير الفلسفي في الوصول الى فهم تحليلي مشترك يجمعهم. وأنعكس هذا التشتت على فلاسفة أميركان تحليليين وفرنسيين وألمان أيضا.

خصائص فلسفة التحليل

رغم تشتت تيارات الفلسفة التحليلية في سبل وطرق شتى لا تجانس يجمعها ألا أنه تم استخلاص بعض الصفات التي لاقت أجماعا عليها من قبل فلاسفة التحليل هي:

- اعتراف وأقرار التحليلية بدور اللغة الفعال بالفلسفة أو مايمكن تسميته بالمنحى الشعوري المتزايد نحو اللغة ما ألجأ بعض المفكرين والنقاد نعت التحليلية أنها فلسفة لغة مثل غيرها لا أكثر، وطرحت التحليلية رؤيتها أن اللغة ليست وسيلة فحسب بل هي بوصفها هدفا من أهداف البحث الفلسفي ايضا، ومن المهم التنويه أن فلسفة التحليل لا تعتمد لغة موحدة في حل بعض قضايا الفلسفة. حيث دعا البعض اعتماد لغة اصطناعية بديلا عن لغة الفلسفة العادية، وعارضهم آخرون في التاكيد على اعتماد اللغة الجارية التواصلية التي تتسم بالوضوح ابرزهم فينجشتين وجورج مور. وبولغ في اعتماد اللغة الى حد جعل التحليلية تخرج من ثياب خصوصيتها اللغوية التي تود الاقتراب العلمي الذي لم تحقق منه شيئا يذكر.

- الاتجاه نحو تفتيت المشكلات الفلسفية الى أجزاء صغيرة لحلها جزءا بعد آخر، وتشمل "الاجابة على المشكلات الكبيرة بالفلسفة المشتقة من التحليلات الدقيقة الفرعية الجزئية التفصيلية كي تكون التحليلية فلسفة بدون افتراضات مسبقة" وهو هدف ولد تنظيريا فلسفيا وليس فلسفيا تطبيقيا منهجيا.

- الخاصية الثالثة هي أن التحليلية فلسفة معرفية تتجه نحو كشف العالم الخارجي، وذلك بفحصه من أجل أكتساب المعرفة التي ترغبها التحليلية معرفة علمية وواقعيتها الابستمولوجية، وأن لا تكون أمتدادا للنزعة التجريبية المنطقية الانجليزية بزعامة جون لوك وبركلي وهيوم ومن قبلهم بيكون.

- الخاصية الرابعة هي المعالجة البين ذاتية لعملية التحليل. بهذه الخاصية أرادت التحليلية التمايز عن الفلسفات التي تتسم حول مركزية الذات مثل الفينامينالوجيا التي تتصور التحليل هو النفوذ الى الجوهر أو الماهية، وتتميز أيضا عن الوجودية التي تدور حول مركزية الذات (البعد الوجودي) وتعتبر هذين المنحيين الفلسفيين لا يقومان على تحليل اللغة ولا يرتبطان بها بشكل موضوعي، ما يجعل منها فلسفات ذاتية عديمة الجدوى بالنسبة لفلسفة تحليلية تعتمد اللغة في تحقيق معرفة نسقية تقترب من مباحث العلم.

راسل وبيان التحليلية

جاء على لسان بيرترانرسل في كتابه " مشكلات الفلسفة" أن" الفلسفة التحليلية ثورة جاءت لتعيد الفكر الانجليزي الى مرآه الاصيل وهو الاتجاه التجريبي. ولا يعني ذلك أن التحليل مجرد صورة من الصور التجريبية، أنما هي ثورة وضعت الفلسفة ذاتها موضع التساؤل، وهي بجانب ذلك كونها فلسفة علمية هي فلسفة عن الفلسفة، والفيلسوف التحليلي هو فيلسوف الفلاسفة " 12

لنا التعقيب التالي على بيان راسل المتفائل جدا:

- لا نجد في التحليلية الانجليزية على وجه الخصوص والتحديد أنها فلسفة علمية تقود فلسفة العلم حسب تعبير راسل، فقد رفضت النزعة العلمية الطبيعية كلا من المنطق والرياضيات التحليلية كفلسفة انجليزية لا تمتلك هذين المجالين في محاولتها سحب العلم وراءها وليس العكس الثابت على ارض الواقع في سحب العلم الفلسفة وراءه. أرادت التحليلية الانجليزية الاعتياش على العلم بهاتين الميزتين وفشلت. ولا يوجد من يتقبّل الادعاء الفلسفي الانجليزي أن التحليلية أنجبت فلسفة العلم من رحمها، ولا يوجد ما يثبت هذا الادعاء البعيد جدا عن تمرير مقبوليته الزائفة المصطنعة..

- قضايا الفلسفة منذ نشأتها الاولى في الصين والهند واليونان والرومان والى منتصف القرن العشرين، هي قضايا تهتم بمحورية الانسان كوجود وطبيعة وحياة على الارض وفي الكوني، وقضايا الفلسفة شمولية عابرة للعنصرية الشعبوية المدانة عصريا حداثيا، وهو ما أخفقت التحليلية الانجليزية تحقيق النزر اليسير منه مقارنة بمنجزات تاريخ الفلسفة الحديثة في مختلف بلدان العالم.. فقد ضربت التحليلية الانجليزية على نفسها طوقا من العزلة.

ولم تكن الفلسفة في يوم ما على أمتداد رقعة جغرافيا العالم أن أدعت أنها فلسفة بلد بعينه هي فوق كل تاريخ الفلسفة عامة وهي مفلسة من أثبات وجودها على أرضها كما هي تحليلية راسل التي يعتد بجوهرها الانجليزي العلمي الذي لم يتحقق منه شيئا.

لقد كان لفلاسفة اليونان والالمان والفرنسيين وغيرهم الباع الاكبر والفضل الأعم في نشر تيارات فلسفية هي من الاهمية والريادة التي لا يستطيع راسل التغاضي عنها ولم يقولوا أنهم أخترعوا فلسفة تخص بلدهم وتتويجها سيدة على فلسفات العالم وأنها فلسفة (ثورة) فوق فلسفة العالم وفيلسوف التحليلية هو فيلسوف الفلاسفة بالعالم كما ورد في بيان راسل.

- بأعتراف فلاسفة تحليل أنجليز على عكس طاؤوسية وتعالي بيرتراند رسل أقروا بأن التحليلية وصلت في مآلها الاخير أن تكون فلسفة لغة خالصة تنشد تحقيق معرفة علمية لم تستطع الحصول عليها لا في أعتماد رياضيات راسل ولا في أعتماد تجريبية أسلافه العلميين كما هي عند بيكون ولوك وصولا لديفيد هيوم.. كون قضايا العلم غير الفلسفية هي من أحتكار تخصصات العلوم الطبيعية. فعن أي أحياء وانبعاث موروث فلسفي أحيته التحليلية الانجليزية ممثلا بنزعة التجريب عند بيكون وجون لوك وبيركلي وهيوم، بعدما فشلت التحليلية الانجليزية تحقيقه بالتواصل الميراثي معهم ، ما حدا بفلاسفة أميركان وفرنسيين والمان أختراعهم تيارات فلسفية مجددة أيضا تقوم على فلسفة اللغة والمعنى قبل التحليلية الانجليزية وبعدها، ولم يعتبروا أنفسهم فلاسفة نجباء انجبتهم تحليلية راسل الانجليزية الثورة التي أقتلعت جذور الفلسفة من أصلها بالتبشير بفلسفة هي أم فلسفات العالم المعاصر كما في بيان راسل.

ميراث التحليلية

كتابات جون لوك وبيركلي وهيوم الفلسفية المنطقية التجريبية كانت تندرج تحت عنوان ما يسمى فروع فلسفة المعرفة، وكان المفترض أن تحلل هذه النزعة ضروب الادراك المختلفة بما في ذلك الخيال والاعتقاد.13 ولم يكن بيركلي تجريبيا تحليليا، وليس صحيحا عنه أنه أنكر وجود الاشياء المادية كما هو عند لوك، وأنتقد مور مفهوم بيركلي للتحليل الذي أقتصر على التحليل اللفظي فقط، في ربطه بين الواقع الفيزيائي والواقع الذهني. وكان لوك فيلسوفا تحليليا تناول القضايا التي يقول بها الناس كما هي ليحلل معانيها، وكان يؤكد عمل الفيلسوف هو القيام بازالة ما يعيق المعرفة الانسانية. 14

كما أستندت المثالية الالمانية الى منهج التحليل بالعودة الى الميتافيزيقا، فقام كانط بتحليل القضايا العلمية ونتج عنها التحليل المتعالي الذي عدّه علم الصور القبلية التي يتألف منها العقل. الذي يقوم على تحليل المعرفة للكشف عن المباديء والمقولات المعرفية التي تجعل المعرفة ممكنة وتقول بأستحالة الميتافيزيقا. ومن الجدير أن زكي نجيب محمود أعتبر كانط أضخم رجال التحليل في تاريخ الفكر كله. وينسب لكانط أنه أول فيلسوف أستخدم لفظة تحليل.

بين الفلسفات القارية والتحليلية

لم تهتم اوربا نفس الاهتمام الفلسفي بالتحليل الذي أولته له الفلسفة الانجلوساكسونية الحديثة لها على حساب قضايا فلسفية أخرى. وعلى سبيل الاستشهاد العابر نجد الخلاف كان شديدا بين جاك دريدا المحسوب على الفلسفة القارية الاوربية، وبين جون سيرل الامريكي صاحب التحليلية على الطريقة الامريكية في محاولة بعث وتجديد أصالة الذرائعية الامريكية القارة.، الذي أتهم فيلسوف التفكيكية دريدا بأنه ظلامي ليرد عليه الاخير بنعت سيرل الفيلسوف السطحي. والحقيقة التي تقال في أمانة أن جون سيرل فيلسوف موسوعي متعمق ولم يكن سطحيا في تحليله الوعي وفلسفة العقل. ألا أن الحقيقية الثابتة التي تتجاوز هذه الانتقادات الافتعالية تؤكد أن التفريق الانفصالي مابين الفلسفتين القارية الاوربية والانجلوساكسونية، هو تفريق مفتعل لا قيمة حقيقية له حينما سقط معظم فلاسفة اوربا المعاصرين في أحضان الجامعات الامريكية منهم دريدا وبول ريكور واخرين عديدين.غالبية فلاسفة اوربا الحديثين قصدوا حاضنة التفريخ الاميريكية الاكاديمية.

الاهم من هذا التمازج نجده في حقيقة أن الفلسفات القارية الاوربية كانت من التنوع والتشكلات المختلفة والازدهار ما جعل التحليلية التي مصدرها الحديث الفلاسفة الانجليز كانت عاجزة تماما أن تكون الفلسفة المحتواة لتيارات تفلسف اللغة وفائض المعنى، في مسار التحول اللغوي واللسانيات الذي أنبثق من اوربا حصرا. في وقت لم يستطع فلاسفة الانجليز أبتداع فلسفية حديثة غير التحليلية التي أخذتها عن اوربا وأرادت توطينها مركزيا في انكلترا، ما وضعها بين مطرقة الفلسفات الاوربية وسندان الفلسفات الامريكية التي لم تكن تعتبر التحليلية الانجليزية تطورت وجاءت بجديد غير الدوران حول مركزية أفكار راسل ومور التي لم تجد لها فضاءا يحتويها خارج انكلترا ولا في أمريكا ماجعل راسل يضجر من الفلاسفة الاميركان في اعتباره لهم لقطاء الفلسفة البراجماتية الامريكية الخسيسة.

كما تتضمن الفلسفة القارية الاوربية مجموعة من الاراء والتنويعات التي ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين، من بينها المدارس التي تتضمنها المثالية الالمانية ،والظاهراتية، والوجودية ، والتاويلية، والبنيوية، وما بعد البنيوية، علاوة على أفكار فرويد بالتحليل النفسي والنظرية النقدية في مدرسة فرانكفورت والاراء المتعلقة بالماركسية.

خاتمة

نحاول في الختام التعرض الى أبرز خصائص الفلسفة التحليلية الانجليزية، ويبقى هناك غير الذي نذكره الكثير مما قيل ويقال عنها:

- مركزية اللغة في التحليلية الانجليزية لا يجعل منها فلسفة لغة تتسم بالوضوح وتعرية الزيف اللغوي المستتر بالغموض والتعقيد كما أعلنت هي عن ذلك في تسويق نفسها، وعدم استطاعتها توخي مناقشة قضايا فلسفية هامة تضارع ما حققته الفلسفات القارية الاوربية وعلى وجه التحديد في فرنسا.

- التاثير اللغوي الذي تبنته التحليلية جعلها تضيع وتتشتت في الفلسفات القارية التي لم تجعل من اللغة محورا مركزيا في مقاربتها العلم الطبيعي كما فعلت التحليلية الانجليزية بل كان مسعاهم تطوير فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في بحث قضايا فلسفية متنوعة لم تحاول التحليلية الانجليزية الاقتراب منها.

- مهمة تاثير التحليلية الانجليزية على مسار تجسير هوة انفصالها عن الفلسفات القارية الاوربية قام الاضطلاع بها الفلاسفة الاميركان أمثال رورتي وسيرل وسانتيانا وكارناب في مرجعيتهم وارتباطهم بحلقة فينّا، ولم يهتموا بمناقشة الجزء وصولا الى الكل في منهج فلسفي تحليلي.

..........................................................................................................
الهوامش:
1. احمد عبد الحليم عطية/ الفلسفة التحليلية، ماهيتها، مصادرها، ومفكروها.

اضف تعليق